الغزو التجاري التركي للسوق الاقتصادية بات في تونس أمرا مثيرا للجدل نظرا لتواصل ارتفاع العجز التجاري للبلاد ومراعاة مصلحة أنقرة فقط

فتح إخوان تونس أسواق البلاد على مصراعيها للسلع التركية، فغرقت مؤشراتها التجارية في عجز ينذر باتخاذ صبغة هيكلية.فالغزو التجاري التركي للسوق الاقتصادية في تونس بات أمرا مثيرا للجدل، نظرا لتواصل ارتفاع العجز التجاري لهذا البلد مع تركيا، ولارتباط أسباب هذا العجز بمسائل سياسية وأيديولوجية، راعى خلالها إخوان البلاد مصلحة أنقرة على حساب تونس.إغراق الأسواق التونسيةومع وصول حركة النهضة الإخوانية إلى سدة الحكم، بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وجدت أنقرة موطئ قدم لها لتحقيق مكاسب اقتصادية تنبني أساسا على إغراق السوق التونسية بسلعها ومنتجاتها، وهو ما تسبب في خسائر شملت آلاف العائلات.وتجرى عمليات التبادل التجاري بين تركيا وتونس بمقتضى اتفاقية ثنائية موقعة منذ عام 2004، غير أنه ومنذ 2011، شهد البلد العربي اكتساحا تجاريا تركيا غير مسبوق.وفتحت حكومة تزعمتها حركة النهضة خلال سنوات 2011 و2014، الباب أمام تركيا لإغراق السوق التونسية بسلعها، معبدة بذلك الطريق لأنقرة لتحقيق مكاسب اقتصادية هامة في دول شمال أفريقيا.ولتحقيق مآرب أنقرة، جرى تفعيل بنود الاتفاقية التجارية التونسية التركية من جانب واحد اقتصر على الترفيع في الواردات من تركيا دون الترفيع في صادرات تونس نحوها.وفي عام 2013، حذرت منظمة أرباب العمل التونسية من تعديلات أدخلتها الحكومة بزعامة الإخوان، على اتفاقية التبادل التجاري الحر التي سهلت على البضائع التركية غزو الأسواق المحلية دون مقابل يعادلها على مستوى التصدير.وفي حين تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نسبة العجز في الميزان التجاري المسجل بين تونس وتركيا بلغ في 2019، نحو 1618,6 مليون دينار، اعتبرت رئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، أن مستوى عجز الميزان التجاري لبلادها مع أنقرة ناجم عن تبعيّة حركة النهضة الإخوانية لتركيا.وقالت موسي في جلسة برلمانية عامة، إن “تونس أصبحت تستورد 80 بالمئة من السلع من تركيا، مقابل تصدير 20 بالمئة فقط إليها”.وفي محاولة للحد من الخسائر، أقرّت الحكومة التونسية في موازنة العام 2018 فرض رسوم جمركية على عدد من المنتجات التركية، مثل مستحضرات التجميل وبعض المنتجات الزراعية، لخفض العجز التجاري، لكنها ظلت إجراءات غير ناجعة.ويرى مراقبون أن أكثر القطاعات المتضررة من التبادل التجاري التونسي مع تركيا هي قطاعات النسيج والملابس التي كانت أحد أعمدة الاقتصاد المحلي طيلة سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.الولاء للأيديولوجيا خبراء في المجال الاقتصادي يرون أن اتفاقيات التبادل الحر توقعها الدول من أجل أن يستفيد منها الطرفان، معتبرين أنه من الغريب أن اتفاقية التبادل الحر مع تركيا ليست في صالح تونس، لأنها اتفاقية تلحق أضرارا باقتصاد البلد الأخير، وتتسبب في إفلاس التجار والحرفيين. بسام حمدي، المحلل التونسي المختص في الشأن السياسي، قال إن التقارب الأيديولوجي بين النظام التركي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، وحركة النهضة الإخوانية، فتح الباب أمام أنقرة لتنفيذ خطتها الاقتصادية المرتكزة على إنعاش وضعها الاقتصادي بالترفيع في صادراتها، وترويج صناعاتها بشمال أفريقيا.وفي حديث لـ”العين الإخبارية”، أوضح حمدي أن الغزو التجاري التركي لتونس لم يعد يقتصر اليوم على استيراد السلع، بل شمل المهن الصغرى، مثل مطاعم ومحلات بيع الأكلات التركية المنتصبة في ضواحي العاصمة التونسية.ويتذمر منتجون وتجار تونسيون من استهداف قطاع النسيج والملابس، ومراعاة مصالح أنقرة على حساب بلادهم، عبر إغراق السوق التونسية بالسلع التركية.ويقول سامي دمق، صاحب محل صناعة أحذية في محافظة صفاقس جنوبي تونس، إن حجم السلع التركية التي تدخل تونس ضيق الخناق على العديد من الحرفيين.وأضاف دمق، لـ”العين الإخبارية”، أن “السلع الأجنبية المستوردة تلقى رواجا كبيرا في تونس، نظرا لهوس المواطنين باستهلاك كل ما هو مستورد”، على حد تعبيره.وأشار إلى أن جل السلع المستوردة من تركيا لا تضاهي جودة السلع المصنعة في تونس، مشددا على أن الأولى “سريعة الإتلاف وباهظة الثمن”.اتفاقيات استعماريةمطلع العام الجاري، أثار مشروع قانون يتعلق بالتبادل التجاري والاستثمار المشترك بين تونس وتركيا جدلاً حادا داخل البرلمان التونسي ولدى فئة هامة من الطبقة السياسية، ممن اعتبرته مشروعا يرسخ “التبعية”، ويستهدف السيادة التونسية.ونهاية أبريل/نيسان الماضي، أرجأ مكتب البرلمان التونسي جلسة مخصصة لمناقشة مشروع قانون يتعلق باتفاقية للتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، موقعة بين الحكومتين التونسية والتركية في ديسمبر/ كانون أول 2017.واعتبر النائب التونسي مبروك كرشيد، أن “تركيا صاحبة مشروع توطيني استعماري واتفاقياتها مخلة بمبادئ السيادة التونسية”، داعيا في بيان له، نواب البرلمان لرفض هذه الاتفاقية لأنها “مضرة بتونس وتسمح مباشرة للمؤسسات وللأشخاص الأتراك بملك العقارات في تونس وحتى الأراضي الفلاحية (الزراعية)”.. وشدد كرشيد في مقطع فيديو نشره عبر موقع “فيسبوك”، على أن هذه الاتفاقية أعلى قيمة من القوانين الداخلية التونسية التي تمنع الأجانب من الملكية في تونس، وتنزع (تلغي) اختصاص القضاء التونسي على المستثمر التركي، وليس للقضاء حق الولاية عليه في أي نقطة من النقاط، وهي اتفاقية مخلة بشرف تونس وبحقوق التونسيين”.من جهتها، بعثت عبير موسي، رئيس كتلة الحزب الدستوري الحر في تونس رسالة إلى رئيس الحكومة حينها إلياس الفخفاخ (قدم استقالته أمس الأربعاء)، دعته فيها إلى “سحب مشاريع القوانين المتعلقة بالاتفاقيات مع قطر وتركيا بصفة نهائية”.

اقرأ أيضا:  وتحوّل عمال الحضائر إلى مكلّفين بخدمات كوفيد 19

المصدر