- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

إحياء الذكرى الأولى لوفاة المناضل أحمد بن صالح: هل كانت محاكمته حتميّة، … كان جوادا أصيلا … والجواد قد يعثر، شهادة للتاريخ

إحياء الذكرى الأولى لوفاة المناضل أحمد بن صالح:  هل كانت محاكمته حتميّة، … كان جوادا أصيلا … والجواد قد يعثر، شهادة للتاريخبقلم الأستاذ عبد السلام القلال – انتقل إلى جوار ربّه يوم 16 سبتمبر من السنة الفارطة 2020 المناضل الكبير السيد أحمد بن صالح عن عمر يناهز 94 سنة فأثار فينا شعور الحزن والأسى تغمده الله برحمته الواسعة ورزق زوجته وأبناءه والعائلة الدستوريّة جميل الصبر والسلوان.   

أحمد بن صالح من أبناء تونس البررة ورجالها الأفذاذ والذين تركوا بصماتهم في تاريخ تونس الحديث، كان مناضلا سياسيّا في الحزب الحر الدستوري التونسي، ونقابيّا في الإتحاد العام التونسي للشغل، وتحمل فيهما أعلى المسؤوليات القياديّة، التي مع الأسف عرف فيها نهاية مأساويّة.

عرفت سي أحمد لأوّل مرّة بتاريخ 5 ديسمبر 1954 حين كان أمينا عامّا للاتّحاد العام التونسي للشغل في جزيرة قرقنة بمناسبة تأبين فقيد الوطن الزعيم فرحات حشّاد بمسقط رأسه العبّاسيّة، وبحضور عدد غفير من مناضلي الاتحاد والحزب الحرّ الدستوري، وقد شاركت في التأبين نيابة عن اتحاد الطلبة التونسيين إلى جانب أحمد بن صالح والحبيب عاشور، وكان يوما حزينا ومؤثّرا، عاهدنا فيه حشّاد بأنّنا سنواصل مسيرة الكفاح على خطاه من أجل تحقيق استقلال تونس وسيادتها.

عرفتُه بالخصوص لمّا كان يُدير كتابة الدولة للتخطيط والماليّة، وتعاونت معه طيلة الستينات كمساعد مدير الحزب في المستوى الوطني مكلف بالشؤون الاقتصادية والاجتماعيّة، حيث كنت أرافقه في أغلب نشاطاته كممثل عن إدارة الحزب وعرفته أكثر لمّا كنت واليا على جهة الكاف، اختلفت معه في خصوص وضع عدة تعاضديّات، كانت تُشغّل أكثر من طاقتها التشغيليّة ولا تحترم قواعد التصرّف السّليم، وكان هذا الخلاف موضوع مشادّة كلامية في أوّل اجتماع أحضره كوال والمنعقد في شهر سبتمبر 1964 برئاسة كاتب الدولة للداخليّة الطيب المهيري.

غضب سي أحمد وساءت علاقتي به، ولمّا بلغ هذا الأمر إلى علــم الرئيــــس تدخّـــــل ووضع حدّا لهذا الجفاء، بدعوتي لاحتساء القهوة معه في مكتبه وحددّ لي موعـــــدا لذلك، وهــــذا ما تمّ، ورجعــــت علاقتنا على أحسن ما يكون، وأصبحت حميميّة مع بقاء كل واحد منّا على قناعاته، وسعيت إلى أن أتحمّل مسؤولياتي بكلّ أمانة، أطبّق سياسة الدولة والحزب بعد أن استرعي الانتباه لما أعتقد أنه الأسلم وتواصلت هذه الصداقة رغم تباين التوجهات إلى تاريخ وفاته.

شخصية أحمد بن صالح ومسيرته

كان المغفور له من المناضلين العصاميين الذين خدموا البلاد كما لم يخدمها أحد، بداية ككاتب عام للشعبة الدستوريّة بباريس، وكاتب عام للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1954، ثم كاتب الدولة للصحة والشؤون الاجتماعيّة سنة 1957 وعين بداية من سنة 1961 عضو في الديوان السياسي وعلى رأس خمس كتابات دولة، كاتب الدولة للتخطيط والماليّة، والصناعة، والتجارة، والفلاحة، وأخيرا أُسندت له كتابة الدولة للتربية والتعليم سنة 1968.

كان الشخصية السياسيّة الثانية بعد الرئيس الحبيب بورقيبة في مرحلة الستينات، امتاز بحيويّته وفكره الخلاّق ونظافة اليدين والتفاني في العمل وقدرته الفائقة على الخطابة، ولكل هذا كان الرئيس معجبا بخصاله ويقدّره ويدعّمه في الاضطلاع بمسؤولياته إلى أبعد الحدود، وألجم خصومه وكان يقول” أحمد بن صالح يذكرني بشبابي” ويطلب منّي في عدّة مناسبات، عند زيارته لمدينة الكاف، مساعدته والانسجام معه لأنه كان يعوّل عليه كثيرا لقيادة المعركة ضد التخلّف. قاد بن صالح معركة التغيير والإصلاح بالخطاب والاتصال المباشر بالشعب، كان يعقد في بعض الأحيان اجتماعات في ثلاث ولايات في يوم واحد، لتوعية المواطنين من أجل مقاومة ما كان يردّده ” العادات البالية والأوضاع الفاسدة”، والدعوة إلى التنظّم والعمل والإنتاج.

كان صاحب مشروع اقتصادي واجتماعــــي مستوحى مـــن الدراسات الاقتصاديّـــة للاتحاد العــــام

التونسي للشغل، التي كانت محور اللائحة الاقتصاديّة بمؤتمر الحزب المنعقد بصفاقس في أكتوبر سنة 1955 والتي تبنّاها الرئيس الحبيب بورقيبـــة سنـــــــة 1961، وصادق عليها مؤتمــــر المصيــــر للحزب في أكتوبر 1964 بعد توضيح ملامحها وتحديد خصوصياتها، وتتمثل في منوالٍ للتنمية يحمل مصطلح ” الاشتراكيّة الدستوريّة” التي تعتمد على تعايش الثلاث قطاعات في التنمية الاقتصادية والاجتماعيّــــة، الدولـــة والخواص والتعاضــد، وهــــو طريــق الوســـط للتنمية بين الاشتراكيّة المتطرّفة والرأسماليّة المتوحّشة.

Photos me abdessalem 2

أحرز أحمد بن صالح على ثقة الرئيس الذي دعّمه وشجّعه ليقود سياسة الإصلاح والتنمية في تونس بعد الاستقلال وحمّله مسؤوليّة تنفيذ السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتّفق عليها، وذلك في نطاق خطة للتنمية ذات رؤيا مستقبليّة واضحة المعالم وعلى أساس دراسات علمية مرقّمة، انطلق على ضوئها المخطّط العشري الذي يمتد من سنة 1962 إلى سنة 1972، والذي يهدف في نهايته إلى رفع مستوى الدخل الفردي التونسي إلى 50 دينار في السنة، وهذا ما كان يطمح إليه الرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان في عجلة من أمره يدعو إلى تطوير الإنسان التونسي في كلّ المجالات وفي أسرع الأوقات وعلى مختلف المستويات، وفي هذه العشريّة تتونست الإدارة والمؤسسات الاقتصاديّة وبنيت المصانع في الجهات، وانطلقت السياحة ببناء النزل، وامتدّت شبكة الطرقات، وبنيت الموانئ والمطارات، وتعصّرت الفلاحة وتأسّست المنظومة التعاضديّة للأخذ بيد صغار الفلاّحين المهمشين، ساهم إذن أحمد بن صالح بقدر كبير في وضع أسس الدولة الوطنيّة وبناء اقتصادها في مختلف المجالات والجهات.

وكانت أولويّة اهتمامات الدولة، تنمية الجهات وإدماج الطبقة الضعيفة في بودقة الانتاج، فأسّست هياكل الاقتصاد التعاضدي لانتشالها من الفقر والبطالة، وإدماجها في المنظومة الاقتصاديّة، بتركيز وحدات الإنتاج على أراضي الدولة، التي استرجعت من لدن المعمّرين، والمتكوّنة من عمّال الضيعات، وصغار الفلاحين المجاورين لها، فهي أرضهم ردّت إليهم لتصبح ملكا لهم بعد 5 سنوات بمقتضى قانون التعاضد لسنة 1963، أليسوا هم أبناء المالكين الأوائل لهاته الأراضي التي اغتصبها الاستعمار؟

الوحدات التعاضديّة المقرّرة في المخطّط والتي ركزناها في ولايات الشمال الغربي على الأراضي الزراعيّة التابعة للدولة والضيعات الصغيرة المجاورة لها، وفي الجهات التي وجدت فيها هذه الأراض ويتم تجهيزها بوسائل الإنتاج العصريّة وإدخال الأساليب العلميّة في خدمة الأرض، وتوفير القروض اللازمة لها من البنوك التونسيّة والبنك الدولي، الذي كان مقتنعا بنجاعتها كمؤسسة اقتصاديّة، وكانت لا تخلو طبعا من الصعوبات وكان المطلوب اعطائها الوقت الكافي ليشتدّ عودها وتثبت جدواها.

منعرج الخطأ(1)

الخطأ الذي حصل وكان وراء إيقاف التجربة التعاضديّة في نهاية الستّينات، هو أنّنا تسرعنا في إحداث الوحدات التعاضديّة دون الأخذ بعين الاعتبار استعداد المواطن وقدرته على استيعاب متطلبات الإصلاح وتجاوزنا في مدة قصيرة ما حدّده المخطّط، وعمّمنا شكلها القانوني في مختلف الجهات وعلى مختلف أنواع الزراعات دون اعتبار ما لها من خصوصيّات، كما أن إحداثها لم يكن عن طواعيّة في أغلب الأحيان، بل تم فرضها على المواطن في بعض المناطق دون بذل الجهد الكافي لإقناعه، وأخيرا وهذا الأخطر الدعوة إلى تعميمها من طرف رئيس الجمهوريّة في 24 جانفي 1969 على كل الأراضي الفلاحيّة في كل الجهات، وإدماج كبار ومتوسطي المزارعين فيها غصبا عنهم، والقضاء على القطاع الخاص والمجهود الفردي في تعاطي الفلاحة خلافا لما تم إقراره بالإجماع في مؤتمر المصير المنعقد في 15 أكتوبر 1964 ببنزرت.

غاب على رئيس الدولة ما يتطلبه قرار التعميم وتبعاته، فالقرار الذي اتخذه في هذا المجال في 24 جانفي 1969 لا يستقيم لعدة اعتبارات أهمّها:
أولا: لم يكن في استطاعة الدولة مواجهة ما ينجر عن التعميم من التزامات وإمكانيات ماديّــة وطاقــــة بشريّــــة لاستغلال الملاييــــن من الهكتـــارات مــــن الأراضي الفلاحيــــة التي تصبــــح بقــــرار التعميم تحت النظام التعاضدي.

ثانيا: استعمال الضغط بدل الاقناع في تطبيق الإصلاح في عديد الجهات ورفض المواطنين وخاصة متوسطي وكبار الفلاحين قرار التعميم وعدم استعدادهم لتسليم أراضيهم في تصرف الغير، وبدأت ملامح الغضب تتطوّر إلى أحداث شغب تهدد استقرار النظام السياسي.

ثالثا: وهذا هو الأهم، التعميم يفترض القضاء على القطاع الخاص، والمبادرة الخاصّة، بفرض نظام شمولي تحت غطاء التعاضد، ففي ذلك تجاوز صارخ لمقررات مؤتمر المصير، الذي صادق على منوال التنمية والذي عرف بمصطلح ” الاشتراكيّة الدستوريّة” التي تعتمد أساسا في التنمية الاقتصادية والاجتماعيّة على ثلاث قطاعات، العام والتعاضدي والخاص. 

دخلت البلاد في نهاية الستينات بعد قرار التعميم في فترة صعبة، مورس فيها التعسف والعنف أحيانا في تطبيق التعاضد وتعميمه ممّا أدى إلى الاضرار بعدد من المواطنين وإحداث الشغب والعصيان، وأصبحت البلاد في هذه الظروف والأجواء، قادمة على تحوّل جذري في نظامها الاقتصادي والسياسي، بالمرور من نظام ليبيرالي اجتماعي أي اشتراكي معتدل إلى نظام شمولي كلياني تحت مظلّة التعاضد.

تعميم التعاضد هو الذي فشل وأفشل بالأساس المنظومة الاشتراكيّة 

في الواقع، على عكس ما يعتقد الكثيرون، التعاضد في الستينات لم يفشل، العديد من التعاضديات في جهات الشمال أصبحت مؤسسات اقتصاديّة ذات جدوى، استطاعت تسديد القروض واقتناء التجهيزات وتوزيع المرابيح، وكانت في طريق النجاح لو واصلنا السير بتأنّ ولم نتجاوز مقررات مؤتمر المصير، إذن قرار التعميم هو الذي فشل وأفشل منظومة التعاضد هذا وإن كانت هناك عوامل أخرى فقد كانت قابلة للإصلاح والتعديل.

صحيح أن أحمد بن صالح هو صاحب مشروع التعميم،(2 – 3) لكنّه قاد هذه السياسة على الملأ والمشاركة الفعليّة لكل المسؤولين والمناضلين في الحزب والحكومة وفي المستوى الوطني والجهوي ومباركتهم، وعلى رأسهم رئيس الدولة، ولم يكن أحمد بن صالح وحده على الميدان، كل المسؤولين شاركوه في تنفيذ هذه السياسة، لماذا تحميله المسؤوليّة وحده لنجعل منه كبش فداء لسياسة شارك فيها الجميع؟(4)

من المقرف أنه في اجتماع اللجنة المركزيّة المنعقد في 20 مارس 1969 الذي أقرّ مبدأ التعميم، كان كل أعضاء الديوان السياسي حاضرون ولم يرفع ولو واحد منهم صوته ليعارض هذا القرار ويساند والي الكاف الذي أثار المشكل والتداعيات التي ستترتّب عن تنفيذ قرار التعميم، بل بالعكس لازموا الصمت حينها وساهموا في التنفيذ فيما بعد.

ترأس الهادي نويرة محافظ البنك المركزي أول وحدة تعاضديّة لكبار الفلاحين حول ضيعته بالصمعة في الوطن القبلي استجابة للدعوة إلى التعميم، كما وجّه كمحافظ للبنك المركزي بتاريخ 15 أوت 1969 رسالة إلى السيد كاتب الدولة للتخطيط والماليّة يعلمه فيها بأن البنك المركزي سيبذل، رغم ما يترتّب عن التعميم من صعوبات ماليّة، كل جهوده لتوفير التمويلات اللازمة لهذا المشروع. كما أزال كاتب الدولة للرئاسة الباهي الأدغم الحدود بين الضيعات على ظهر جرّار مردّدا ” الله يغفر ويسامح” وكذلك حسّان بالخوجة الذي توجّه في آخر زيارته للكاف في صيف 1969 للمواطنين بخطاب أكّد فيه أنه لا مستقبل للفلاحة خارج التعاضد، وكذلك الباجي قائد السبسي في زيارته في  19 أوت 1969 لولاية باجة حيث أكّد نفس التوجّه قائلا:” إن هذه النتائج قد دلت من جديد على فاعليّة الخطة الاشتراكيّة وسداد السياسة البورقيبيّة.” هذه الحقائق عبّرت عنها بوضوح في استجواب إذاعة المنستير، وقد وقع حذفها مع الأسف عند البثّ.

هنا يحق التساؤل إن كانت هذه المحاكمة حتميّة؟ حيث كانت نتائجها على النظام كارثيّة، شكّكت في مصداقيّة الرئيس وزعزعت ثقة الشعب فيه وأطاحت بهيبة الدولة وأحبطت عزائم المناضلين البناة، ألم تكن هذه المحاكمة محاكمة النظام السياسي بأكمله؟ إنها محاكمة ظالمة لم تكن لا حتميّة ولا أخلاقيّة وتعد من أخطاء الرئيس الحبيب بورقيبة.

محاكمة أحمد بن صالح

ممّا لا يعرفه الكثير هو أن الرئيس بورقيبة في البداية لم يكن يفكر في محاكمة بن صالح، حاول أن يشعره بضــــــــرورة التراجــــع عن مواصلة هذه السياسة، والقيام بنقده الذاتي العلني والدعوة إلى تصحيح المسار، ومما غاب عن المتابعين لهذه الفترة أن الرئيس بورقيبة أتاح له عـدّة فرص للقيام بذلـك:

الفرصة الأولـى: في اجتماع مجلس الجمهوريّة المنعقد في 2 سبتمبر 1969، حيث لم يذعن أحمد بن صالح لموقف الأغلبيّة التي دعت لوقفة تأمّل وتقييم التجربة قصد وضع حد لما طرأ على المسيرة من تجاوزات.

• الفرصة الثانية: في الحوار التلفزي الذي أداره عبد العزيز العروي ودعي إليه بن صالح لتوضيح موقفه من وقفة التأمّل وضرورة تقييم المسيرة وذلك بحضور ومشاركة الباهي الأدغم والحبيب بورقيبة الابن ومحمد الصياح بتاريخ 6 سبتمبر 1969 وقد تشبّث فيه بموقفه وكان حينها الرئيس أمام التلفاز يتابع الحوار وينتظر من أحمد بن صالح التراجع في مواصلة التعميم، لكن هذا لم يحصل.

• الفرصة الثالثة: عند إعفائه من مهامه الاقتصاديّة وعيّن مكانه عدّة كتّاب دولة أشرف على تنصيبهم الباهي الأدغم نيابة عن الرئيس في 9 سبتمبر1969 وجاء في خطابه: ” تقدير المجاهد الأكبر وأعضاء مجلس الجمهوريّة لما قام به أحمد بن صالح من مجهودات طوال سنوات عديدة على رأس كتابة الدولة للتخطيط والاقتصاد الوطني لما حققه من إنجازات بفضل حماسه وتعاون مساعديه موضحا أن هذه الإنجازات ستبقى مقترنة باسمه.” إنه اعتراف بالفضل لذويه ودعوة إلى الحكمة والتعقّل وعدم الخروج على الصف.

• الفرصة الرابعة: عندما توجه له الرئيس بورقيبة بصفة غير مباشرة بعد التحوير الوزاري ليطمئنه ويؤكّد ثقته فيه في الخطاب الذي ألقاه من قصر قرطاج بتاريخ 30 سبتمبر1969، حيث يقول تحت عنوان ” الطريق السويّ”: ” إن نظامنا الديموقراطي إذا ما اقتضى تحويرا وزاريّا، فإن ذلك لا يدلّ على نزع الثقة ممّن نالهم التحوير، كما لا ينبئ بتغليب شقّ على شقّ آخر … قد يقصى يوما وزيرا من الوزراء من الحكومة ثم لا يطول به الوقت حتّى يصبح رئيسا للجمهوريّة…وليس في الأمر أكثر من ذلك والعبرة بالنتائج وأردنا أن نعتمد في خطتنا على تعايش القطاعات الثلاث الخاص والعام والتعاضدي، وأن نضع هذه الخطّة موضع التجربة…فإنّنا لا نحمّل أعضاء الحكومة المرموقين أي ّوزر بل أنا أحتفظ لهم بثقتي وأعرف أنّهم نزهاء”.

• الفرصة الخامسة: رسالة الرئيس بخط يده التي بعث بها من باريس إلى الباهي الأدغم في
4 جانفي 1970 لدعوته للنظر في وضع أحمد بن صالح وطلب منه: ” للقيام بما يلزم حتى النهاية إلا إذا أقرّ بالذنب مثلما فعل عندما أزحته من قيادة اتحاد الشغل في 5 ديسمبر 1956.”

تعنّت مع الأسف سي أحمد وبقي على موقفه، معتقدا أنّ التعميم لا مناص منه وذلك ما كان يهدف إلى تحقيقه في نهاية سنة 1972(5)، غير أن الرئيس تسرّع في الإعلان عنه وحرص على انهاءه في سنة 1970، ثم تراجع فـــي هذا القرار بعد ستــــة أشهر لمّا شعــر أن البـــلاد في طريــــق مسدود وأنه تجاوز ما تم إقراره في مؤتمر المصير سنة 1964 ببنزرت وأن النظام أصبح قادما على الشغب وعدم الاستقرار.

كانت ولاية الكاف بمختلف إطاراتها تعد حينها دراسة معمقة لتداعيات التعميم، تقدّمت بحل بديل وقدّمته شخصيّا إلى أحمد بن صالح في آخر شهر أوت 1969 وبعد نقاش معه حول الموضوع طلب منّي ” أن أتوجه بهذا الحلّ إلى الديوان السياسي وإذا قبل به فأنا معك، ليس هناك إشكال” هو موقف يحسب له، وجهت التقرير إلى الديوان السياسي يتضمّن الحل البديل، لكن مع الأسف لا من مجيب، كانت ولاية الكاف لحدّ علمي الولاية الوحيدة التي تقدّمت بحل بديل في حدود مقررات مؤتمر المصير، يقرّ بوجود القطاع الخاص مع تنمية القطاع التعاضدي ويساعد على مواصلة الإصلاح(6).

تشبّث أحمد بن صالح بمشروعه وقناعاته، وكان هذا هو عين الخطأ الذي تمادى فيه رغم نصح أصحابه والمقربين منه، وأخصّ بالذكر منهم الشاذلي القليبي كاتب الدولة للشؤون الثقافيّة وأحمد نور الدين كاتب الدولة للتجهيز والأشغال العامّة(7)،  فأعطى بذلك لخصومه المتربصين به الفرصة للإيقاع به في باريس ودفع الرئيس، حيث كان يقيم للعلاج، لمحاكمته حتى يزيحه نهائيّا من المشهد السياسي ويضع حدّا لطموحه نحو الرئاسة ويقضي على إمكانيّة رجوعه إلى الحكم وتنفيذ مشروعه الشمولي، وهذا ما حصل، لكن رغم كلّ هذا كانت محاكمة أحمد بن صالح في نظري غير حتمية وظالمة وقد اعترضت عليها لدى الوزير الأوّل لأن السياسة التي كان يقودها حظيت بموافقة هياكل الحزب والدولة ومساندة الجميع من القمّة إلى القاعدة، كان الجميع يعمل من أجل تنفيذها ولم تكن هناك معارضة علنيّة إلا من أقليّة الأقليّة وعلى رأسها المرحوم أحمد المستيري، وكان في الإمكان إعفاء بن صالح في نطاق سياسة التداول على المسؤوليّة والرجوع عن التعميم وتصحيح المسار في مؤتمر الحزب الذي تقرر عقده في 09-11 أكتوبر 1969، وكانت هذه المحاكمة من أهم الأسباب التي دعتني إلى الاستقالة من خطة الوالي وانسحابي من الحياة السياسيّة في شهر سبتمبر 1970 والتحقت بمهنتي الأصلية المحاماة(8).

الفرصة المهدورة

كان في استطاعة النظام أن يتجنّب المحاكمة وأن يعدّل السير بوضع حدّ للتعميم والرجوع إلى منظومة الاشتراكيّة الدستوريّة التي أقرّها مؤتمر المصير، ومواصلة المسيرة على نفس منوال التنمية، لكانت تونس اليوم في مقدمة الدول الصاعدة، وبدل ذلك دخلت تونس في منعرج الخطأ الذي أخطأ فيه النظام في المرحلتين ما قبل التعميم وما بعده، وضاع حلم جيل الاستقلال من أجل بناء دولة قويّة وعادلة تكون في مأمن من الهزات السياسيّة والاجتماعيّة، وهذا ما لم يتحقّق وضاعت مع الأسف على تونس فرصة تاريخيّة من أجل الإصلاح والانطلاق.

     كانت تجربة الستينات محاولة لتعصير الفلاحة والإصلاح الزراعي، والقضاء تدريجيّا على تشتت الملكيّة وتجميع الضيعات الصغيرة التي لا يستجيب حجمها لأدنى شروط الاستغلال(9) لا العصري ولا التقليدي وتبقى عرضة للإهمال أو الكراء لكبار الفلاحين، وكذلك تطوير أساليب ووسائل الاستغلال، لاقت هذه التجربة في التنفيذ العديد من الصعوبات، لكن كانت قابلة للحلّ لو تصرفنا بحكمة وتعقّل وعدم التسرّع ووفرنا شروط النجاح مسبّقا. والآن وقد مرّت على هذه التجربة حوالي أربعين سنة وفلاحتنا ما زالت على ما هي عليه، والحكومات المتعاقبة بداية من السبعينات لم تهتد إلى طريقة قادرة على تعصير الفلاحة وحل مشاكلها وإصلاح أوضاعها، وصدق قوله تعالى ” وما تشاؤون إلا أن يشاء الله”.

كان أحمد بن صالح، رحمه الله، قريبا من الطبقة الضعيفة والمهمّشة، ناضل من أجلها ومن أجل أفكاره وقناعاته التي تمسّك بها حتّى ولو كادت تأخذه إلى المشنقة، وواجه قدره بشجاعة واعتداد بالنفس، سألته عند آخر زيارته إلى الكاف في جوان 1969، كيف يعلّق على الأصوات التي بدأت تتصاعد من هنا وهناك ضد التعاضد وبالخصوص من الطبقة المهمّشة التي من أجلها بعثـــت الهياكل لانتشالها من الفقـــــر والبطالــــة وإدماجــــها في منظومــــة العمل والإنتاج، أجاب بمــــرارة ” الاعتراف بالجميل ليس من هذه الدنيا يا سي عبد السلام” وأعاد لي هذه المقولة بنفس المرارة في آخر زيارة أديتها له في بيته أشهر قبل وفاته.   
     واعتقادي أن التاريخ سينصف أحمد بن صالح، لا محالة، رغم قناعاته وتوجهاته المذهبيّة، فيما قام به من جهد وتفان في خدمة الشعب ودفعه نحو التغيير والإصلاح والمساهمة الفعالة في تعصير الاقتصاد وبناء الدولة الوطنيّة، وسيكون عصيّا على كل محاولات التعتيم والنسيان لدوره المحوري والفعّال في مرحلة الستّينات التي تعتبر أهم فترة عرفها تاريخنا المعاصر.

كان أحمد بن صالح جوادا أصيلا … والجواد قد يعثر

رحم الله المناضل والصديق برحمته الواسعة وأسكنه فراديس الجنان، إنّ لله وإنّ إليه راجعون. 

الأستاذ عبد السلام القلال
شاهد وفاعل في فترة الستّينات

(1) أنظر كتابي الحلم والمنعرج الخطأ

(2) الحوار الذي أجراه أحمد بن صالح مع مارك نيرفان Marc Nerfin سنة 1974 وكذلك في الحوار الذي أجراه مع نورة البورصالي سنة 2008.

(3) أنظر كتابي الحلم والمنعرج الخطأ : (مشروع القانون الذي عرض على تأشيرة رئيس الدولة في 03 أوت 1963 و محضر جلسة الولاة المنعقدة في 22/04/1969).

(4) أنظر كتاب الحلم والمنعرج الخطأ.

(5) أنظر الحوار الذي أجرته معه الصحفية نورة البورصالي سنة 2008.

(6) الرجوع إلى مؤلفي الحلم والمنعرج الخطأ

(7) أعلمني بهذه المحاولة المرحوم الشاذلي القليبي في أحد الجلسات التي كانت تجمعنا.

(8) الرجوع إلى كتاب الحلم والمنعرج الخطأ للتعرف على ظروف الاعتراض والاستقالة

(9) أصحاب الضيعات الصغيرة بين 1 و20 هكتار يمثلون 80 % من مجموع المستحقين في القطاع الفلاحي بجهة الكاف (التي كانت تضم جهة سليانة أيضا) .

#إحياء #الذكرى #الأولى #لوفاة #المناضل #أحمد #بن #صالح #هل #كانت #محاكمته #حتمية #كان #جوادا #أصيلا #والجواد #قد #يعثر #شهادة #للتاريخ

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد