- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

النفط مصدر الأزمات: نقطة الاستقطاب الاستراتيجية والصراعات السياسية | القدس العربي

البُعد الاقتصادي والبحث عن مواقع جديدة في حركة الاقتصاد العالمي، لا يزال هو المتحكّم بمسار الكثير من مجريات الأحداث والوقائع. وقد شكّـلت منطقة الشرق الأوسط عامة، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، نقطة استقطاب استراتيجية منذ سنوات طويلة للعديد من الدول.
وأصبح النفط الذي ارتبط بعلاقة وطيدة مع الأزمات والصراعات السياسية، أهم الأهداف العسكرية، وأحد المقومات الأساسية في رسم الحدود الجيوسياسية والاقتصادية. من هنا تنامت الحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة للعمليات العسكرية والإنتاج الصناعي، وتنافست القوى الكبرى في الصراع على هذه الثروات. وهي مسارات ذات تأثير، يتعاظم بأبعاده الجيوستراتيجية، على خريطة التحالفات في منطقة الشرق الأوسط.
لهذه الأسباب حدث التدخّل الروسي المباشر على خط الأحداث في سوريا، بعد اتّضاح المطامع الأمريكية. كذلك التحالف الذي أنشأته السعودية لإبقاء اليمن حديقة خلفية لحدودها ولممراتها المائية. وهو شأن كل التحالفات التي تُرسم تحت عنوان محاربة الإرهاب والتطرف منذ عقدين على الأقلّ. وبسببها تمّ تخريب سوريا وليبيا، وتفجير الحرب الأهلية، وتدمير النسيج الاجتماعي والبنية الوطنية للدولة. والاستمرار في موضعة القوة العسكرية لضمان انفتاح الأسواق الدولية، ليستفيد منها بشكل مشترك كل من الدول الرأسمالية الكبرى، يمثّل في تقدير سيمون بروملي جوهر الهيمنة الأمريكية، بتفصيل مفاده أنّ واشنطن تسعى فعلا للتحكّم بالنفس العالمي، أو على الأقل أن تمارس درجة من الهيمنة لا يجاريها فيها أحد. إلا أنّ شكل هذا التحكّم في حقيقة الأمر غامض للغاية، والأهمّ من ذلك أنّه مختلف عن أنواع التحكّم الحصري بالمواد الأوّلية الذي عادة ما يتمّ ربطه بالقوى الإمبريالية، وإن كانت السلطة الحقيقية تتجاوز القوى الإمبريالية ورجال الدولة لصالح شركات بلدانهم بضخها وتكريرها ونقلها للمواد الأولية.

أمريكا تدعم أنظمة فاسدة، وتحُول دون قيام الديمقراطية ودون التنمية بسبب اهتمامها بالسيطرة على مخزون النفط في المنطقة

السمات الثقافية ليست مطلقات، أو ببساطة فئات فكرية، ولكنّها تُستحضر لتُجهز الهويات التي تُشرعِن المزاعم بالنسبة إلى الحقوق. إنّها استراتيجيات أو أسلحة في المنافسات على السلع الاجتماعية النادرة، حسب مقولة عالم الاجتماع البريطاني بيتر ورسلي. وليست الهيمنة إلا تفسيرا للسياسات الأمريكية في العقود الأخيرة، تماثل في سوئها، سوء اعتبار القوة العسكرية وسيلة لتخفيض تكلفة الصفقات في سوق النفط العالمية. وهي من أسوأ الوسائل التي يمكن استخدامها في هندسة تطابق في المصالح مع دولة، أو مع كل الدول المنتجة. دع عنك استخدامها من أجل تغيير الأنظمة. وما حصل في العراق وأفغانستان وغيرهما أكبر دليل على سوء الخيار وخيبة النتائج، بعد الانسحاب المذلّ لقوات الاحتلال الأمريكية وحلفائها، وهو حصاد مرّ ينضاف إلى مظاهر تداعي القوة الأمريكية في العالم، بعد فقدان أمريكا الجنوبية، وما تحقّق من نزعة استقلالية في بلدان القارة التي تحركت بشكل أكبر نحو التكامل، وطرد القواعد العسكرية الأمريكية، بعدما كانت تعتبر باحة أمان خلفية للولايات المتحدة. ومثلما يوضّح أستاذ الاقتصاد في جامعة بيل ويليام نوردهاوس، فإنّه لا توجد بشكل عام مسألة نفطية مهمة مرتبطة باعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على النفط الأجنبي، أو تقلّبات الأسعار، سواء فكروا بالتلوث، أو بتأثيرات الاقتصاد الكلي، أو ما يحدث في الشرق الأوسط. فضعفهم الحقيقي يعتمد على السوق العالمية، ولا يعتمد على أنّ جزءاً مما يستهلكونه مقبل من الخارج. ويتأسف روبرت فيتالس على الأكاديميين ونقاد السياسة الخارجية الأمريكية، الذين لم يضعوا مسافة بينهم وبين الأفكار التي تزعم أنّ ممارسة القوّة ضرورية من أجل تحسين فرص الوصول إلى النفط، أو لأجل تأمين مصادر النفط. ولم يعاملوها بأنّها ليست أكثر من تبريرات استراتيجية مناسبة لاعتقادات صنّاع السياسة في المصداقية، وفراغ السلطة، وأسلحة الدمار الشامل، ونظرية الدّومينو. بدلا من أن يفعلوا ذلك، اختار هؤلاء الإيمان بأهداف قوّة الدولة وتأثيرها بخصوص مصلحة استراتيجية وحيدة.
والمسألة الإيرانية التي تشغل بال إسرائيل والأنظمة العربية المتقاربة معها، تفضح ازدواجية المعايير في التعامل الدولي. فهناك طريقة مباشرة لإنهاء أي خطر نووي يمكن أن تمثله إيران، وهو إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. هذا المقترح تقدّمت به مصر في عام 1995، لكن الولايات المتحدة تعيق تحقيقه منذ ذلك الحين لاشتراطها استثناء إسرائيل من المنطقة الخالية من الأسلحة النووية. وعبر الدعم المطلق الذي تقدّمه لها، فإنّها لا تزال تشجّعها على أن تنتهج سياسات من شأنها زيادة المخاطر المحدقة بها إلى أقصى حد. سياسات تختار التوسع على حساب الأمن، وتقود إلى انحطاطها الأخلاقي، وعزلتها ونزع الشرعية عنها. الأمر الذي سيؤدي إلى دمارها في نهاية المطاف، وهذا أمر غير مستحيل. منذ فترة حكم أيزنهاور وتعقيبا على ما قاله في مناقشة داخلية لهيئته، من أنّ هناك حملة كراهية ضدّنا في العالم العربي، ليس من قبل الحكومات فحسب، بل من قبل الشعوب. قدّم مجلس الأمن القومي تحليله الذي ارتكز مضمونه في ذلك الحين على أنّ هنالك إدراك في المنطقة بأنّ الولايات المتحدة تدعم أنظمة قاسية، وحشية وفاسدة. وتحُول دون قيام الديمقراطية ودون التنمية، وتفعل ذلك كلّه بسبب اهتمامها بالسيطرة على مخزون النفط في المنطقة. ومن الصعب في اعتقادهم مواجهة هذا الإدراك لأنّه صحيح، وليس صحيحا فقط، بل ينبغي أن يكون صحيحا. ومثل هذه السياسات العامة القائمة على المخاتلة وتقلّب المعايير تسبّب اشمئزازا كبيرا لدى شعوب المنطقة. لأنّهم لا يرون أيّ سبب لِتُدفع ثروات بلدانهم إلى الغرب، وإلى المتموّلين الموالين للغرب، والمتعاونين معهم تحت عناوين أيديولوجية تخضع لتوجيهات استخباراتية لتنفيذ أجندات مشبوهة. ومن الطبيعي أن يواصلوا دعم الحكومات القائمة وأن يمنعوا ظهور الديمقراطية، وتحقيق التنمية، لأنهم يريدون الاحتفاظ بمصادر الطاقة. وعلى هذا الأساس، يؤجَّل الحديث عن دولة تستند في وجودها إلى إرادة مواطنيها، ومشاركتهم الفعلية التي تكفل لمنظومة الحكم التمتع بالشرعية القانونية والسياسية. فمظاهر الخلل السلطوية كثيرة، وإن كانت معلنة أو خفية، بفعل معضلة الفساد التي تضرب بنية الدول من الداخل. وبسبب مقتضيات الاستقرار النفطي والتجاري، يغضّون الطرف عن الحكومات الفاسدة التي تفتِك بالدولة، وتحوّلها إلى كيان جيوبوليتيكي هشّ بمباركة غربية إمبريالية. وينتهي الأمر بأن تفقد مؤسّساتها الحاكمة ثقة مواطنيها، على نحو يجعلهم يحقدون على وكلاء الغرب الذين تكفّلوا بتعطيل مظاهر الحياة المادية والفكرية كافة، ويديرون شؤون الحكم بطرق انتهازية نفعية، تخدم مصالحهم الفئوية دون أدنى اهتمام بالدّور الاجتماعي، أو بتركيز أسس التنمية البشرية.
السبل المألوفة يسهل وصفها، لكن يصعب اتباعها لوقف انتشار الاستبداد السياسي في العالم. وإن وُجدت سبل أخرى، فقد بقيت في طي الكتمان. تتمثل النصيحة كما يراها تشومسكي، في المشاركة الصادقة والدؤوبة، الشجاعة والمتواصلة، بدءا من التعليم والتنظيم مرورا بالنضال المباشر، والمحشود بعناية ليكون فعالا في ظل الظروف السائدة. إنه العمل الجاد واللازم، النوع الذي نجح في الماضي ويمكنه النجاح مجددا.
كاتب تونسي

#النفط #مصدر #الأزمات #نقطة #الاستقطاب #الاستراتيجية #والصراعات #السياسية #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد