بعد مرور عقد كامل.. جدار الثورة التونسية يتآكل بفعل وهم الديمقراطية | رياض بوعزة

تونس – لم يكن ما حصل بالنسبة إلى التونسيين قبل عشر سنوات يتعلق بإنهاء حالة التفرد بالحكم فحسب، بل كان هدفهم في المقام الأول هو تحسين حياتهم اليومية وتحقيق مكاسب الحرية وتعزيزها تدريجيا. لكن الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011 عجزت عن تجسيد ذلك على الأرض، مما ولّد انطباعا بأن الثورة فقدت قوة الدفع وبدأت في التآكل على وهم الديمقراطية.
ويظل السؤال الأبرز المتداول في الشارع التونسي حاليا والذي يتضمن نقاطا جوهرية ومصيرية، هو إلى أين تسير تونس وسط ألغام الصراعات التي لا تنتهي بين النخبة السياسية ذكاها تيار الإسلام السياسي وتردي مؤشرات الاقتصاد، لتزيد جائحة كورونا من تفاقمها، وذلك بالنظر إلى الوعود التي لطالما صدّع بها السياسيون رؤوس المواطنين بها.
هزيمة الديمقراطية
تعطي وتائر السخط المتنامية ومشاعر العجز والإعياء العامة على الطبقة السياسة، التي فشلت في تحقيق مطالب التونسيين لمحة عن المحصلة التي بلغتها الديمقراطية التونسية، التي يفترض أنها ستحقق مبادئ العدالة والمساواة بين مختلف شرائح المجتمع، ما جعل الكثيرين يرون أنها هزمت على وقع التجاذبات السياسية المستمرة والهادفة للسيطرة على الحكم.
وفي المقابل، فإن شقا من التونسيين -وقد باتوا قلة اليوم- يعتقدون أن الثورة حققت العنصر الأهم من الديمقراطية والمتمثل في اكتساب الحريات بعد أن كانت أمرا مقموعا. ويرون أن اللحظة الانتقالية التاريخية، التي تعيشها تونس مفصلية حيث تمارس طبقة سياسية دورها وفق حزمة من المسؤوليات والحقوق والواجبات كمكون مجتمعي لا كفاعلية سلطوية أو حزبية.
ولكن جهود الأحزاب والقوى التي ظهرت في المشهد السياسي خلال مرحلة الانتقال إلى النظام الديمقراطي فاقمت التحديات السياسية وقد حادت عن الهدف الذي ظهرت من أجله وانشغلت بمعاركها للحصول على تأييد من قبل الرأي العام رغم الملفات المتراكمة من بينها مكافحة الإرهاب ومكافحة الفساد واستكمال المسار بتركيز المؤسسات الدستورية.
وقد تردد صدى التباينات الصارخة في تقييم حصيلة السنوات العشر الماضية من خلال تعاطي وسائل الإعلام مع ما تحقق فعليا، حيث أجمعت المواقف على نقطة واحدة وهي أن مكاسب الثورة مهددة ولا إنجازات تحققت يمكن البناء عليها.
ويوحي السجال المحتدم في مظهره الخارجي بالانهماك في إعداد جرد لما تحقق ومقارنته بما لم يتحقق ومعيار كيل الكفتين: ما تحقق وما لم يتحقق، هو حتما تلك الشعارات التي ضجّت بها الشوارع حينها، وباتت اليوم أثرا بعد عين ولم تبق إلا كتابة على الجدران والساحات.
مدركات عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا تزال متباينة ولا يبدو أنها ستغادر مربع الأزمة قريبا

اقرأ أيضا:  العديد من الجزر التونسية ستتمتع بصفة 'مناطق بحرية محمية'

لكن الأمر يتجاوز ذلك التقييم المبسّط إلى طرح أسئلة أكثر عمقا وأبعد مدى من بحث ما تحقق من عدمه، لأن الأمر يتجاوز الحيز التونسي وما تخلله من ثورة اختلفت في توصيفها الطبقة السياسية بين مؤيد ومنكر لها.
ويتكئ المدافعون على أهمية الحريات والديمقراطية، على استحالة الفصل بين الحقوق الاقتصادية والسياسية تبعا لاتصالها وترابطها، ولكن إن تحققت حرية التعبير وحقوق الإنسان في ظل واقع اقتصادي واجتماعي موسوم بالعسر والتردي، فإن حرية التعبير تتحول إلى آلية للاحتجاج والتغيير.
ولا تزال المدركات الشعبية لعملية الإصلاح السياسي متباينة، ففي العديد من استطلاعات الرأي المحلية أظهرت أن الثورة ساهمت في زيادة الحرية السياسية والصحافة لكن لا تزال ثمة حاجة إلى المزيد، وهذا يتضح من خلال المساومات الحزبية في العديد من القضايا المفصلية.
ففي معظم الأحيان لم تشق الحقوق الموجودة على الورق بالضرورة طريقها لتتجسد على أرض الواقع، فمثلا، ثمة إطار قانوني جاهز لتطوير قضاء مستقل لحماية الحريات الدستورية لكن تطبيقه يتباطأ عن تلك التي يجري تنفيذها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهذه نقطة ظلت محل سجال طويل بين النخب السياسية وظهرت تبعاتها في الحياة القضائية تحديدا.
كما أن تشكيل المحكمة الدستورية لا يزال كمّا مهملا، فقد عجز البرلمان عن تركيزها في خضم عملية مسيّسة وغير شفافة، حيث تريد حركة النهضة الإسلامية، التي تسيطر على البرلمان منذ 2011 أن تستأثر بها من خلال تعيين شخصيات مقربة منها، بينما ترفض كتل نيابية وفي مقدمتها الحزب الدستوري الحر بزعامة عبير موسي ذلك.
ولم تسمح السياسة التوافقية للحزب الأول في الانتخابات التشريعية الماضية وهو حركة النهضة بأن يحكُم بمُفرده بل فُرض عليه الدخول في سياسة توافقية حتّى يستطيع تشكيل حُكومة تسهر على مصالح التونسيين، كما هدد هذا الأمر الاستقرار الحكومي حيث تشكلت حكومتان منذ 2019.
ويعكس تدخل بعض المنظمات الرئيسية الناشطة في البلاد كالاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات العمالية في البلاد والحاصل على جائزة نوبل للسلام في العام 2015 برفقة ثلاث منظمات تونسية أخرى للتوسط وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأحزاب، عمق الشلل الذي تعاني منه الديمقراطية الناشئة.
حصاد سلبي

اقرأ أيضا:  عائلات مهاجرين محتجزين في مليلة يحتجون أمام سفارة إسبانيا بتونس

المصدر