تونس- أظهرت أبحاث أن الأطفال الذين لديهم الكثير من الذكريات السعيدة مع آبائهم يكبرون بصحة أفضل ويكونون أكثر رضا عن الحياة وثقة في النفس، ويكتسبون مهارات أفضل في التعامل مع الضغوط النفسية وأقل عرضة للإصابة بالاكتئاب وأكثر ميلًا لبناء علاقات صحية مع الناس، إلا أن هذه الفوائد لا يمكن أن يجنيها الأطفال الذين أصبحوا حبيسي المنازل ويقضون معظم أوقاتهم أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية.
وسعى علماء النفس بشكل متزايد إلى دراسة الآثار السيئة المترتبة عن عدم قضاء الآباء وقتا أطول مع الأبناء والفجوة الكبيرة التي يتركها غياب الذكريات الأسرية الجماعية في حياة الأطفال في مراحل لاحقة من أعمارهم، وقد يلقي ذلك بظلاله على صحتهم الجسدية وسلوكهم الاجتماعي العام، فيكونون أقل استقلالية وأقل قدرة على ضبط سلوكهم الفردي، بالإضافة إلى مشاكل نفسية تدفعهم إلى العزلة والانغلاق على ذواتهم.
وحذر باحثون في علوم الأسرة والاجتماع الآباء من تفويت الكثير من الأوقات الثمينة التي يمكن قضاؤها مع الأبناء بسبب طغيان التقنيات الحديثة التي بدأت تقوض العلاقات الأسرية في المجتمعات الغربية والعربية على حد السواء. ووفقا للأبحاث التي أجريت في هذا المجال، فإن الذكريات التي يخزنها الطفل في ذهنه والتي تجمعه بوالديه وأشقائه في مرحلة الطفولة المبكرة تولد لديه القدرة على تنظيم عواطفه.
وأكد خبراء علم النفس أن الوقت الذي يجمع الطفل بوالديه يمنحه توازنا في شخصيته، ويساعده على تنمية النشاطات الذهنية والاجتماعية بصورة متكاملة، ويشعره بالثقة والأمان. وحثوا الآباء على تخصيص حيز من الزمن أسبوعيا للفسحة واللهو مع أطفالهم، وجعل ذلك طقسا من طقوس حياتهم من أجل إتاحة الفرصة لأبنائهم للتفاعل الفكري والعاطفي، حتى يكون باستطاعة الآباء توجيه أبنائهم والتأثير فيهم تأثيرا إيجابيا في كل مرحلة من مراحل تطورهم.

اقرأ أيضا:  أحدث استطلاع رأي.. إخوان تونس "تموت سياسيا"

الذكريات والتجارب السعيدة يمكنها أن تخلق رمزا خاصا بالذاكرة يسهل استرجاعه مقارنة مع الأحداث المملة

وتعد ذكريات الطفولة وتجاربها من بين أفضل الأشياء التي يمكن أن يورثها الآباء للأبناء، لأنهم عندما يكبرون سيضحكون في كل مرة تخطر فيها تلك الذكريات ببالهم، مما يشعرهم بالسعادة ويعطي لحياتهم معنى، ولذلك كلما كانت تلك الذكريات جميلة وملهمة، حُفِظت بشكل أفضل في مخيلتهم لفترة طويلة جداً من حياتهم. ولكن اللحظات السعيدة التي يقضيها الآباء مع أبنائهم في فسحات المرح والتنزه والرحلات الترفيهية تحتاج إلى أن تخلّد بالصور، نظرا لأن الصور تدون جانبا مهما من حياة الطفل، وإتاحة الفرصة له لرؤية مراحل عمره المختلفة عند الكبر لها إيجابياتها.
وقالت هدى المعشاوي، وهي أربعينية وأم لطفلين، إنها تشعر بالذنب تجاه طفليها نظرا لأن الوظيفة تشغل كامل وقتها ولا تترك لها متسعا لاصطحابهما في رحلة ممتعة أو حتى لقضاء وقت مع الأقارب أو أصدقاء العائلة.
وأضافت لـ”العرب” أن ما يحز في نفسها أن طفليها يقضيان أغلب أوقاتهما أماما شاشة الهاتف يتصفحان الصفحات والمواقع وخاصة “تيك توك” الذي استحوذ على اهتمام شريحة هامة من الأطفال في مثل سنهما. وأكدت أن أطفال هذا الجيل لا يعيرون اهتماما للمة العائلية ولا للذكريات
ويفضلون قضاء وقتهم إما أمام التلفزيون أو أمام الهواتف واللوحات الرقمية وأن الآباء ساهموا في ذلك رغما عنهم ورغم كل تحذيرات التي يطلقها الخبراء والعلماء. ودرس العلماء مؤخرًا الشعور بالحنين للماضي وما فيه من سعادة يشوبها الألم، ووجدوا أن لهذا الشعور وظيفة إيجابية؛ إذ أنه يحسن الحالة المزاجية، وربما الصحة النفسية أيضًا، فقد ألقت دراسة جديدة الضوء على فائدة الشعور بالحنين للماضي، وتوصلت إلى أن هذا الشعور لا يحبسنا في الماضي، بل إنه في الواقع يرفع من معنوياتنا وشعورنا بالحيوية.
وكشفت دراسة حديثة أن الأشخاص الذين يختبرون العديد من التجارب والرحلات السعيدة خلال حياتهم يشعرون بأنهم قد تمتعوا بحياة طويلة نوعا ما مقارنة مع الأشخاص الآخرين.
وكشف فريق من العلماء من الجامعة النرويجية للعلوم ومعهد كافلي لعلوم الأعصاب عن شبكة خاصة من الأعصاب مسؤولة عن الشعور بالوقت والتجارب والذكريات. وأوضحوا أن منطقة هذه الشبكة تقع في الوسط من القشرة المخية الأنفية الجانبية في الدماغ.
ووجد العلماء أن الذكريات والتجارب السعيدة مثل الرحلات وممارسة الهوايات يمكنها أن تخلق رمزا خاصا بالذاكرة يسهل استرجاعه مقارنة مع الأحداث المملة. وأشاروا إلى أن أدمغة هذه الفئة من الأشخاص لا تتذكر في العادة الأحداث المملة والروتينية، وهو ما يكسبهم الشعور بأنهم عاشوا حياة طويلة مليئة بالمغامرات.
وينصح الخبراء الآباء بضرورة تمضية أكبر قدر ممكن من الوقت مع أطفالهم وإبعادهم عن شاشات الهواتف واللوحات الرقمية. وأكدوا أن العلاقة الحميمية بين الطفل وأبويه في المراحل العمرية الأولى تمثل دافعا للنجاح الأكاديمي والوظيفي في مراحل لاحقة من العمر. وقال الخبراء إن “ما يبعث على الدهشة هو الفرق الكبير والحقيقي في تقدم الأطفال الذين استفادوا من اهتمام والديهم عن أولئك الذين لم يقضوا مع آبائهم وقتا طويلا”.
الأطفال الذين لديهم الكثير من الذكريات السعيدة مع آبائهم يكبرون بصحة أفضل ويكونون أكثر رضا عن الحياة

اقرأ أيضا:  دراسة وطنية تكشف أن 25 بالمائة من المؤسسات الاقتصادية المستجوبة غيرت مجال نشاطها لمواجهة تداعيات كورونا

وأكد الخبراء أنه لا بد من اتّباع ضوابط محددة ونظام مرن بداية من بلوغ الأطفال سن عامين، حيث يبدو أنهم يفهمون الجهاز اللوحي بشكل أفضل من بعض كبار السن، ووصولاً إلى سن المراهقة الذي يتطلب منح بعض الحرية “ولكن تحت عين المراقبة”. كما يجب مراعاة تحقيق توازن دقيق عند وضع نظام لاستخدام أدوات التكنولوجيا المتصلة بالإنترنت.
وأشار الخبراء إلى أنه لا توجد وصفة واحدة لتحقيق النجاح في هذا الصدد، وأن كل أسرة تدرك الأسلوب المناسب من خلال التجارب. وتتفرد كل عائلة عن الأخرى بأنماط وقيم أبوة وأمومة مختلفة.
و قال آدم ألتار عالم النفس الاجتماعي “يبقى معيار أساسي وهو أنه يجب تجنب قضاء الكثير من الوقت في التحديق السلبي في الشاشات”. وأضاف “لا يجب أن يكون وقت الشاشات (سواء الهواتف أو الجهاز اللوحي) على حساب الوقت لممارسة النشاط البدني أو التواصل مع أناس حقيقيين. ويمكن وضع قواعد ثابتة للأوقات الخالية من استخدام التكنولوجيا، مثل أوقات تناول الطعام وفي السيارة وفي الليالي المدرسية”.

اقرأ أيضا:  إلياس الفخفاخ يعلن عن حكومته الجديدة.. ويؤكد: ستكون لجميع التونسيين

تابعوا Tunisactus على Google News