- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

ألغام متاهة تمويل عجز الموازنة في تونس | رياض بوعزة

سبقت التحذيرات الصادرة عن المؤسسات المالية ووكالة التصنيف الدولية جميع تحذيرات الخبراء التونسيين بشأن المخاطر المتعلقة بعدم القدرة الدولة على تمويل عجز موازنة 2021 خاصة بعد الفشل في الحصول على ديون من السوق المحلية الصيف الماضي وانسداد آفاق استكمال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لفتح خط ائتمان بقيمة 4 مليارات دولار.

تمويل العجز يشكل فعليا أحد أكبر التحديات أمام السلطة في ظل التدابير الاستثنائية للرئيس قيس سعيد لتعديل بوصلة المسار السياسي، بينما يعيش البلد في ضائقة مالية خانقة تعود أساسا لعدم فاعلية خطط الإصلاح التي صدعت الحكومات المتعاقبة رؤوس المواطنين بها ولم تحقق أهدافها.

مع أن هذا الوضع لا يبدو أمرا جديدا بالنظر إلى كم الألغام، الذي مر به الاقتصاد طيلة عشرية كاملة جراء الاضطرابات السياسية والأمنية وأخيرا الأزمة الصحية، إلا أنه يمكن أن يقوض أساس قطاعات إنتاجية هي في الأساس هشة، لفترة أطول من المتوقع، بعدما ظلت تبحث عن الاستقرار دون جدوى.

في ظل تعثر المفاوضات مع صندوق النقد وتراجع قيمة السندات الصادرة عن المركزي بالعملة الصعبة، تجد السلطات نفسها في موقف محرج لتعبئة التمويلات

جوهر المخاوف يكمن في أن الحكومة السابقة، التي أعفاها قيس سعيد من مهامها، بنت الموازنة على فرضيات غير واقعية ومؤشرات ليست ثابتة، وقد تم تقديمها للبرلمان بنفقات دون ضبط موارد، والأسوأ من ذلك أن مجلس النواب، الذي تم تجميد أعماله منذ الـ25 من يوليو الماضي مرر قانون المالية دون أن يكلف نفسه عناء التمحيص فيها ودون النظر بعناية في تداعيات الوباء.

لا يمكن تحميل المسؤولية لحكومة هشام المشيشي لوحدها في ما آلت إليه الأوضاع رغم الارتباك الواضح في إدارة شؤون الدولة، فكل الحكومات السابقة كانت تقع في فخ هذه الأخطاء. وقد ظل إنجاز الموازنة السنوية رهين “لعبة سياسية” لتحقيق مآرب وغايات على حساب تحسين الظروف المعيشية للشعب ودعم سوق العمل وتوسيع نطاق الأعمال التجارية والاستثمارية.

في العادة تُبني الموازنة على فرضيات لعل من أهمها نسبة النمو وسعر صرف العملة وسعر النفط في الأسواق العالمية. وقد اتضح منذ البداية أنها مجرد “موازنة انتخابية”، ولن تحل مشاكل البطالة وتقهقر مستوى المعيشة وضعف مستوى الاعتمادات المخصصة للتنمية وتفاقم معدل الدين العام الذي يتوقع أن يصل إلى 91 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

بصرف النظر عن قيمة الدينار، الذي لا يزال يحافظ على قوته منذ 2018 أمام سلة العملات الرئيسية ولاسيما الدولار واليورو بفضل السياسات النقدية للبنك المركزي وعوامل أخرى تتعلق بالسوق، لم تكن المحددات الأخرى صائبة.

ألغام متاهة تمويل عجز الموازنة في تونس | رياض بوعزة
الدينار لا يزال يحافظ على قوته منذ 2018 أمام سلة العملات الرئيسية ولاسيما الدولار واليورو بفضل السياسات النقدية للبنك المركزي

فقد كانت فرضية بلوغ النمو معدل 4 في المئة بنهاية هذا العام مغرقة في التفاؤل فالنمو لم يتخط 1.6 في المئة في النصف الأول من 2021 خاصة وأن إقرار الموازنة تزامن مع فشل ذريع في تطويق تفشي فايروس كورونا ممزوجا مع عدم القدرة على جلب اللقاحات، في حين أن الاقتصاد يظهر منذ بداية العام أنه في حالة انكماش متأثرا بكساد القطاعات الاستراتيجية وفي مقدمتها السياحة والزراعة وانحسار الاستثمار الأجنبي المباشر.

أما مسألة تحديد سعر برميل النفط عند نحو 45 دولارا بالنظر إلى تراجع أسعار الخام في الأسواق العالمية نتيجة قيود الإغلاق فكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر السلطات التونسية إذ إن سعر برميل النفط يتأرجح بين 70 و75 دولارا منذ يونيو الماضي بسبب تعافي الطلب العالمي، مما أوجد مع مرور الوقت ثغرة مالية كبيرة في الموازنة.

وحتى تسد العجز، فإن تونس، وبسبب شلل النشاط الاقتصادي، تحتاج إلى تعبئة موارد مالية وليس لها خيارات إلا الاقتراض ومراكمة الديون، لجمع قرابة 19 مليار دينار (6.8 مليار دولار)، تشمل إصدار أدوات دين وخطوط ائتمان تنقسم بين نحو ملياري دولار من السوق المحلية وقرابة 7.7 مليار دولار من السوق الدولية.

الرؤية المستقبلية لتونس تعتمد على إمكانية توفير تمويل من صندوق النقد، لكن المسار يبدو صعبا، حتى ولو لم نأخذ التغيير السياسي الحاصل حاليا بعين الاعتبار، لأن الدولة لديها سابقتين منذ 2011، الأولى في 2013 بقيمة 1.3 مليار دور والثانية بقيمة 2.9 مليار دولار في 2016 ولم تتمكن الحكومات في ذلك الوقت من استكمال الإصلاحات من أجل الحصول على الشرائح المتبقية من التمويلات.

الآن، وفي ظل تعثر المفاوضات مع صندوق النقد وتراجع قيمة السندات الصادرة عن المركزي بالعملة الصعبة، تجد السلطات نفسها في موقف محرج لتعبئة التمويلات، فعندما طرحت سندات في السوق المحلية الشهر الماضي، لم تحظ بإقبال من البنوك والشركات والمستثمرين وحتى الأفراد نتيجة الأخطار، التي قد يواجهونها بالنظر إلى ضبابية الوضع الاقتصادي.

تمويل العجز يشكل فعليا أحد أكبر التحديات أمام السلطة في ظل التدابير الاستثنائية للرئيس قيس سعيد لتعديل بوصلة المسار السياسي

فأرقام وزارة الاقتصاد المالية تشير إلى أنه تم جمع قرابة 167.8 مليون دولار فقط، وهو أقل من التمويلات التي تمت تعبئتها في يونيو الماضي في أول طرح للسندات هذا العام حيث بلغت نحو 257 مليون دولار.

وعلى وقع ذلك كله، يتجدد الجدل حول آلية الموازنة التكميلية التي ظلت عرفا منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي بعدما فرضت المتغيرات الاجتماعية وتزايد المطلبية الشعبية ضغوطا كبيرة على الدولة فضلا عن عدم الاستقرار المالي والضريبي.

في ظل تزعزع ثقة المانحين الدوليين بتونس اليوم علينا أن نتساءل، من سينقذ الدولة من ألغام متاهة تمويل عجز الموازنة؟

#ألغام #متاهة #تمويل #عجز #الموازنة #في #تونس #رياض #بوعزة

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد