لعب المثقفون والثقافة المصرية دورًا هامًا في أدوار السياسية المصرية منذ مطالع عمليات بناء الدولة الحديثة على عهدي محمد على وإبراهيم باشا وما بعد، من حيث دور المثقف شبه الحداثي ابن البعثات التعليمية في أوروبا، في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وخاصة على عهد إسماعيل وما بعد، على نحو ساهم في تأسيس وضعية خاصة، تختلف عن دور المثقف النقدي من السلطات القائمة- السياسية والدينية والاجتماعية- حسب التقليد الثقافي التاريخي الفرنسي منذ قضية درايفوس الذائعة الصيت ودفاع “إميل زولا عنه”… إلخ.

بعد ظهور المثقف في فرنسا ودوره النقدي، تمثلت الخصوصية المصرية التاريخية في لعب المثقف دوره في بناء الدولة وأجهزتها وإدارتها، وفى ممارسة دوره النقدي للظواهر السياسية والاجتماعية والدينية والأخلاقية السائدة، وهي خصوصية مصرية بامتياز[1].

إن إنتاج الأفكار الحداثية وتلقيحها بالموروث، كانت جزءًا من عمليات أقلمة الأفكار والنظريات المستعارة وتطبيعها على الواقع الموضوعي من المهاد المرجعية الأوروبية والغربية، لمحاولة تمريرها داخل الأنسجة الاجتماعية والفكرية ذات المصادر التراثية الدينية. وعلى الرغم من بعض المناورات الفكرية، والأحرى الآليات اللغوية من داخل نظام اللغة التراثية والدينية، إلا أن مسارات هذه الاستراتيجيات اللغوية وصلت إلى مأزق فكرى وفلسفي وتاريخي، في ظل نهاية المرحلة شبه الليبرالية، ثم مع تسلطية نظام يوليو 1952.

إذا تجاوزنا هذا المأزق المعرفي والمنهجي، نستطيع أن نلمح أن الثقافة المصرية شبه الحداثية، ومثقفيها، كانت جزءًا أساسيًا من إمكانات التأثير المصري في المنطقة العربية، ومركزا لاستقطاب العقول العربية اللامعة في المرحلتين شبه الليبرالية، والناصرية حتى هزيمة يونيو 1967. بل امتد ذلك إلى العقول النقلية الدينية من خلال التعليم الأزهري وفى الأكليريكية. في المرحلة الناصرية، كانت الثقافة المصرية والمثقفون جزءًا أساسياً من الدور المصري في الإقليم العربي، من خلال الإنتاج الثقافي الفكري والنقدي، وفى مجال المسرح والسينما والفنون التشكيلية، والصحف والمجلات الثقافية والفنية، والكتب والترجمات عن اللغات الأجنبية الإنجليزية والفرنسية أساساً.

ساهم هذا الدور الثقافي المصري في إضفاء بعض مصادر القوة داخل نظام السياسة الخارجية المصرية، وخاصة في ظل بلورة النموذج الملهم في التنمية والاستقلال الوطني، والانفتاح على حركات التحرر الوطني، وحركة عدم الانحياز ولاسيما في الدول الأفريقية ودعم نزوعها للاستقلال وما بعد. لقد شكلت صدمة هزيمة يونيو 1967 المروعة في طرح أسئلة كبرى على العقل النخبوي وبعض شرائح المجتمع من الفئات الوسطى حول أسباب الهزيمة. وطرح بعضم مسألة الهوية، والتخلف الحضاري، وهي أسئلة مستمرة وتفاقمت في ظل حكم الرئيسين الأسبقين أنور السادات، وحسنى مبارك، وحتى في أعقاب 25 يناير 2011، إلى حكم الإخوان المسلمين والسلفيين. طيلة خمسين عاما، ويزيد، تراجع هذا الدور لاسيما في ظل الانفتاح الاقتصادي، ثم الخصخصة وتبنى السياسات النيوليبرالية دون نظام ديمقراطي تمثيلي قوي مواكب لها، ينشط ويحفز العقل والضمير الحر ابداعيا. ومن ثم، تراجع الاهتمام والطلب السياسي والاجتماعي على الثقافة والمثقفين، خاصة في العقد الأخير. وفقدت السياسة الخارجية المصرية أحد أبرز أدوات التأثير الإقليمي على دول المنطقة، منذ ظهور ثورة عوائد النفط، وبروز مراكز ثقافية جديدة، من خلال القوة المالية النفطية، وبروز مواقع للقوة الثقافية في المنطقة المغاربية، لاسيما حول المغرب وتونس، وفي ظل ضعف أدوار لبنان وسورية والعراق، حيث سطوة التوتاليتارية الصارمة على الثقافة والمثقفين.

تراجع هذا الدور وراءه عديد الأسباب التاريخية والسياسية والثقافية، من ثم سنحاول بحث هذه الأسباب بهدف السعي لتجديده.

نتحدث في هذا المقال عن الدور، وليس القوة الناعمة ذلك المصطلح الذي يستخدم بإفراط، وعلى نحو بلاغي وإنشائي في الخطابات الرسمية والثقافية وفي الإعلام، وعلى لسان بعض البيروقراطية دون دلالة، وخاصة في ظل تراجع هذا المصطلح لصالح مصطلح “القوة الذكية” في ظل ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الاجتماعي الرقمية وتطوراتها المتلاحقة.

أولا: لماذا تراجع الدور الثقافي المصري في الإقليم؟

منذ هزيمة يونيو 1967 تواجه الثقافة المصرية في بعض مجالاتها مشكلات وأزمات ممتدة ومتفاقمة، على مستوى نوعية السلع الثقافية من حيث الجودة والكفاءة في عديد المجالات في الإنتاج الفلسفي، والفكري، والفني، المسرحي والسينمائي، والدرامي، وفى الفنون التشكيلية، وذلك على وجه العموم. وثمة استثناءات لامعه بالقطع، لكنها تبدو خارج نطاق السلطة الثقافية الرسمية، وذلك على نحو أدى إلى إقصاءات عديدة لمبدعين مهمين وخاصة في مجال السرديات والكتابة المغايرة وبعض المصورين والنحاتين وبعض المفكرين المستقلين.. إلخ.

وضعية الأزمات الممتدة، والمشكلات البنيوية، أثرت على الدور الثقافي الإقليمي المصري في عالمنا العربي. وإذا حاولنا في إيجاز استقصاء مصادر هذه الأزمات، وأسبابها، يمكن لنا إيرادها تمثيلا لا حصرا فيما يلي:

1- مشكلات الانقسام التاريخي في تكوين النخب السياسية والثقافية المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اللحظة التاريخية الراهنة، بين التعليم المدني، والتعليم الديني، والتعليم العسكري –منذ بناء الجيش المصري الحديث على عهد محمد على وإبراهيم باشا، وسليمان باشا الفرنساوى– على نحو أثر على تشكيل العقل المصري، واضطرابه بين المحدث والقديم، بين العقل شبه الحداثي المعلمن والعقل النقلي الإتباعي، والعقل العسكري على التداخل بين بعضهم بعضا، من زاوية المزج بين الديني الموروث على مستوى العقائد والمرويات والقيم، وبين القيم الحداثية شبه العقلانية في التقليد الكتابي المصري للمثقف الحديث، وذلك بوصفه أحد بناة الدولة الحديثة، مع العسكريين أبناء جيش إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوى، وخاصة بعد دخول بعض أبناء الفئات الوسطى إلى الجيش في عام 1935/1936، ثم حركة الضباط الأحرار، وتأسيس نظام يوليو 1952، على نحو أدى إلى توترات وصراعات وإزاحات لبعض المثقفين النقديين على أيدى قادة النظام، وتعرض بعضهم للاعتقالات والمحاكمات والسجن على نحو ما حدث مع بعض الماركسيين والليبراليين عام  1958.

لا شك أن هذا الانقسام التاريخي الناتج عن عديد الأسباب والالتباسات وعدم إدراك دور المثقف المصري في بناء الدولة، أدى إلى إزاحات وإقصاءات، ومن ثم إلى أزمات عديدة أثرت على إنتاج المثقف شبه الحداثي –إذا جاز التعبير وساغ- ومن ثم على دور الجماعة الثقافية المصرية بتعدد روافدها، وإنتاجها وتأثيرها، ناهيك عن حصار المنظمات الطوعية في مجال الثقافة.

2- تأثير الجماعة الدينية الرسمية، التي تشكلت كسلطة دينية تابعة للسلطة السياسية في لحظات الكفاح الوطني ضد الكولونيالية البريطانية، حيث ظهرت بعض من أدوارها في الدفاع عن بعض جوانب الهوية المصرية، إلا أن دورها الدعوى والافتائي والفقهي ظل نقليا بامتياز، على نحو أدى إلى خروج بعض النبهاء من الأزهريين على هذا النسق التقليدي الذي يُعاد إنتاجه بين الحين والآخر، وذلك لأنهم شاركوا بالقراءة والكتابة والتفاعل الخلاق في المرحلة شبه الليبرالية في المجال العام السياسي والثقافي، أو في إطار الحركة الوطنية المصرية الساعية للاستقلال عن الكولونيالية البريطانية الغشوم، أو في الدفاع عن الدستور. اتجاهات الإصلاح الديني بدأت فعلياً مع تصفية الأساس الاجتماعي لطبقة الملتزمين من علماء الأزهر، وإخضاع نظام الالتزام للدولة،[2] ثم التحول لنظام الملكية الفردية لأول مرة في التاريخ المصري للأراضي الزراعية بعد فك الدائرة السنية على عهد إسماعيل باشا.

بدأت محاولات التجديد الجادة مع الشيخ خليفة المنياوى الذي وضع أول تقنين مدنيcode civile على النسقالفرنسي، وذلك وفقا لمبادئ وأحكام المذهب المالكي، وذلك في عهد إسماعيل باشا، ثم كتابات على مبارك باشا، وقدري باشا –في مؤلفه “مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان” على المذهب الحنفي. البداية الهامة تمثلت في كتابات الإمام محمد عبده الإصلاحية، وتلاميذه، وخاصة المشايخ مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد عبدالله دراز، ومحمود بخيت، ومحمد البهي. بعض الأزهريين النبهاء خرجوا على خط الأزهر النقلي الأرثوذكسى، من أمثال الأستاذ العميد طه حسين الذي طرح الأسئلة الكبرى على العقل النقلي التقليدي، والتي أحدثت هزة وشرخ كبير، وعلي عبد الرازق وكتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وطُرد من الأزهر. لم يجد هذا العقل التقليدي سوى رفع سلاح التكفير الديني الوضعي، الذي أعاق العقل المصري شبه الحداثي من القرن العشرين إلى الألفية الجديدة، وتم استخدامه على نطاق واسع على نحو أدى إلى إعاقة كبرى للفكر المصري كله؛ المدني والديني والعسكري، ومناورات وتوظيفات سلطات يوليو 1952 بالدين في السياسة والثقافة على نحو واسع، ومعها بعض رجالات الأزهر والجماعات الإسلامية السياسية والسلفية والراديكالية.

لجوء بعضهم إلى سلاح التكفير كقوة رمزية وعقدية وتأويلية تاريخية وضعية بامتياز أثرت سلبا على حرية العقل، والفكر والضمير الحر، وشكلت إعاقة لتطور الإنتاج الفقهي والثقافي والإبداعي طيلة أكثر من سبعة عقود منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي.

لم يقتصر الأمر على سلاح التكفير الديني، وإنما امتد منذ عقدي الثمانينيات والتسعينيات إلى الآن وما بعد، وظهرت أيضا أسلحة أخرى، تمثلت في توظيف نظام الادعاء المباشر أمام القضاء عموما، ولاسيما الجنائي، كأداة قانونية في محاولة مصادرة بعض الكتب والأعمال الفنية على نحو مفرط لإشاعة الإرهاب الفكري وسط الجماعة الثقافية المصرية، وهناك عديد الأمثلة على ذلك، بديلًا عن الحوار والجدل والسجال نقديا مع هذه الأفكار والكتب التي تنطوي عليها، على نحو يساهم في تحرير العقل والإنتاج الفكري من الأغلال الإيديولوجية، والأوهام اللاتاريخية، أو المقولات الشائعة، أو أشكال الاعتقادات الشعبية التي أنتجها العوام حول العقائد والقيم والمبادئ الدينية الإسلامية. ساهمت هذه الآليات، والممارسات العنيفة اللفظية والرمزية الدينية، في إنتاج ما يمكن أن نطلق عليه مع “تشيشواف ميوشليك” “العقل المعتقل”[3] في سياجات الخوف، والرهبة من التفكير الحر.

اقرأ أيضا:  تونس..الفخفاخ وفخاخ النهضة بقلم:ميلاد عمر المزوغي

لا شك أن هذه السياقات، وفى ظل الجمود السياسي خلال مرحلة مبارك، والقيود التي فُرضت على المجال العام السياسي، وانسداد أفق التغيير السياسي، أو التجديد في نظام التجنيد للنخبة الحاكمة، أدى إلى تكريس بعض الجمود الفكري والإبداعي طيلة ثلاثين عاما. من ثم، استمر الانقسام الحاد في تكوين العقل المصري مع سطوة العقل الديني السلفي والإخواني والجهادي الراديكالي، وضعف الإنتاج الفكري للعقل شبه الحداثي والعلماني وجمود العقل والفكر الديني الوضعي الرسمي واللارسمي.

3- أدت هيمنة العقل الإيديولوجي العلماني وشبه العلماني إلى جموده، وعدم قدرته على التفاعل الخلاق مع الواقع الموضوعي المتغير، وتحولاته، ومن ثم قدرته على التغلغل في أوساط اجتماعية واسعة، وظل أسير دوائر نخبوية وسياسية مؤدلجة منذ عقد السبعينيات لمطاراداته من السلطة والجماعات الدينية السياسية، باستثناءات من مارسوا نقدا للمقولات الإيديولوجية، واعتصموا بالتفكير النقدي، والمناهج النقدية، ومتابعة التحولات النظرية والفلسفية والمنهجية الجديدة في الدوائر الغربية، ومن ثم انتقلوا من سياجات العقل الإيديولوجي إلى رحابة المناهج العلمية في العلوم الاجتماعية الحديثة وما بعدها وما بعد بعدها، والروافد الفكرية الجديدة في عالمنا، وهم قلة قليلة من جيل السبعينيات الذي انتفض ثائرا على ميراث التسلطية السياسية لنظام يوليو 1952 في انتفاضة يناير الكبرى 1972/1973. من هؤلاء بعض الباحثين والخبراء في مدرسة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وبعض الباحثين الآخرين من خارجه، وذلك على الرغم من بعض القيود على حرية الرأي والتعبير في هذه المراحل التاريخية في إطار صحيفة الأهرام لاسيما في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات.

4- في ظل عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، لم تكن هناك رؤية في بناءه العقيدي والإدراكي حول الثقافة والمثقفين، ودورهما كأحد أدوات الدور الإقليمي المصري. يمكن القول إن نظرته اتسمت بالسلبية والغضب -والازدراء أحيانا- إزاء الجماعة الثقافية، وخاصة روافدها الماركسية واليسارية عموما وبعض الليبراليين الأقحاح، بالنظر إلى مواقفهم النقدية من سياساته الخارجية، وسياساته العامة الداخلية، وخاصة بعد حرب أكتوبر 1973، وتحالفاته مع الإخوان والجماعات الإسلامية، ومع الولايات المتحدة والدول النفطية، ومواقفه التي أدت إلى نشوب بعض أحداث “الفتنة الطائفية”، والقطيعة مع العالم العربي بعد اتفاقية كامب ديفيد. كان السادات يدرك المثقفين بوصفهم “أفنديات” يشكلون مصدرًا محتملا للقلق وإشاعة الاضطراب والتوتر السياسي.

في ظل حكم السادات تم نقل أعداد من الصحفيين والمثقفين المعارضين من الصحف القومية إلى أعمال ووظائف إدارية في الوزارات المختلفة، وأيضا في أحداث أزمة سبتمبر1981، حيث تم اعتقال بعضهم مع بعض السياسيين المعارضين، وأفرج عنهم الرئيس الأسبق حسنى مبارك بعد وصوله إلى الحكم في أعقاب اغتيال الرئيس السادات. النظرة السائدة إلى الثقافة والمثقفين خلال عهدي السادات ومبارك ثم في مرحلة الإخوان، وإدراكهم سياسيا بأنهم مصادر للقلق والغليان السياسي والاجتماعي، وأداة خطرة في تطوير الوعي الاجتماعي والسياسي لفئات اجتماعية عريضة يمكن أن تكون مصدرا للغضب والاستياء السياسي من النظام وسياساته، أعاقت تطورنا الثقافي ودورنا في هذا المجال مع مثقفين أشقاء في المنطقة العربية.

5- ساهم التخلف المتنامي للسياسات والمناهج التعليمية، وعدم تطويرها الفعلي في مراحل التعليم العام والديني، في تمدد ذهنية الحفظ والاستذكار والنسيان، وغياب العقل النقدي لدى طلاب المدارس على اختلافها، وهو ما ساعد على هيمنة نظرة سياسية تدرك التعليم بوضعه أداة للسيطرة السياسية من خلال التأريخ الرسمي للتاريخ المصري في مختلف مراحله، والاعتماد على تعظيم بعض القادة السياسيين، وإهمال وازدراء بعضهم على أهمية أدوارهم التاريخية، في ظل غياب نظرات نقدية وتحليليها لتاريخنا، وخاصة تحت الحكم الإسلامي، وفى ظل الدولة الحديثة. لا شك أن مناهج التعليم والدمج بينها وبين المواد الدينية النقلية، وتأويلاتها الدينية الوضعية التاريخية، واعتمادها على الحفظ، كرست النزعة للحفظ والاستظهار. وساعد على ذلك جماعة المدرسين من ذوي الانتماءات الدينية السلفية والإخوانية على نحو أدى إلى بروز أشكال دينية وشروح من خلال الدرس الديني حول الدرس المقرر في المناهج، على نحو أدى إلى بروز تناقضات بين العلوم الطبيعية، أو الاجتماعية، وبين الدرس الديني التقليدي المحافظ[4] بسبب غلو بعض المدرسين. كل ذلك أثر على مخرجات النظام التعليمي، سواء على مستوى مقدرة الطلاب على استهلاك المواد الثقافية، أو القرائية خارج المقررات التي يتم نسيانها بعد امتحانات كل عام. من هنا لا تلعب المقررات التعليمية دورًا في إعداد الطلاب والطالبات لاستهلاك السلع الثقافية على اختلافها، والاستثناءات محدودة، وتعتمد على إرادة بعض الطلاب في السعي للقراءة والمعرفة أو دور بعض الأسر على قلة أعدادهم.

6- الانفصال بين السياسة الثقافية وبين السياسة التعليمية، وعدم اندماج الإنتاج والتجريب الثقافي والفني كجزء من عملية إعداد الطلاب وتكوينهم، على نحو يساعد على إنماء المواهب الإبداعية، واكتشافها المبكر، وتطويرها من حيث القدرات والإمكانات، وتوظيفها وتوجيهها. الأمر هنا لا يقتصر على التعليم العام فقط، وانما يشمل التعليم الديني الذي يحظر ذلك، ويمتد أيضا إلى التعليم الجامعي.

7- تدهور التعليم الجامعي، عموما، ولاسيما في مجال العلوم الاجتماعية –مع استثناءات من بعض الأساتذة- والانفصال عن اتجاهات التطور في العلوم الاجتماعية من حيث الاتجاهات النظرية والمنهجية، شكل خطرا وإعاقة، خاصة في ظل قلة البعثات إلى الجامعات الكبرى في العالم. من ناحية أخرى، أثر ذلك على الإنتاج العلمي في هذه المجالات، خاصة في ظل انفجار في الرسائل العلمية غير المنضبطة من الناحية المنهجية والنظرية. لا شك أن ذلك أثر سلبا على نوعية الإنتاج الفكري في مجالات العلوم الاجتماعية.

 8- أدت ثورة عوائد النفط بعد حرب أكتوبر 1973 إلى التغير في بعض مواقع القوة الإقليمية لصالح القوة السياسية لفوائض المال النفطي، حيث تم إنشاء أستوديوهات للسينما والدراما التلفازية في مدينة دبي وتونس. وبرزت في هذه المرحلة تمويلات نفطية للدراما التلفازية على نحو أثر سلبا على الإنتاج الفني من حيث الموضوعات، ومراعاة بعض الشروط السياسية والأخلاقية والدينية والأعراف السائدة في هذه البلدان. وتأثرت السينما من خلال شيوع “سينما المقاولات” رديئة المستوى الفني، ومعها ساد المسرح التجاري الذي يلبى احتياجات شرائح معينة من السائحين وبعض من الفئات الاجتماعية الصاعدة عشوائيا مع الانفتاح الاقتصادي.[5]

9- ظهور بعض دعاة الاستعراض في السوق الديني خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتمدد الحضور الديني الريفي وثقافته الدينية والشعبية ونمط تدينه في المدن الكبرى التي انفجر داخلها النمو الديموغرافي، والاستقطابات الحضرية من الأرياف للمدنً، وفي جهاز الدولة، على نحو أدى إلى ترييفه، ضد ثقافة الدولة الحديثة والبيروقراطية التي شكلت العمود الفقري للدولة الحديثة. الترييف الثقافي والاجتماعي للمدينة أدى إلى فرض بعض الأصوات والأغاني التي تعبر عن هذه الفئات الاجتماعية المريفة، ونمط تدينها، على جماليات أصوات دولة التلاوة، من مشايخ الأرياف، وبعض من في المدن مثل الشيخ الطبلاوى، وغيره من المشايخ المقرئين.

لا شك أن الترييف الثقافي والاجتماعي للمدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية أدى إلى فرض طلب اجتماعي على بعض الأصوات، وكان من أبرزهم أحمد عدوية وآخرين. وفرض بعض الطلب السياسي الخارجي نمطا من فنون الكابريهات والمسرحيات التجارية، وأفلام المقاولات، ونمط من الدراما التلفازية تتماشى مع أذواق وثقافة هذا الطلب آنذاك.[6]

10- التراجع في أنساق القيم الاجتماعية وترييفها، والسعي إلى الرزق في دول النفط، والاتجاه نحو المشروع الخاص، وهو ما أدى إلى تمدد الطلب الاجتماعي نحو قيم الملكية الخاصة، والثراء أيا كانت سبله وآلياته ومشروعيته، وانتشار المحسوبية، والزبانية. كما انتشرت الرشى، وضعفت الرقابة والمساءلة الإدارية والرقابية، ما أدى إلى التفسخ الاجتماعي، وصعود قيمة الحراك الاجتماعي لأعلى أيا كانت مصادر الثروة، وأسبابها ومدى مشروعية الحصول عليها. هذا السياق الاجتماعي أدى إلى تراجع قيمة الموهبة والعمل الجاد والكفء، والتعليم الذي لا يعدو سوى محض شهادة رسمية أو رخصة على أداء التعليم أيا كانت مراحله، خاصة مع نقص الفرص المتاحة للعمل في أجهزة الدولة وبقايا القطاع العام والصحف.

اقرأ أيضا:  آخر مستجدات فيروس كورونا في العالم

في ظل هذه البيئة تراجع الطلب السياسي والاجتماعي على المعرفة والثقافة والمثقفين بوصفهم مثيرون محتملون للقلاقل وللنقد الاجتماعي والسياسي للنخبة السياسية الحاكمة والمعارضة، وأيضا للواقع الاجتماعي واختلالاته.

11- ثمة افتقار للرؤية الشاملة لأدوار الثقافة والإبداع في إطار تنمية للدولة والمجتمع، وتزداد الفجوة بينهما وبين تطورات العلم والتقنية والثقافة في الدول الأكثر تطورًا في شمال العالم واليابان، ودول آسيا الناهضة حول الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا والهند، وخاصة مع تطورات الثورة الصناعية الثالثة، وبدايات الدخول إلى ما بعدها في عصر الثورة الرقمية.

غياب رؤية حول دور الثقافة في التنمية، ومحاولة استعارة مفاهيم السياسة الثقافية -وفق أدبيات مؤتمرات منظمة اليونسكو وكان محلًا للنقاش- إلا أنها لم تأخذ طريقها للطرح والحوار والتطبيق، ومنها ورقة الأستاذ الكبير السيد يسين حول السياسة الثقافية. من ناحية ثانية، غام التمايز في الاختصاصات بين أجهزة وهيئات وزارة الثقافة، وضعف أداء بعضها[7]. ناهيك عن اللامبالاة بالثقافة الجماهيرية وأنشطتها المختلفة.

بعض إيجابيات هذه المرحلة تمثلت في تنشيط المجلس الأعلى للثقافة، ومؤتمراته، ثم إنشاء المركز القومي للترجمة (دور جابر عصفور)، ومهرجان المسرح التجريبي، ومنشوراته للكتب المترجمة (دور فوزي فهمي) بقطع النظر عن الانتقادات التي كانت توجه إلى هذه الأجهزة، إلا أن الركود والتراجع ران على أداء هذه الأجهزة الثقافية المهمة في بعض المراحل.

12- أدت التفاعلات الثقافية بين الجماعات الأكاديمية المغربية والتونسية مع الجامعات الفرنسية والأمريكية، من خلال المنح والبعثات، إلى تطور الدراسات في مجال السوسيولوجيا، والألسنيات، ومدارس النقد الأدبي والثقافي، وبعض فروع العلوم القانونية. أدى ذلك إلى تنامى الإنتاج الأكاديمي، والفكري في هذين البلدين العربيين، ولدى بعض الباحثين في الجزائر، وهو ما أدى إلى حضور بارز لمفكري ومثقفي هذه المنطقة، وتحولها إلى مركز ثقافي بارز تجاوز المشرق العربي في هذه المجالات، وهو ما شكل ظاهرة إيجابية في تفاعل المغرب والمشرق العربيين، بالإضافة إلى التجارب المسرحية، والسينمائية المتميزة في هذه البلدان على قلة الإنتاج الفني فيها.

13- تراجع الأهمية الرمزية لجوائز الدولة المصرية، وذلك من خلال أداءات غير موضوعية من بعض جهات الترشيح، ولجان الفحص، وبعض الاختيارات، على نحو أدى إلى عدم اهتمام شخصيات بارزة ومهمة داخل الحركة الثقافية من المستقلين بهذه الجوائز. من ناحية أخرى، هرولت أعداد كبيرة نحو الجوائز العربية، على نحو أثر سلبيا على الإنتاج الإبداعي المصري وساهم في إنتاج فقاعات سردية كبرى ومستمرة.

14- تراجع الإنتاج السينمائي المصري كما ونوعاً، وظهرت في المقابل استبعادات ونقص في تمويل لمشروعات أفلام لكبار المخرجين البارزين، على نحو أدى إلى توقفهم عن العمل. من ناحية أخرى دار الإنتاج على أفلام تتسم بالسوقية والسطحية وإشاعة العنف، بعيدًا عن القواعد الفنية. وثمة بعض الاستثناءات لبعض المخرجين والسينما المستقلة ذات التمويل الأجنبي في غالب الأحيان.

15- انفجار في السرديات الروائية والقصصية، يقوم غالبها على النشر المدفوع لبعض دور النشر، خاصة في أعقاب 25 يناير 2011، وذلك للمشاركة في الترشح للجوائز العربية أو لغيرها. أضف إلى ذلك تراجع بعض مستويات ومعايير النشر في بعض الهيئات الرسمية.

16- في ظل الثورة الرقمية، وانعكاساتها على مجالات الثقافة والفنون، وتأثرها بالرقمنة تفكيرا وإبداعا في عديد المجالات، بات غالب ما يُنتج من أفكار هي إعادة إنتاج وصياغة لقضايا قديمة لم تُحسم، ويبدو غالب الفكر المصري ذو طابع محلى، إلا بعض الاستثناءات المحدودة، وبعيدا عما يجرى حوله في الإقليم والعالم المتغير.

ثانيا: مداخل أولية لفهم الإعاقات حول الدور وضعف التأثير

نطرح هنا مدخلين:

مدخل أول: اتجاهات التغير في المراكز الثقافية والأدوار الإقليمية

أحد أبرز مشكلات الدور الثقافي الإقليمي المصري طيلة العقود الماضية تمثل في ضعف دور المكون الثقافي في موارد القوة السياسية الإقليمية للدولة لدى النخب الحاكمة، وسطوة إدراك لا تاريخي أن هذا الدور الثقافي لايزال على قوته، اعتماداً على تصورات غير صحيحة بأن الفكر والفنون المصرية لا تزال مؤثرة في مجتمعات الإقليم العربي، على نحو ما كان سائدا منذ المرحلة شبه الليبرالية –لدى من يعلمون في تركيبة النخبة- وفى المرحلة الناصرية، عندما كانت المجتمعات العربية تستهلك، وتتمثل، الإنتاج الثقافي المصري في الفنون والآداب والفلسفة والقانون والسوسيولوجيا والقانون.. إلخ.

هذا النمط من الإدراكات المشوشة والمغلوطة والمنفصلة عن الواقع الموضوعي يؤدى إلى سيطرة التفكير الرغائبي في العمل السياسي، وهو ما ساد طيلة عديد العقود، بينما الواقع يتغير ويتحول في المنطقة ثقافيا.

لقد كانت الثقافات الوطنية، والاهتمام السياسي السلطوي في العالم العربي، جزءاً من اهتمامات أباء الاستقلال في الدول العربية والنخب السياسية التوتاليتارية، وذلك لعديد الاعتبارات يمكن رصدها فيما يلي:

1- إدراك بعضهم دور الثقافة في بناء الهويات الوطنية في مجتمعات انقسامية، ومن ثم فإنها تشكل أحد أدوات بناء التكامل الوطني في هذه البلدان. وسعى بعض الجماعات الثقافية العربية لبناء دورها الوطني، وإبراز التمايز الهوياتى لثقافة بلدانها، والسعي إلى بلورة مكانتها ودورها تجاه الجماعة الثقافية المصرية. من ثم، سعت هذه النخب لإبراز إنتاجها في المجالات الفكرية والفنية، وفى السرديات الروائية والقصصية، والروائية، والشعر والمسرح والفنون التشكيلية والمسرح، ثم السينما بعد ذلك من خلال بعض الأعمال وهو أمر جيد في تطور الثقافات العربية عي تعددها وجوامعها المشتركة.

2- تبنى الاتجاهات الطليعية في الآداب والفنون والمسرح، لاسيما في تونس والجزائر، والمغرب، والعراق وسوريا ولبنان على قلة ونخبوية هذا الإنتاج الطليعي والتجريبي.

3- إيلاء دول النفط في الإقليم العربي اهتماما بالثقافة لبناء دور إقليمي، بدءاً من الكويت قبل الغزو العراقي، ثم انزواءها في مشاكلها الداخلية في أعقاب التحرير ومشاكل الشرعية السياسية.. إلخ، ودور العراق البارز في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي سواء في المؤتمرات والمهرجانات، ونشر الكتب والترجمات، والجوائز لاسيما جائزة صدام حسين. ثم تراجع هذا الدور بعد الغزو الأمريكي للعراق، وانتشار الفوضى، والانقسامات الداخلية على أسس مذهبية، وقومية.

4- قيام دول الخليج، وبعض الأثرياء فيها بإنشاء جوائز سخية في الآداب والفكر استقطبت كثرة كاثرة من الروائيين والقصاصين والشعراء والمثقفين العرب.

5- اهتمام المملكة العربية السعودية بتنشيط الحقل الثقافي –لاسيما في مجال الفنون والدراما التلفازية والمسرح -تحت مسمي الترفيه، وذلك في محاولة لتغيير الصور النمطية عن المملكة من ناحية، ودعم الفئات الاجتماعية الوسطى التي تحتاج إلى استهلاك هذا النمط من الأعمال الفنية، وذلك لخلق حالة من الاسترخاء الاجتماعي لديها. من ناحية أخرى، تمثل هذه الفئات السند الاجتماعي للسلطة، في ظل الانقسامات الداخلية التي ظهرت داخل الأسرة الحاكمة، وتعديل قواعد الخلافة السياسية، منذ مؤسس المملكة، الملك عبد العزيز آل سعود.

من المهم ملاحظة التمويل الضخم لما سمى بمهرجانات الترفيه، ويتم في هذا الإطار محاولة توظيف الجماعة الفنية المصرية في مجال الدراما والفنون والمسرح، بكل انعكاسات ذلك السلبية على توجهات هذه الجماعة التي يتسم سلوكها بالبراجماتية، وتمحورها حول مصالحها الخاصة، فوق كل اعتبار، خاصة في ظل ميراثها في التعامل مع ثورة عوائد النفط في الثمانينيات، وما بعد من القرن الماضي. هذا النمط من الفكر والسلوك العملي الهادف إلى الثراء تمدد وسط بعض المثقفين وأساتذة الجامعات، ولا يزال، وهو ما ساهم في التأثير السلبي على إنتاج هذه المجموعات، ومن ثم على الدور الثقافي لمصر في الإقليم.

مدخل ثاني: الادراك السياسي اللاتاريخي والمفارق للواقع الموضوعي لدور الثقافة المصرية في الإقليم العربي

1- يشكل تكرار مصطلح “القوة الناعمة” على نحو مكثف في الخطاب الشفاهي، أو الكتابي عن دور الثقافة والفنون المصرية وتأثيرهما في الإقليم، وتعبيرات الأزمة في العقل السياسي للنخبة المصرية الحاكمة، أو بعض الموالين، يشكل أحد أوهام المسرح السياسي بالتعبير الديكارتي، ويشكل مفارقة مع الواقع، ناهيك عن الاستخدام الإنشائي للمصطلح، الذي كان جزءاً من أحد مراحل السياسة الخارجية الأمريكية والتنظير حولها، في مرحلة الثورة الصناعية الثالثة، ثم حل محله مصطلح “القوة الذكية” في إطار الثورة الرقمية.

مثل هذه “الأكلاشيهات” من اللغة الخشبية تشكل حالة من حالات غياب المعرفة والوعي المغلوط، والاستخدامات السياسية للمصطلحات في غير مواضعها وسياقاتها، وترمى لإشاعة الوهم بالإنجاز، والأخطر عدم الوعي بمخاطر تراجع الدور الثقافي الإقليمي لمصر في عالم مختلف.

2- الأشكال الثقافية –الفكرية والفنية– عموماً لا تزال تحيا في عالم ما قبل الثورة الرقمية إلا بعض الاستثناءات، وثمة فجوة بينها، ومن توظيفاتها، في الفنون كلغة، ومقاربة، وتفكير، وأداء في الأعمال الثقافية، ولا يزال بعض استخداماتها، لا تعدو أن تكون منصة للبث أو النشر فقط.

3- هناك هيمنة لبعض الأفكار والمفاهيم والنظريات الحداثية، ومواريث مرحلة “النهضة المصرية” على عديد من العقول المثقفة، وكبار المفكرين على الفجوات التاريخية بينها، وبين الإرث الحداثي الغربي ومابعد بعده، وفجوات بين هذا النمط من التفكير المشوب بالنزعة النقلية، وبين التحولات الكونية في المجالات الثقافية، وفى العلوم الاجتماعية والفنون، وذلك لفجوات المعرفة، وقلة الترجمات، وعدم المتابعة لاسيما في مجال الفنون –السينما والمسرح والدراما التلفازية، والأعمال التشكيلية في التصوير والنحت والأعمال المركبة… إلخ- إلا استثناءات قليلة، وفي السرديات الجديدة. ثمة فجوات مع الآداب والفنون الأفريقية والآسيوية، واللاتينية، على الرغم من تطوراتها، ويقتصر الأمر على بعض الترجمات للواقعية السحرية في الرواية اللاتينية، وضعف في متابعة وترجمة أدب وسرد وشعر البريطانيين والفرنسيين والألمان والإيطاليين والأسبان… إلخ، من أصول أفريقية، أو عربية أو لاتينية إلا قليلا. من هنا نحن أمام جماعة ثقافية لا ترى إلا ما تعرف على محدوديته، ومن ثم تدور في مدار محدود الأفق، وكذلك الأمر بالنسبة لمؤسسات ثقافية رسمية، تتعثر بيروقراطيتها، في عالم مغلق ومحدود ومحلى.

اقرأ أيضا:  مقتل طفلين اثر انفجار لغم أرضي في غرب تونس - سياسة - أخبار

4- عديد من التحولات السوسيو-ثقافية الكونية تشير إلى بعض التراجعات في استهلاك ما كان يُطلق عليه الفنون الرفيعة في أزمنة الحداثة وتطوراتها –الموسيقى الكلاسيك، والأوبرا، والفنون التشكيلية… الخ– وذلك لصالح الفنون الجديدة في الموسيقى والغناء، وفق هوبزباوم المؤرخ البارز للقرن الماضي. لا شك أن استيعاب هذه التحولات ومآلاتها في ظل الثورة الرقمية من الأهمية بمكان، مع تأثيراتها على الأجيال الجديدة في مصر والعالم العربي.

5- منذ عقد الثمانينيات، وحتى العقدين الماضيين من الألفية الجديدة حدث تحول في مراكز الإنتاج الفكري في العالم العربي، من خلال ظهور دور الجماعة الثقافية في المغرب، في مجال الفلسفة والدراسات حول العقل العربي –محمد عابد الجابري- وفى مجال الفلسفة والقانون، والدراسات السوسيولوجية، وكتابات عبد الله العروي بالغة الأهمية على تعددها وأسبقية حضورها في العقل العربي وتفكيكه ونقده، وبعض التجارب الفنية في المسرح. في تونس تطورت الدراسات الإسلامية الجديدة، في المدرسة الفكرية التي أسسها عبد المجيد الشرفي، وتلامذته، ومحمد الشرفي، وكتابات المؤرخ البارز هشام جعيط، وآخرين، وهناك بعض الكتابات الجزائرية. من ناحية أخرى، ظهرت بعض تجارب مسرحية، وسينمائية وروائية متميز في هذه البلدان وهو ما أثرى الثقافة العربية.

هذا الصعود للمركز الثقافي العربي المغاربي، أدى إلى تمدد دور هذه المنطقة في العالم العربي وهو أمر أدى لإثراء الثقافة العربية. من ناحية أخرى، استخدمت بعض الدول في إقليم النفط هذا المركز في تهميش المراكز الثقافية في المشرق العربي. من ناحية ثانية، وظفت الدراما التاريخية السورية والتركية في مواجهة الدراما المصرية، وذلك لأسباب سياسية، في محاولة إضعاف الدور الثقافي المصري في الإقليم العربي.

زاد على هذا الاتجاه الجوائز السخية وتدويرها على المبدعين العرب، وذلك مع عديد الأخطاء في لجان التحكيم في بعض اختياراتها، بقطع النظر عن المعايير الأدبية والنقدية. لا شك أن الجوائز العربية السخية الممنوحة من دول الخليج استقطبت اهتمامات المبدعين في السرد الروائي والقصصي والشعرى المصريين والعرب، على نحو أدى إلى انفجارات سردية فقاعية، لأن السرد السنوي بات يشكل طلبا على الجوائز، بقطع النظر عن مدى عمق التجارب السردية، وتوافر شرائطها الفنية. يبدو واضحاً أن الجوائز العربية أدت إلى تهميش جوائز الدولة المصرية من حيث قيمتها المادية والرمزية، وذلك للخلل الجسيم في ترشيحاتها، واختياراتها، وضعف المعايير العلمية والثقافية والإبداعية في اختيارات جهات الترشيح والفحص.

6- يبدو بارزا منذ عهدي السادات ومبارك أن ثمة أزورار من بعض المبدعين الشباب، ومن بعض المفكرين الكبار عن المؤسسات الثقافية الرسمية، وجوائزها، وأعمالها، وذلك من خلال التجارب المستقلة في السينما، والفنون التشكيلية، والمسرحية والكتابات النقدية والفكرية المستقلة… إلخ. أدى ذلك إلى انفصال بيروقراطية أجهزة الدولة الثقافية عن الواقع الثقافي المصري والعربي إلا قليلاً. الفجوة الجيلية، بين بيروقراطية وزارة الثقافة، وبين الأجيال الجديدة تزداد اتساعاً بمرور الوقت.

انطلاقا مما سبق، نستطيع القول إن ثمة حاجة تاريخية، وموضوعية، لإحياء وإصلاح المؤسسات الثقافية المصرية، وذلك من أجل التكيف مع التحولات العميقة التي تتم في إطار مراكز إنتاج الفكر والفنون العربية، على تعدد مجالاتها. من ناحية أخرى، من الضروري استيعاب التغيرات الجديدة في التقنيات الرقمية، وانعكاساتها على الإنتاج الثقافي، فضلا عن ضرورة الانفتاح الجدي على الثقافات الآسيوية والأفريقية واللاتينية وفى شمال العالم.

إن تجديد الحياة الثقافية يتطلب إصلاحات جذرية في التعليم المدني والديني المتدهور، وضرورات التكامل بين الثقافة والتعليم في كافة مراحله، وضرورة إصلاح جذري للجامعات، لاسيما في الجامعات الإقليمية والخاصة.

كل المؤشرات تشير إلى ضرورة بروز طلب اجتماعي وسياسي حول الثقافة والمعرفة في مواجهة قيم الثراء السريع والاستهلاك المفرط بلا عمل. الثقافة والتعليم هي الحل. [1] انظر تعريفنا للمثقف في كتابنا: خطاب الزمن الرمادي: رؤى في أزمة الثقافة المصرية، يافا للنشر، 1990. وانظر في تعريفات المثقف المختلفة: محاضرات إدوارد سعيد في محاضرات ريث، هيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سى)، 1994، والتي صدرت بعد تنقيحها تحت اسم “تمثيلات المثقف وصدرت ترجمتين لها، منها: ترجمة د. محمد عناني تحت اسم “المثقف والسلطة”، الصادر عن رؤية للنشر والتوزيع، 2008، ص ص 20- 30. وانظر أيضا كتاب: بول جونسون، المثقفون، ترجمة طلعت الشايب (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2018). وانظر كذلك كتاب: توماس سويل، المثقفون والمجتمع، ترجمة عثمان الجبالي المثلوثي (الرياض: مجلة العربية، سلسلة كتاب العربية، 2011). [2] انظر في ذلك مؤلفنا: المصحف والسيف: صراع الدين والدولة في مصر (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1984). [3] تشيسلاف ميوشليك، العقل المعتقل (بيروت: منشورات الجمل، 2018). [4] نبيل عبد الفتاح، تجديد الفكر الديني مقدمات أولية (القاهرة: بتانه للنشر، 2019). [5] انظر في ذلك: نبيل عبد الفتاح، “دعاة الاستعراض الشعبوي: محاولة في التفسير- السوسيو – ثقافي والسياسي للسوق الديني في عصر السادات”، موقع مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، 19/5/2021.

http://acpss.ahram.org.eg/News/17151.aspx

 [6]نبيل عبد الفتاح، خطاب الزمن الرمادي، روئ في أزمة الثقافة المصرية (القاهرة: يافا للنشر، 1990). وأنظر أيضا مؤلفنا: عقل الأزمة، تأملات نقدية في ثقافة العنف والغرائز والخيال المستور (القاهرة: دار سيشات للدراسات، 1993). [7] انظر في ذلك إريك هوبسباوم، أزمنة متصدعة، الثقافة والمجتمع في القرن العشرين، ترجمة سهام عبد السلام (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2015)، وخاصة القسم الأول حول مأزق “الثقافة الرفيعة” اليوم، من ص 61 إلى ص 111. وانظر أيضا الفصل الخامس المعنون “السياسة والثقافة في القرن الجديد”، من صفحة 113 إلى صفحة 130. ويذهب الروائي البيروني ماريو بارغاس يوسا (نوبل في الأدب 2010) في طرحه لسؤال: لماذا أصبحت السياسة التي نستوطنها تافهة الآن؟ ويرى ما يلي:

“يبدو لي أن هذا الانحدار يغمرنا في ارتباك مستديم التصاعد، يمكن لنا أن ننتهي، سواء على المستوي القصير أو البعيد، في عالم يخلو من القيم الجمالية، حيث ستصبح الفنون والرسائل ما كنا ندعوه سابقا بالإنسانيات أقل من صيغ ثانوية للترفيه، غير قادرة على منافسة المحفزات التي يعرضها تكتل السمع البصري الضخم للعامة والذي يعد تأثيره على الحياة الاجتماعية ضئيل”. ويرى يوسا أن ذلك يعود إلى “هذه الحياة المنظمة بتعنت من قبل اعتبارات براجماتية، ستنمو تحت الحكم المطلق لأخصائيين مسخرين لإرضاء الحاجات المادية وملهمين بملاحقة الربح، محرك الاقتصاد، الذي أصبح القيمة العليا للمجتمع، القياس الحصري للنجاح والفشل وعلة الوجود لحياة الأفراد”. ويري “أن هذا ليس بكابوس أرويلي – نسبة لجورج أرويل الكاتب البريطاني زائع الصيت في روايته الكابوسية 1984– ولكن احتمال تام للواقع، لقد تحركت أكثر أمم هذا الكوكب تقدما، أي المجتمعات الغربية ذات الليبرالية الديمقراطية نحوه في الوقت الذي أصبحت الثقافة التقليدية محقرة ومستعاضة بمحتالين واثقين قادرا العامة بعيدا عن الابداع الفني والأدبي الأصيل، والأفكار الفلسفية، المثل، والقيم المدنية، وكامل البعد الروحاني لما كان يدعي سابقا بالثقافة، والتي بالرغم من أنها كانت محدودة بشكل رئيسي على النخبة إلا أنها أثرت في الماضي على المجتمع بأسره، مانحة معني للحياة تسلمي عن الوجود المادي المجرد”. أنظر في ذلك: ماريو فارجاس يوسا، “ملاحظات عن موت الثقافة”، ترجمة فاطمة الشملان، موقع حكمة، الأول من ابريل، 2016. متاح على الرابط التالي:

https://cutt.us/fps7q

أنظر أيضا عن دور الثقافة في السياسات العالمية: البروفسور على الأمين المزروعي، القوى الثقافية في السياسات العالمية، ترجمة أحمد حسن المعيني (قطر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الطبعة الأولى، 2017). وانظر في أثر العولمة على الثقافات: جيرار ليكليرك، العولمة الثقافية – الحضارات على المحك، ترجمة جورج كتورة (طرابلس- ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، الطبعة الأولي، 2004).

تابعوا Tunisactus على Google News