- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الاستقرار السياسي والمسؤولية الوطنية

حالة سيريالية فوضوية من عدم الاستقرار السياسي تسيطر على أجزاء كبيرة من الوطن العربي، وتستحوذ على صدارة نشرات أخبار الإعلام العالمي؛ من تونس إلى ليبيا، وسوريا ولبنان واليمن والصومال والسودان، أما فلسطين فتلكم حالة دائمة ما بقي الاحتلال الإسرائيلي.

وإن كانت فلسطين واقعة تحت احتلال متوحش، إلا أن عدم الاستقرار السياسي في بقية الدول بدا (بيدي لا بيد عمرو). هذه الحالة المتداعية تعمل على تركيز وتدعيم الصورة النمطية لدول المنطقة العربية وشعوبها، فتزيد وتعضّد طوق العزلة واستدامة الأزمة الاقتصادية. وعدم الاستقرار السياسي يؤشر في ذات الوقت إلى خلخلة في نسيج الوحدة الوطنية، ووهن تماسك فئات المجتمع داخل الدولة، وترابطهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين السلطة من جهة أخرى، وبين مؤسسات هذه السلطة من جهة ثالثة، ترابطا عضويا، يكفل وقوف هذه الدولة ومجتمعها أمام التقلبات والمتغيرات المختلفة كوحدة متماسكة.



لا تحدثونا عن عدم الاستقرار السياسي في إيطاليا أو السويد على سبيل المثال، لمجرد قصر عمر حكوماتها؛ لأن مفهوم عدم الاستقرار السياسي يظل في كل الأحوال مفهوما نسبيا. ولعل مقاربة ابن خلدون في توصيف عدم الاستقرار السياسي وتشخيصه، لا تبدو متسقة ومواكبة للمفهوم العصري.

فقد زعم أن عدم الاستقرار السياسي هو نتاج لعدم التجانس الثقافي في الأوطان التي تكثر فيها القبائل والعصبيات، بسبب الاختلاف في الآراء. بيد أن دولا وشعوبا معاصرة حققت الاستقرار السياسي على الرغم من وجود تلك الاختلافات في الجنس والعرق والأعراف والأديان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تزخر بالتباينات والاختلافات. بل إن الواقع والتجارب لا النظريات، قد أثبتا أن التباين الثقافي والعرقي في الدول الناجحة، كان عامل استقرار وتمتين للوحدة ودافعا للتطور الاقتصادي؛ إذ يرى خبراء السياسة أن تلك الاختلافات قد توفر فرصا لنشوء المجتمع الديمقراطي المقترن بالاعتدال في المواقف والسلوكيات، الذي يتحقق نتيجة تفاعل الأفراد بعضهم مع بعض.



إن عدم الاستقرار السياسي وفقا لعلماء السياسة، هو “عدم قدرة نظام الحكم على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح، وعدم القدرة على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة، وتناقص شرعيته وكفاءته من جهة أخرى”.



وينتج عدم الاستقرار السياسي عن عدم احترام الدستور والقوانين والقيم، وكذلك عدم قدرة الدولة على حماية الدستور من أهواء السلطويين قبل أهواء العامة، فضلا عن إخفاق الدولة في ضمان فعالية آليات استيعاب الصراعات داخل المجتمع التي تمنع انتشار ثقافة العنف. فلا بد أن تتمكن الدولة من حماية الإطار المؤسسي للدولة، وعدم سيادة العنف مكان الخضوع للدستور والقانون. وهذا يضمن التبادل السلمي للسلطة وسط الفعاليات السياسية المتنافسة، فضلا عن التعبير الحر للآراء وسط عامة المجتمع، فلا بد أن يطمئن الفرد العادي على صيانة حقوقه، وقدرته على ممارسه حرياته المشروعة في الرأي والفكر وفي إطار القوانين. وتأتي أهمية الاستقرار السياسي من كونه شرطا مهما للرفاه الاقتصادي، بيد أن إنجاز التطور الاقتصادي وحده لا يحقق الاستقرار السياسي، بدون تنمية المفاهيم الثقافية والسياسية لدى عامة مجتمع الدولة.



في أفريقيا، بدت الانقلابات العسكرية لا الانتخابات، الطريق الأوحد والأكثر شيوعا لإحداث التغيير السياسي. ومنذ خمسينيات القرن الماضي شهدت 40 دولة أفريقية 204 انقلابات؛ نجح منها 100. وكانت أفريقيا أكثر منطقة في العالم تشهد انقلابات. وفي الخرطوم بدأ الناس يومهم الثلاثاء الماضي بأخبار انقلاب عسكري تم إحباطه لاحقا، لكن تداعياته أظهرت توترا سياسيا كبيرا بين مكونات السلطة الانتقالية، التي تحكم وفقا لوثيقة أعدها شركاء هذه الفترة وأسموها دستورية، لكنها غدت كأصنام العجوة يأكلون منها كلما جاعوا، وحدثتهم أنفسهم بأن يستولوا على مزيد من السلطات والصلاحيات بشكل رغائبي. والسلطة الانتقالية التي تولت السلطة بعد التغيير السياسي الذي أطاح بنظام الرئيس عمر البشير في نيسان/ أبريل 2019، يقودها مكونان، عسكري ومدني تربطهما علاقة مضطربة وملتبسة، وزادتها محاولة الانقلاب الأخيرة اضطرابا وتوترا. المدهش أن المكون العسكري يهدد المكون المدني بانتخابات مبكرة مفتوحة لكل القوى السياسية، فيما يهدده المكون المدني بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية؛ استنادا لرؤى وخطط عابرة للحدود.



إن الاستقرار السياسي المرجو في السودان، لا بد وأن يقف على نظام سياسي ودستوري وحرية سياسية لا تستثني أحدا تحت أي مسوغ. لكن في هذه المرحلة التي تسبق وضع أسس النظام السياسي المرجو، تبرز أهمية المؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش الوطني، الذي ظل المؤسسة الوحيدة التي تحفظ الدولة السودانية ككيان جيوسياسي. ومن العبث أن تتحدث كيانات سياسية لا يعرف حجمها الجماهيري ولا مدى استقلالها أو حصانتها من الارتباطات الخارجية الآثمة، عن هيكلة الجيش والتدخل في شؤونه حتى تبلغ درجة عدم الاستقرار السياسي صفرا، فتنهار الدولة وتتفرق أقاليمها شذرا مذرا، وتنجح خطط استهداف الأمن القومي.



ما لا تعلمه القوى السياسية المدنية – وهي أقلية لا تمثل كل القوى السياسية الفاعلة – أو تحاول تجاهله متعمدة، أن للجيش أهميّة وربما قدسية في المجتمعات كافة، يعزز ذلك طبيعته النظاميّة، وهيكَليته المؤسّساتية، وانضباطه، مما يؤدي إلى تحقيق أهدافه التي بالضرورة هي جزء لا يتجزأ من أهداف المجتمع والدولة. ولعل الأزمة السياسية التي تعمقت في السودان بعد سقوط النظام السابق، سببها فشل المدنيين والعسكريين في الوصول إلى معادلة المصلحة الوطنية لعبور فترة الانتقال.

اليوم يبدو الجيش السوداني أمام تحد وجودي كبير، لاسيما الانفلات الأمني في بعض الولايات والانهيار الاقتصادي الماثل، فهو المسؤول عن الحفاظ على وطن يقف على حافة الهاوية. وليس من المنطق أن يرهن مصير الاستقرار السياسي على شريكه تحالف قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية لحكومة عبد الله حمدوك، التي لم تعد تتمتع بسند جماهيري بسبب فشلها في تحقيق كل ما أوكل إليها. فالجيش لا خيار له إلا إعادة صياغة تحالفه مع المدنيين، بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وفق برنامج وطني جامع.

 

(الشرق القطرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “عربي21”

#الاستقرار #السياسي #والمسؤولية #الوطنية

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد