الإعلام التقليدي العربي أمام تحدي التجديد في الزمن الرقمي | آمنة جبران

تونس – تعيش وسائل الإعلام التقليدية العربية وأبرزها الصحافة الورقية أزمة وجود غير مسبوقة، فبعدما صمدت لعقود عدة أمام مزاحمة الإذاعة والتلفزيون لها، جاء زمن الرقمنة وشبكات التواصل الاجتماعي ليشكل تحديا حقيقيا لها، يزاحمها بما يوفره من أدوات بسيطة وفورية وقليلة التكلفة في نقل المعلومة والاستحواذ على اهتمام الجمهور.
وبما أن المجتمعات العربية مجتمعات غير قارئة عموما مقارنة بنظيراتها الغربية، فإن الطابع التبسيطي والتسطيحي لشبكات التواصل الاجتماعي وجد قبولا وتجاوبا طبيعيا وأصيلا لدى هذه المجتمعات، التي كان مَعينها “الثقافي” يستقي زاده أساسا من الثقافة الشفهية، ويعتمد على الحكايات الشفوية أكثر من اعتماده على الكتب.
ثم جاءت جائحة كورونا لتعمق أزمة الإعلام التقليدي في العالم العربي وغيره من دول العالم، مع توقعات الخبراء أن يسرع الوباء الذي أدى إلى زيادة هائلة في عدد القراء على الإنترنت، في نهاية عصر الصحافة المطبوعة.
وبات خيار التجديد يفرض نفسه على قطاع الإعلام حتى تضمن المؤسسات الإعلامية استمراريتها، وتستطيع الصمود في وجه سطوة التكنولوجيا وفي ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن مدى قدرة وسائل الإعلام العربية على النجاح في ذلك عبر التطوير من مضامينها وأشكاله الصحافية لاستعادة ثقة المتلقي.

وفيما نجحت مبدئيا تجارب دول عربية في التأقلم مع الرقمنة وتحديدا دول الخليج العربي في تطويع التكنولوجيا لتعزيز دور مختلف الوسائل الإعلامية مع اغتنام إمكانيات الابتكار والدمج التي يوفّرها التطور في المجال الرقمي لتطوير المضامين الصحافية، إلا أن الدول ذات الإمكانيات المالية المحدودة تشهد صعوبات حقيقية في إنقاذ إعلامها التقليدي الذي بدا جمهوره ينفر منه ويهجره إلى مواقع التواصل، بسبب تردي المحتوى ووقوعه في فخ الاستهلاك والنمطية وتركيزه على الإثارة لجذب المعلنين.
في المقابل سارعت الدول الغربية في توظيف الرقمنة لصالح وسائل الإعلام، واختارت تطوير المضامين الإعلامية، وقد ظهرت أنماط صحافية جديدة في هذه الدول في السنوات الأخيرة مثل صحافة الحلول والأخبار في شكل ألعاب فيديو والفيديوغرافيا وصحافة البيانات وصحافة التحري.
ويؤكد الخبراء على ضرورة تبني الدول العربية الخطوات الغربية لمواجهة تداعيات التحول الرقمي على الإعلام للنجاح في تحدي التجديد بالرغم من الصعوبات.
خيار التجديد
في تونس، اختار معهد الصحافة وعلوم الأخبار في ملتقاه السنوي الذي عقد الأسبوع الماضي بالعاصمة، أن يطرح إشكالية “الصحافة والتجديد في الزمن الرّقمي” للتساؤل عن قدرة وسائل الإعلام التقليدية العربية وحتى الإلكترونية في التأقلم والصمود في هذا الواقع الجديد.
وناقش الملتقى الذي شارك فيه 30 محاضرا وخبيرا من حوالي 15 دولة أشكال التجديد في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية البصرية والرقمية، كما طرح مسائل بحثية أخرى مثل “النماذج الاقتصادية للصحافة الرقمية والممارسات الصحافية في ظل بيئة الميديا الاجتماعية”.

اقرأ أيضا:  جريدة المغرب | إصدارات في كتابها التوجيهي «خفايا رسوم»: الباحثة لطيفة محمد الجلاصي تبحث في ظاهرة العنف في الوسط التلمذي

سمية بالرجب: حركة التغيير فرضت نفسها على الوسائل الإعلامية ولم تكن اختيارية

وأشارت سمية بالرجب الأستاذة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار في حديثها لـ”العرب” أن “موضوع الملتقى لهذا العام هو موضوع الساعة أي أنه يتناول قضية من أكثر القضايا حضورا على الساحة الإعلامية اليوم، فتيار التجديد السريع والجارف في المجال التقني والتكنولوجي قد أحدث ثورة جديدة في مجال صناعة المحتوى الإعلامي، أي أن حركة التغيير التي شملت الإعلام الكلاسيكي قد فرضت نفسها على الوسائل الإعلامية ولم تكن اختيارية بالمرة”.
وحتى تبقى وسائل الإعلام الكلاسيكية أو التقليدية، كالتلفزيون والإذاعة في دائرة الضوء كان على القائمين عليها وعلى العاملين بها أن يطوروا من معارفهم وأن يعملوا على الالتحاق بركب الرقمنة والتطوير التكنولوجي لصناعة المحتوى، وهو ما وضع العديد من التحديات أمام الصحافيين والإعلاميين، حسب تقديرها.
وتساءلت بالرجب “كيف يمكن للصحافي أن يتأقلم مع كل إرهاصات التكنولوجيا المعلوماتية دفعة واحدة وكيف يمكن لوسائل الإعلام أن تطور من نماذجها الاقتصادية حتى لا تخسر جمهورها وعائداتها ومستشهريها وكيف يمكن للقائمين بالاتصال في الوسائل الإعلامية أن يطوروا من سياسات التحرير في غرف الأخبار حتى يحققوا المعادلة الذكية بين الأساليب المعتمدة والأساليب المفروضة بقوة الذكاء الاصطناعي في تطوير عمليات صناعة المحتوى الإعلامي”.
وتابعت “كلها أسئلة ضرورية لبناء معارف جديدة في مجال الإعلام خاصة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وظهور إكراهات الأخبار الكاذبة وازدهار صحافة الإثارة”.
وشكلت تداعيات الوباء ضربة قوية لقطاع الصحافة والإعلام في تونس الذي يعاني أصلا من أزمات مالية كبيرة. وتعد الصحافة الورقية الأكثر تضررا من حالة الطوارئ الصحية والقيود التي فرضها الوباء على التنقل، مع توقف سبع صحف يومية في تونس وقرابة عشرين مطبوعة دورية أخرى خلال بداية ظهور الوباء العام الماضي، إضافة إلى فقدان أكثر من 190 صحافيا لوظائفهم بسبب الآثار الاقتصادية لفايروس كورونا المستجد.
وأمام هذه الصعوبات في منافسة الصحافة الرقمية التي فرضت نفسها وأصبحت مصدرا أقوى بآلاف الأشواط من الصحافة المكتوبة، تعتقد بالرجب أن الصحافة المكتوبة قادرة اليوم على التجديد حيث أن “قوتها اليوم تتجسد في تطوير الصحافة التحليلية والتفسيرية والاعتماد على صحافة الرأي والتحرير وتحديد أشكال صحافية لا نجدها بكثافة في الصحافة الرقمية، خاصة تحدي الصحافة الاستقصائية إزاء أخبار مواقع التواصل الاجتماعي قليلة المصداقية ومنعدمة الدقة”.
ويرى خبراء أن التحديات الرقمية تفترض التفكير بشكل جماعي للحفاظ على دور ومكانة الإعلام العربي، كما تتطلب إرادة سياسية قوية وجهد حكومي حقيقي لإنقاذ القطاع من التآكل.
ولفت هشام السنوسي عضو الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) لـ”العرب” إلى أن “الزمن الرقمي يفرض نفسه على وسائل الإعلام العربية”، معلقا “المفترض أن لا يتم لا التخويف ولا الترهيب منه ولا التبشير به.. وإنما الحل الأمثل كما يحدث في الدول المتقدمة وهو التفكير في كيفية التعامل مع هذا الزمن الوافد”.

اقرأ أيضا:  تونس تشتري 75 ألف طن من علف الشعير في مناقصة

خبراء: التحديات الرقمية تفترض التفكير بشكل جماعي للحفاظ على دور ومكانة الإعلام العربي

وبرأيه فإن هذا الشكل من أشكال التفكير لا يتم إلا في ظل رؤية شاسعة وعميقة تجمع مختلف الأطراف وعلى رأسها أصحاب القرار السياسي. مبديا أسفه من أن “ما نلاحظه اليوم هو مجرد مقاربات تقنوية لمسألة الرقمنة بينما المفروض أن هناك تغييرا جذريا انطلق منذ سنوات ويتعلق التغيير بكيفية استهلاك المادة السمعية البصرية”.
وتابع “التلفزيون التقليدي انتهى ولم يبق منه إلا الشاشة.. اليوم هناك تعدد شاشات وهناك أيضا حدود مفتوحة لا يمكن التحكم فيها”.
وفي الوقت الذي لا تبدو فيه الوسائط الرقمية محايدة، كما أن المستجدات كشفت تورط الإنترنت ووسائل التواصل في التأثير على الأحداث السياسية، يؤكد السنوسي على ضرورة تطوير المضمون الإعلامي.
ولمواجهة هذه التغيرات في المشهد الإعلامي، يعتقد السنوسي أن الحل يكمن في إرادة سياسية ورؤية عربية ومغاربية استئناسا بتجارب دولية. موضحا “الاتحاد الأوروبي بصدد التفكير جماعيا في المؤثرين في صناعة الرأي العام في بلدانهم”.
ووقّعت دول الاتحاد الأوروبي اتفاقية مع شركة غوغل لتلقي تعويضات مقابل سوء التعاطي مع المضامين الإعلامية، كما فرضت أداءات على مشغلي الإنترنت مثل تويتر وفيسبوك وأمازون لاستثمارها في تطوير وصناعة المضامين الإعلامية.
وفي تقديره فإنه بالإمكان من خلال استراتيجية مغاربية تحويل عامل الرقمنة إلى عامل إيجابي ولصالح إعلام هذه الدول.
صحافة الجودة
الرقمنة تهدد عرش التلفزيون
حين ظهر النشر الرقمي على شبكة الإنترنت رأى أصحاب الصحف والعاملون فيها أن مؤسساتهم تمضي نحو الكساد. فبعدما كان نشر الجرائد يسبقه إعداد الصفحات وآلات الطبع العملاقة وأسطول من السيارات والطائرات المستعملة في توزيع الصحف الورقية، أضحى من أيسر الأمور الاكتفاء بشاشة الكمبيوتر أو الهاتف الذكي لتركيب صفحة إخبارية ونشرها بنقرة على الزر، مختصرا بذلك عملية معقدة فنيا ومكلفة ماليا وتتطلب وقتا أطول.
أمام هذا الواقع فكر مسؤولو غرف الأخبار في عدة صيغ للحاق بركب الرقمنة وتقليص الخسائر الناجمة عن هذه الثورة المعلوماتية. فلجأوا إلى فرض الاشتراك لمن يرغب في قراءة ما ينشرونه كاملا في مواقعهم. وعمد البعض الآخر إلى استجلاب الإعلانات التجارية لتغطي شيئا من التكاليف. ولجأ فريق ثالث إلى التخصص في إعداد مقالات معمقة تمنح القارئ التفاصيل والتحليلات التي سيعجز عن توفيرها أصحاب شبكات التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضا:  مارس المقبل موعد انطلاق المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاص لسنة 2020

الطيب الزهار: الإعلام اليوم يخوض معركة المصداقية والجودة للدفاع عن مكانته

وبالنسبة إلى الصحافة الورقية فالمعضلة أكبر، وأقر الطيب الزهار رئيس الجامعة التونسية لمديري الصحف لـ”العرب” أن “التحديات أمام الإعلام كبيرة اليوم، حيث لم تعد مصدر المعلومة الصحافة التقليدية الورقية أو حتى الإلكترونية”.
وفي ظل الزخم والشعبية الواسعة التي باتت تحظى بها وسائل التواصل الاجتماعي عربيا وما رافق ذلك من استشراء للأخبار الزائفة، يؤكد الزهار أن “الإعلام اليوم يخوض معركة مصداقية وجودة للدفاع عن مكانته في الزمن الرقمي”.
ويرى الزهار أن “على أصحاب المؤسسات الإعلامية اليوم التأقلم مع هذه التحديات في الزمن الرقمي من خلال تدريب الصحافيين على الرقمنة وتكوين مختصين في هذا المجال”. منبها لـ”ضرورة وجود وعي من أصحاب المؤسسات الإعلامية لمواكبة هذا الانتقال الرقمي، إضافة إلى عامل الإمكانيات المالية”.
وبيّن الزهار أن “الجامعة التونسية لمديري الصحف طالبت بإصدار صندوق للانتقال الرقمي لدعم الصحافة الورقية في هذا المجال، وعلى رغم موافقة الحكومة إلا أن الجامعة مازلت تنتظر تفعليه رسميا”.
ويقول المتابعون إن الإعلام التونسي يرزح تحت وطأة الصعوبات المالية، كما تحوّل إلى أداة في المعركة الدائرة بشأن الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، ويلاحظ هؤلاء أن تجديد الإعلام خارج حسابات الحكومة، كما لا يبدو حال الإعلام في بقية الدول العربية في وضع أفضل.
التجربة المصرية

تابعوا Tunisactus على Google News