- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الرئيس السابق للحركة الإسلامية الشق الجنوبي الشيخ إبراهيم عبد الله : تعريف إسرائيل ذاتها دولة يهودية مرفوض وعنصري ضدنا وضد شعبنا وعليه لا بد من تغييرها جذريا | القدس العربي

حاوره: وديع عواودة

قال رئيس الحركة الإسلامية (الشق الجنوبي) والنائب السابق عنها في حديث لـ «القدس العربي» إن الاتفاق ثبت فشله، بل بات خنجرا في قلب قضية فلسطين وإنه يشعر بالشفقة على الرئيس أبو مازن وبطانته عندما يهرعون إلى لقاء مع غانتس في بيته. وفي الحديث توقف عند مسيرة الشعب الفلسطيني ودور فلسطينيي الداخل فيها وقدم تقييمه للربيع العربي ومستقبله وفيما يلي الحديث معه.
○ كيف ترى لقاء الرئيس عباس مع وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس داخل بيته؟
•لم تختف القضية الفلسطينية بكل تفصيلاتها عن الأجندة الدولية منذ ما قبل النكبة وخلالها وبعدها وحتى اليوم. لا يُعزى ذلك لجهود الأنظمة العربية. على العكس، كان دورها سلبيا أدى إلى تراجع القضية مرة بعد مرة حتى وصلت إلى الحضيض الذي تعيشه قضية فلسطين في ظل اتفاق أوسلو الذي ولد في ظروف تعتبر لحظة انحطاط في تاريخ العرب. انتهت الاتصالات السرية والعلنية بتوقيع اتفاق أوسلو (1993) وإقامة السلطة الفلسطينية (1994) (رفضت إسرائيل استعمال كلمة «وطنية») وبدء الانسحابات حسب الاتفاق. توقف المسار مع اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين (1995) ومن بعده اغتيال الرئيس ياسر عرفات – رحمه الله (2004). كان فشل مفاوضات كامب ديفيد (2000) وإعلان رئيس الوزراء العمالي حينذاك ايهود باراك بدعم من الرئيس الأمريكي حينذاك كلنتون، انه لم يعد هناك شريك فلسطيني للمفاوضات، كان هذا التحول واحدة من الضربات القاصمة لاتفاق أوسلو، مما أدى إلى احتقان الشارع الفلسطيني وانفجار الانتفاضة الثانية (2000).
بدأ الانقلاب على اتفاق أوسلو والتراجع الواضح في تنفيذه والذي كان من المفروض ان ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية خلال بضع سنين إلى الفشل الذريع منذ تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة وزراء إسرائيل خلال أكثر من عشر سنوات متتالية (2009/2020). من الواضح ان اتفاق أوسلو الذي علق عليه الكثيرون آمالا في وضع نهاية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني-العربي، أصبح غطاء لاستمرار سياسات إسرائيل في تشديد قبضتها على الأراضي المحتلة عام 1967 وفي قلبها القدس، تمهيدا لشطب الملف الفلسطيني نهائيا من على أجندة الاهتمام الدولي، وبسط السيادة الإسرائيلية على كل فلسطين التاريخية كما نص على ذلك قانون القومية الإسرائيلي (2018) الذي لم يرسم حدود إسرائيل وتركها مفتوحة على جميع الاحتمالات.
يبدو ان السلطة الفلسطينية قد وضعت جميع رهاناتها على اتفاق أوسلو، وخلقت تنفيذا لهذه المغامرة ثقافة نفسية وتنظيمية أغلقت الأبواب على منافذ الخروج من اتفاق ثبت فشله، بل بات خنجرا في قلب قضية فلسطين لما يشكله من فرصة ذهبية لإتمام إسرائيل التهامها لكل فلسطين مستغلة الانحطاط العربي غير المسبوق، وسباق التطبيع الذي يهرول على مساراته كثير من الدول التي أعلنت تخليها العملي عن قضية فلسطين لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
لذلك، اشعر بالشفقة على الرئيس أبو مازن وبطانته عندما يهرعون إلى لقاء مع غانتس مع علمهم المسبق انه لا أمل في أي اختراق لحالة الانسداد الحالية، إلا إذا كانت السلطة قد ذوتت ان وظيفتها الحقيقة اليوم هي الإبقاء على ما تحت يدها (مجازا) ليس اكثر!
○ قال وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ إن هذا اللقاء محاولة جريئة لفتح الأفق السياسي المسدود وإنها الفرصة الأخيرة. هل هناك فرصة فعلا لمفاوضات سياسية حقيقية؟ متى يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تتحقق وتكون ناجعة؟
•لا أدرى أية جرأة يمكن الحديث عنها في ظل حكومة مشلولة سياسيا في كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية، وان كانت «حيوية» اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا في كل ما يتعلق بالمصلحة الإسرائيلية الداخلية والخارجية (إيران كنموذج).
الحديث عن «الفرصة الأخيرة» أصبح نكتة لا أكثر، خصوصا وأننا سمعنا حديثا كهذا عشرات المرات عند منحنيات كثيرة على طريق تطور القضية والتحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على الأرض بلا توقف، لكن شيئا من التهديدات التي أطلقتها السلطة الفلسطينية ظلت بلا رصيد. القيادة الإسرائيلية عموما أصبحت مقتنعة تماما انها مهما انتهكت من حقوق الشعب الفلسطيني، ومهما نهبت من أرضه، ومهما دنست من مقدساته، ومهما هدمت ودمرت وصادرت وهَوَّدَت، ومهما استمرت في عملية الاغتيال التدريجي للقضية الفلسطينية امام سمع وبصر السلطة الفلسطينية والعالم العربي والمجتمع الدولي، فلن تصلها يد «العدالة» ولن يقف في وجهها أي إجراء يمكن ان يوقف زحفها المدمر للحلم الفلسطيني، وعليه باتت المسافة قصيرة بين واقع فلسطين اليوم ومرحلة قريبة جدا، يعلم العالم انه لا مجال لعودة العجلة إلى الوراء، وعلى الشعب الفلسطيني القبول بالسيادة الإسرائيلية على فلسطين من البحر إلى النهر مع احتفاظ الشعب الفلسطيني بـ«حكم ذاتي مُطَوَّر» أشبه بالدور الوظيفي الذي تلعبه السلطة الفلسطينية اليوم.
لذلك، ما دام الرئيس أبو مازن متمسكا بالتنسيق الأمني، ومستعدا للتنازل عن القضايا المرفوعة أمام محكمة الجرائم الدولية مقابل وعد بتحرك سياسي ولو «على عينك يا تاجر» بهدف امتصاص غضب الشارع الفلسطيني، و «يحلف بالطلاق» انه لن يسمح بأي نوع من المقاومة الساخنة للاحتلال والذي يسميه بـ «الإرهاب» في الضفة الغربية، وما دام متمسكا بـ«جثة» أوسلو المتعفنة، ويعرقل كل محاولة جادة لتحقيق الوحدة الوطنية بين جناحي الوطن الفلسطيني، ويمنع الانتخابات التشريعية والرئاسية بدعاوى فارغة، بالرغم مما يراه من تجاهل إسرائيلي مهين، فلا نتوقع إلا مزيدا من الانهيار لما تبقى من حصون الصمود الفلسطيني!
○ لماذا تراجعت القضية الفلسطينية وأخطر هذه العوامل؟
•لكل مشروع تحرير ناجح لا بد من توفر ثلاثة عوامل. الأول، فهو قيادة التحرير التي يجب ان ترقى إلى مستوى التحدي، وتمتلك كل مقومات القيادة الملتزمة بثوابتها الدينية والوطنية، والتي تتمتع بمستوى عال من الحنكة السياسية والمهارات القيادية. الثاني، جيل التحرير، الذي من أهم سماته استيفاء كل عوامل القوة الأساسية في الشعب والأمة، وهي العقيدة (الايمان) والقدرة (الاعداد) والانتماء (الالتزام والاهتمام). العامل الثالث، خطة التحرير، والتي يجب ان تكون مستوعبة لكل التعقيدات المحلية والإقليمية والعالمية، والمستوفية لكل تفاصيل مشروع التحرير المادي والمعنوي.
مع الأسف، غابت هذه العوامل الحاسمة عن الفضاء الفلسطيني والعربي والإسلامي منذ انفجار الصراع مع بداية القرن العشرين. كانت فلسطين وما تزال الضحية الكبرى لهذا الانحطاط العربي إلا ان التجربة الفلسطينية منذ بداية الصراع وحتى الآن، وخصوصا مع بداية التراجع عن الثوابت في التحرير الكامل لفلسطين كما ورد في الميثاق الوطني الفلسطيني قبل تعديله، ثم بانطلاق قطار المشروعات السياسية ابتداء من الاتفاق المصري الإسرائيلي المنفرد (1979) والذي أوصلنا إلى أوسلو. قاصمة الظهر في رأيي، أن القيادة الفلسطينية لم تكن مختلفة عن غيرها من الأنظمة الحاكمة لدولنا العربية، بل أصبحت أسوأ منها على الاطلاق.
○ كانت إسرائيل طيلة عقود تراهن على عامل الوقت وتعتبره لصالحها طمعا بتعب العرب والفلسطينيين والتسليم بوجودها وشرعيته وبتسوية الصراع وفق شروطها وبأقل كلفة ممكنة. هل ما زال الزمن يخدم إسرائيل من هذه الناحية؟
•خاض الشعب الفلسطيني صراعات مريرة ضد الاحتلال الصهيوني منذ قرن وخاض انتفاضات ثلاث حتى الآن منذ 1987 وبغض النظر عن إنجازاتها الميدانية، إلا ان أحدا لا يمكن ان ينكر انها أبقت القضية الفلسطينية وقضية القدس والأقصى حية في الذاكرة العربية والإسلامية والدولية، وحاضرة على الأجندة المحلية والإقليمية والعالمية، علاوة على تذكيرها الدائم للاحتلال الإسرائيلي ان تفوقه العسكري والسياسي لن يكون كافيا لكسر إرادة شعب يؤمن حتى أعماق روحه بقدسية قضيته وبحتمية نصرها مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات. وهذا يكفي انتظارا لوعد الله الذي لن يتأخر، وهذه عقيدتنا.
تعيش إسرائيل في ظل هذه الظروف أكثر مراحلها التاريخية استرخاء، فالأمة العربية في أغلبها معها، والمجتمع الدولي غير آبه كثيرا بما تنفذه من مشاريع وان كانت مخالفة تماما للشرعية الدولية، وقيادة الشعب الفلسطيني ما زالت تكابر رغم افلاسها، وتصر على المضي في طريق أوسلو رغم فشله. أثبت هذا الواقع البائس صحة ما كان نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق من ان إسرائيل تستطيع ان تحقق بالدهاء والعناد وعدم التنازل على أكثر مما يمكنها الحصول عليه فلسطينيا وعربيا وربما إسلاميا ودوليا من خلال مشاريع السلام التي تطالبها بالتنازلات على الأرض! حكومة بينيت – لبيد الحالية لا يمكن ان تذهب فيما يفرضه منطق نتنياهو. ولذلك أعتقد ان الباب بات مفتوحا على مصراعيه لخطر يهدد فعلا القضية الفلسطينية برمتها.
○ هل فعلا بمقدور فلسطينيي الداخل لعب دور في هذا الصراع.. المساهمة في تسويته بطريقة ترضي الطرفين أم أن هذا وهم؟
•لم يكن لقيادة المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل أي دور رسمي في المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل، وذلك لأسباب من أهمها، ان إسرائيل لا يمكن ان تسمح بذلك لما لموافقتها من نتائج – من منظورها الصهيوني – تتعارض تماما مع رؤيتها لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، من حيث رفضها لوحدة الشعب الفلسطيني من جهة، ووحدة الأراضي الفلسطينية من جهة أخرى. القبول بأن يكون المجتمع العربي في إسرائيل جزءا من المفاوضات معناه – إسرائيل – القبول بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة مصيرة، والقبول بإسقاط حدود حرب العام 1967 كأساس للمفاوضات.
مع الأسف، نجحت إسرائيل في فرض إرادتها على الجانب الفلسطيني في هذا الشأن، تماما كما نجحت في فرض إرادتها في الكثير من بنود وفصول اتفاق أوسلو، الأمر الذي تسبب في حالة من خيبة الأمل في أوساط المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.
في ظل غيابنا عن طاولة المفاوضات، كنا نظن ان قيادة منظمة التحرير ستفرض قضايانا كمجتمع عربي فلسطيني يعاني التمييز العنصري والقهر القومي منذ قيام إسرائيل، على طاولة المفاوضات وستطالب بتحسين أوضاعنا على اعتبارنا ضحايا لهذا الصراع، إلا ان شيئا من هذا لم يكن! الأكثر إيلاما هو فشل القيادة الفلسطينية في شمل أسرانا السياسيين – على الأقل – الذين زجت إسرائيل بهم في السجون بعد ان أصدرت ضدهم أحكاما بالمؤبد، كجزء من الفصل ذي العلاقة بتحرير الأسرى في اتفاق أوسلو، والذي يقضي بـ «تبييض» السجون الإسرائيلية من الأسرى والأسيرات الفلسطينيين.
مع ذلك، حرصت الحركة الإسلامية منذ عهد مؤسسها ورئيسها فضيلة الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله – على ان تظل قنوات الاتصال مفتوحة بينها وبين قيادة المنظمة في الداخل والخارج، وذلك قناعة منها بأن استمرار هذه العلاقة سيشكل فرصة للعب دور في ترتيب الأوراق الفلسطينية قدر المستطاع، والمساهمة في تهدئة الأوضاع بين الفصائل، وتوحيد الصف الفلسطيني في وجه تحديات الاحتلال وأخطاره!
من خلال متابعته اللصيقة بمسيرة الحياة الدعوية والسياسية في فلسطين عموما وغزة والضفة خصوصا، ساهم في بناء شيء من الثقة بين السلطة «فتح» وحركة حماس، والتي كانت ضرورية من أجل التفاهم حول الكثير من القضايا الساخنة والملحة.
○ لماذا فشلت ثورات الربيع العربي؟ وأين أخطأ التيار الإسلامي هنا؟
•اعتقد ان ثورات الربيع العربي ما تزال التعبير الاصدق عن رغبة الشعوب العربية في الاستقلال الحقيقي والتخلص من الاستبداد، وبدء حياة تسودها الديمقراطية وإقامة الدول القطرية والتي هي افراز لأكبر مؤامرة ضد امتنا العربية ووحدتها وهي اتفاقية (سايكس – بيكو).
يمكنني الإشارة هنا إلى أن عملية التطبيع التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، جاءت في سياق الحرب ضد فرص نهضة الأمة العربية والتي بدأت تشق طريقها بعد نجاح الثورات العربية في أكثر من بلد مركزي في الشرق الأوسط. كما انها كشفت وجها كان خافيا لتحالف غربي – صهيوني – عربي خفي، هدفه حماية مصالح الأطراف المتحالفة التي باتت ثورات الربيع العربي تهددها بشكل فعلي خصوصا بعد ظهور بوادرها في وصول الإسلاميين لأول مرة في تاريخ الأمة المعصر إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وليس على ظهور الدبابات!
لا أعتقد ان ثورات الربيع العربي فشلت، فالأحداث الكبرى في حياة الشعوب لا يمكن الحكم عليها خلال عقد واحد فقط من انطلاقتها. الذي حصل ان الثورات المضادة نجحت في وقف هذه الثورات إلا ان شعلتها ما زالت متقدة في قلوب الملايين من المحيط إلى الخليج، ولا بد لهذه الشعلة من ان تجد طريقها نحو النور مرة أخرى لتسحل انتصارا جديدا على قوى الشد العكسي في الأمة، وتحقيقها لوضع هو الطبيعي في حياة الشعوب وليس العكس.
الإسلاميون كانوا وما زالوا جزءا من هذه الثورات، فهم الأقدم في مقارعة الأنظمة المستبدة، والأكثر تجربة والأوسع تنظيما، وقد استفادت ثورات الربيع العربي من هذه التجربة التي شهد لها في مرحلة معينة، الكثير من القيادات وعلى رأسها بعض القيادات الليبرالية قبل ان تنقلب عليها متحالفة مع الانقلابات العسكرية! نجحت الثورات في إسقاط بعض الأنظمة، إلا ان الإسلاميين لم يدعوا انهم الأحق بقطف ثمارها «والتمتع» بالامتيازات اللامحدودة التي وَلَّدَتها.
فاز الإسلاميون في الانتخابات في تونس ومصر، وحرصوا على التوجه لكل مكونات شعوبهم بهدف إقامة حكومات وحدة وطنية وذلك ايمانا منهم ان بناء الأوطان بعد عقود من الدكتاتورية بحاجة إلى شراكة حقيقية لكل القوى الثورية على قاعدة برنامجٍ توافقي يؤسس لدولة القانون والمؤسسات. مع الأسف، رفضت القوى الليبرالية على وجه الخصوص مشاركة الإسلاميين في الحكم، حيث تبين فيما بعد ان رفضهم كان جزءا من مخطط علماني استئصالي لإسقاط الإسلاميين وافشال تجربتهم بتوجيه وتنسيق مع فلول الأنظمة السابقة ووكلاء الدولة المعيقة.
تأتي التجربة التونسية لتثبت بطريقتها ان الحرب على الإسلاميين كانت في حقيقتها حربا على منجزات ثورات الربيع العربي، فحركة النهضة التونسية رغم فوزها بأغلبية مقاعد البرلمان بعد اول انتخابات عام 2011 تنازلت عن السلطة لصالح حكومة وموسعة، كان شعارها حسبما عبر عنه رئيس الحركة راشد الغنوشي بقوله: «خسرنا موقعا سياسيا، لكننا ربحنا تونس» فهل قدرت القوى الليبرالية الاستئصالية في تونس هذا السلوك النبيل والتضحية الكبيرة لحركة النهضة؟
هل وقع الإسلاميون في أخطاء ساهمت في افشال ثورات الربيع العربي؟ لا شك، ولعل أهم ما وقع فيه الإسلاميون انهم عملوا بالإصلاح التدريجي ليس بالتغير الجذري. فليس من المعقول تغيير رأس الدولة العفن برأس جديد طاهر ولكن على نفس الجسد العفن للدولة. اما الفشل الثاني في رأيي، فهو الطلب إلى الملايين بالرجوع إلى بيوتهم تحت شعار «من الميدان إلى البرلمان» فقدوا بذلك القوى الشعبية التي كان من المفروض ان تظل في الشوارع حامية للثورة وانجازاتها لمدة سنة على الأقل حتى يتحقق الانتقال الثوري ويتغلغل في كل كيانات الدولة العميقة.
○ العالم العربي كان قد تعامل مع فلسطينيي الداخل بالريبة والتشكيك بل التخوين أحيانا؟ لأي مدى تغيرت النظرة/المعاملة ولماذا؟
•أثبتت الدراسات الميدانية التي عرضت أثناء مؤتمر خاص انعقد في القاهرة شاركنا فيها مع كل الأحزاب والحركات في الداخل الفلسطيني تحت عنوان «إسرائيل من الداخل: خريطة الواقع وسيناريوهات المستقبل» ان العالم العربي بعد النكبة اقتنع انه لم يعد هنالك وجود عربي في إسرائيل بعد حرب العام 1948 وإن بقي القليل فقد أصبح هؤلاء يهودا أو في طرقهم إلى التهويد! إلا ان الحقيقة كانت غير ذلك، وهذا ما فاجأ الكثيرين بعد ان اكتشفوا ان هناك من العرب الفلسطينيين من ظل منزرعا في وطنه رغم كل الظروف وضد كل التوقعات والحسابات الصهيونية التي خططت لإخلاء فلسطين في حدود العام 1948 من أي وجود عربي فلسطيني تنفيذا لمخططها «دولة يهودية خالصة».
عملت الأقلية العربية الفلسطينية في ظل ظروف مستحيلة بدأت بالحكم العسكري الذي استمر من العام 1948 وحتى العام 1966 وليس نهاية بحكم مدني في صورته عسكري وعنصري في جوهره، على تنظيم نفسها وتطوير أدائها وتعميق جذورها لتحقيق أهداف ثلاثة بالتحديد. الأول، الحفاظ على الوجود في وجه سياسات التهجير والترانسفير العلني والمقنع. الثاني، الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية والقومية في مواجهة سياسات الأسرلة والصهينة أو تفريغ الهوية من مساماتها الدينية والقومية الأصيلة. أما الهدف الثالث، فهو انتزاع حقوقنا المدنية والسياسية الفردية والجماعية، في وجه السياسات والتشريعات العنصرية بأنواعها الثلاثة: العلنية، المقنعة والمؤسساتية. من أجل حرص المجتمع العربي الفلسطيني على إقامة مؤسساته الوطنية: اللجنة القطرية لرؤساء لبلديات والمجالس العربية، ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، ولجنة الدفاع عن الأراضي، كما أقامت عشرات منظمات المجتمع الأهلي المتخصصة في عشرات المجالات الحقوقية وغيرها، وانشات الأحزاب والحركات الإسلامية والوطنية، وخاضت الانتخابات المحلية والبرلمانية، وفرضت وجودها محليا وإقليميا وعالميا سياسيا وإعلاميا. المجتمع العربي اليوم مجتمع له وزن الذي تحسب له إسرائيل ألف حساب، مجتمع يدير معركته بدهاء وحنكة وذكاء ومهنية عاليه، خصوصا في ظل ظروف ما زالت إسرائيل تتحكم في أغلب أوراقها، وأوضاع نجد فيه انفسنا كمجتمع عربي كالأيتام على موائد اللئام، بلا سند أو ظهير إلا من الله.
○ القائمة العربية الموحدة تشارك في ائتلاف إسرائيلي حاكم لا يختلف عن حكومات سابقة في قضايا جوهرية تخص الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر وصوتت معه لجانب مشاريع قانون لدعم موروث دافيد بن غوريون وقانون لتعزيز سلطات السجون والشرطة بالجنود وقانون آخر لمنع لم الشمل. هل فوجئت من موقف الموحدة؟ وهل الآن ترى دخول الموحدة هذا الائتلاف الآن بعد تجربة ستة شهور بطريقة مغايرة؟
•منذ انطلاق قطار الحركة الإسلامية حدد مؤسسها فضيلة الامام الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله – رؤيتها ورسالتها وأهدافها والوسائل الكفيلة بتحقيقها. تحددت هذه الأهداف بما أشرت اليه سابقا: الوجود، الهوية، والحقوق.. أما الوسائل فكلُّ متاحٍ من الوسائل التي يسمح بها القانون: جمعيات ومنظمات مجتمع أهلي، انتخابات محلية/بلديات ومجالس، انتخابات برلمانية، التأثير من خلال المشاركة بعيدا عن الانعزالية الخ. الدخول إلى الكنيست الإسرائيلي بالنسبة لنا كحركة إسلامية هو استثناء فرضته الظروف الموضوعية، حيث وصلنا إلى قناعة ان الكنيست هي منبر يمكن ان نحقق من خلاله خدمات لمجتمعنا العربي خدمة للأهداف المحددة. وهكذا كان منذ قرارنا بخوض الانتخابات عام 1996 وحتى اليوم.
الدخول إلى الائتلاف الحكومي كان استثناء الاستثناء، وهو يحصل لأول مرة في تاريخ العمل السياسي العربي داخل إسرائيل منذ العام 1948. يجب التأكيد هنا ان القائمة العربية الموحدة وهي الذراع السياسية للحركة الإسلامية، ليست جزءا من الحكومة، وانما هي جزء من الائتلاف، وبذلك فهي مستقلة في قراراتها، وتملك حق الانسحاب من الائتلاف إذا تجاوزت الحكومة الخطوط الحمراء التي رسمتها الحركة الإسلامية لحزبها والتي من أهمها: تغيير الوضع القائم في القدس والأقصى المبارك (التقسيم الزماني والمكاني) شن حرب على قطاع غزة أو الضفة الغربية، فرض السيادة الإسرائيلية على أي بقعة في الضفة الغربية المحتلة، عدم التنفيذ الأمين والكامل لاتفاقياتها مع (الموحدة) وغيرها. من المفيد ان أؤكد هنا أيضا ان دخول الموحدة للائتلاف جاء استغلالا ذكيا لانقسام حاد على الساحة الحزبية الإسرائيلية فهي الفرصة لأول مرة لدخول حزب عربي في الائتلاف بشكل يعتبر مؤثرا إلى أبعد الحدود، قد ينجح في نقل القوة العربية من حالة الاحتجاج إلى حالة التأثير الحقيقي على سياسات الحكومة. الذي شجع (الموحدة) على دخول الائتلاف أيضا، ان هذه الحكومة بعكس حكومة نتنياهو، فهي – بسبب الأحزاب المشكلة لها – لن تستطيع التسبب في تدهور في الحالة الفلسطينية، فقوى الشد العكسي فيها سيحافظ على الوضع القائم، وهو إيجابي في ظل الانهيار العربي العام، وهناك فرصة لتعزيزه حتى تتهيأ فرصة أخرى ربما لحكومة أفضل مستقبلا، وان كنت شخصيا لا أتوقع ان تولد حكومة تعترف تدفع في اتجاه إقامة الدولة الفلسطينية وانهاء الاحتلال في المدى المنظور وحتى البعيد.
قواعد الاشتباك بين الائتلاف والمعارضة في كل البرلمانات واضحة، فالائتلاف يحكم حسب رؤية معينة، والائتلاف يسعى لإسقاط الحكومة واستبدالها بحكومة يقودها. الموحدة حاليا في الائتلاف حسب الرؤية التي حددتها. لن تدعم الموحدة أي قانون تأتي به الحكومة أو المعارضة يتصادم مع ثوابتنا الدينية والوطنية، لكنها لن تضيع اتفاقات نوعية غير مسبوقة ستخدم المجتمع العربي كله بلا استثناء بشكل غير مسبوق منذ قيام الدولة، من أجل قوانين تقدمها المعارضة الصهيونية أو العربية ليست أكثر من فصل في مسرحية سياسية بين ائتلاف ومعارضة. لذلك، دعوت في أكثر من مناسبة نواب القائمة المشتركة التي اختارت ان تكون في المعارضة تنسق مع نتنياهو وسموتريتس وبن غفير، وهذا حقها، إلى استبدال تحالفها مع هؤلاء إلى تحالف آخر مع الموحدة من خلال التنسيق والتعاون فيما لا يتصادم مع خطط الموحدة وبرامجها التنموية التي بدأت تحققها من خلال الحكومة. عموما، يجب ان نعترف ان وضع (الموحدة) في الائتلاف أو وضع (المشتركة) في المعارضة هو وضع غير مريح، فنحن في النهاية عرب وفلسطينيون، لنا رؤيتنا التي تتصادم مع دولة تعتبر نفسها يهودية، الأمر الذي نعتبره مصدر كل السياسات العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضدنا. لكنه الواقع الذي يدعونا للتعامل معه بكل ذكاء ومهنية وإن اختلفت اجتهاداتنا في ذلك. المهم، الا تتحول هذه الاجتهادات من حالة التكامل إلى حالة التصادم.
○ كيف تقيّم تصريحات رئيس الموحدة حول الدولة اليهودية؟
•هذه فرصة للتأكيد على ثوابت الحركة الإسلامية وذراعها السياسية، وهي الملزمة دائما، وهي التي يتحدد الموقف من خلالها تجاه تصريح هنا أو هناك. الاحتلال الإسرائيلي رأس كل خطيئة، وهو إلى زوال عاجلا أو آجلا. إسرائيل دولة تمارس الاحتلال غير المشروع على فلسطين: الضفة الغربية والقدس والشرقية، وتفرض الحصار الظالم على قطاع غزة. هذا الاحتلال باطل، وما نشأ عنه فهو باطل. حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وكنس الاحتلال من كل الأراضي المحتلة عام 1967 حق مشروع ومكفول حسب كل الشرائع والقرارات الدولية، وعليه فلا تنازل عن شبر من هذه الأرض، ولا مكان للاحتلال تحت شمس فلسطين المستقلة. المسجد الأقصى المبارك حق خالص للمسلمين لا حق لليهود ولو في ذرة فيه، ولذا فلا يحق لهم الصلاة في رحابه أو فرض أية وصاية عليه. حائط البراق جزء من المسجد الأقصى المبارك بموجب قرارات دولية، وهو محتل أيضا كمدينة القدس كلها. مدينة القدس هي العاصمة الأبدية لفلسطين، واعتبار إسرائيل لها عاصمة، ومشاريع التهويد التي تنفذها حكومات الاحتلال المتعاقبة فيها، باطل ومرفوض حسب كل الشرائع وبموجب القانون والقرارات الدولية. حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وكنس الاحتلال عن كامل التراب الوطني الفلسطيني المحتل عام 1967 وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها قسرا داخل إسرائيل، حق لا يسقط بالتقادم، وهو قادم رغم أنف الاحتلال. إسرائيل ستبقى فاقدة للشرعية ما لم تقم دولة فلسطين المستقلة حسب القرار الاممي (181) وعاصمتها القدس، وتتحمل مسؤولية استمرار انتهاكاتها المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. اتفاق أوسلو ثبت انه مجرد مؤامرة ضد الشعب الفلسطيني وقضيته.
○ كـرئيس سابق للحركة الإسلامية ونائب عنها صاحب تجربة غنية هل يعمّر ويستمر هذا الائتلاف الإسرائيلي الحاكم؟
•لا أستطيع الجزم في اجابتي على السؤال، فالاحتمالات كلها ممكنة. قد تكون مصلحة الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي في البقاء في الحكم أطول مدة ممكنة، والخوف من عودة نتنياهو للسلطة، سببا في امتداد عمر الحكومة. إلا ان أحداثا أمنية غير متوقعة قد تكون سببا في انهيار الحكومة.

#الرئيس #السابق #للحركة #الإسلامية #الشق #الجنوبي #الشيخ #إبراهيم #عبد #الله #تعريف #إسرائيل #ذاتها #دولة #يهودية #مرفوض #وعنصري #ضدنا #وضد #شعبنا #وعليه #لا #بد #من #تغييرها #جذريا #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد