- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

تاريخ أزمة اليسار الفكرية والنظام الريعي في تونس (1من2)

الكتاب: “اليسار وسرديته الكبرى: في إدراك الاقتصاد الريعي”
الكاتب: عزيز كريشان
الناشر: كلمات عابرة، جمعية نشاز، الطبعة الأولى، تونس 2021
(132 صفحة من الحجم الوسط)

لا يتجسّد مفهوم اليسار التونسي في حزب سياسي معين، متماسك في بنيته الأيديولوجية والتنظيمية والسياسية، وفقاً للتعريف الماركسي التقليدي. ولهذا السبب، ومن أجل رفع الالتباس، نقول إنَّ مفهوم اليسار التونسي، الذي نعنيه، هو الذي يمثل طيفًا كاملاً من الأحزاب اليسارية، التي تتبنى الفكر الماركسي، ولديها ارتباط وثيق بالشيوعية.

ويعود تاريخ اليسار السياسي، إلى بدايات القرن العشرين، حين ظهرت بواكير الخلايا الشيوعية في تونس في أوساط الجاليات الأوروبية المقيمة في البلاد ـ أي في صفوف الفرنسيين والإيطاليين واليهود التونسيين ـ بعد انتصار ثورة تشرين الأول (أكتوبر) الاشتراكية في روسيا القيصرية في عام 1917. وقد عقدت هذه الخلايا مؤتمرها التأسيسي باعتبارها أول تنظيم شيوعي يتأسس في تونس بضاحية حلق الوادي على يد النخبة الأوروبية في 48 كانون أول (ديسمبر) 1921، وبوصفه جناحاً تابعاً للفرع الفرنسي للأممية الشيوعية. 

ورغم تونسة الحزب الشيوعي التونسي إبان النضال ضد الاستعمار الفرنسي، فإنَّه لم ينغرس في التربة المجتمعية التونسية على غرار الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد بزعامته الشابة على يد الزعيم الحبيب بورقيبة الذي نجح في أخذ زمام المبادرة واحتكار التمثيل الشعبي مقصيا عصفورين بحجر واحد  يمينه أعني الحزب الدستوري في نسخته القديمة المحافظة بزعامة عبد العزيز الثعالبي، ويساره أعني الحزب الشيوعي التونسي مؤلفا مع اتحاد الشغل وممثلي الأعراف واتحاد الفلاحين والمرأة تحالفا بقي قائما حتى آخر ورثائه أعني التجمع الدستوي الديمقراطي الذي تم حله بعيد الثورة في شهر آذار (مارس) 2011.

كل الأحزاب اليسارية في تونس خرجت من رحم الحزب الشيوعي التونسي، وكان أولها ظهور تنظيم “آفاق” الذي تأسس في باريس صيف العام 1963، بعد نقاشات طويلة بين الأعضاء المؤسسين له، الذين ينتمون إلى تيارات ماركسية عدّةٍ، وتروتسكية، وناصرية ثورية، وأعضاء فرع الاتحاد العام لطلبة تونس. وعندما تأسس تنظيم “آفاق” لم يكن في نية المؤسسين تكوين حزب سياسي أو السعي للاستيلاء على الحكم بل الغاية الأولى هي الاهتمام ببعض القطاعات الجوهرية التي تهم مستقبل تونس وإعداد الدراسات الضرورية .

وكان هذا التجمع تلتقي فيه هذه التيارات وتتناقش بحرية على الرغم من تعددها واختلافاتها وتفاوت تجارب أعضائها ورموزها، نخص بالذكر منهم: نور الدين بن خضر، ومحمد الشرفي، الذي تولى رئاسة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من سنة 1988 ولغاية 1989، وتولى منصب وزير التربية والعلوم من سنة 1989 ولغاية 1994، وارتبط بما عرف ببرنامج الإصلاح التربوي، وأحمد السماوي، وإبراهيم رزق الله، وأحمد بن عثمان المقيم في باريس الآن، وهو يعمل رئيساً للمنظمة العالمية للإصلاح الجنائي، وتاج الدين بالرحال، ومنذر القرقوري القادم من المجموعة التروتسكية التي التحقت بآفاق، وجلبار نقاش عضو سابق في الحزب الشيوعي التونسي، وهو تروتسكي انضم للمجموعة بتونس، وحفناوي عمايرية عضو سابق في حزب البعث العربي الاشتراكي ،ومحمد عزيز كريشان، مؤلف هذا الكتاب ،الذي نحن بصدد قراءة عنه.

في كتابة الجديد هذا، الذي يحمل العنوان التالي: “اليسار وسرديته الكبرى، في إدراك الاقتصاد الريعي”، والمتكون من قسمين أساسيين، الأول: مرَّة أخرى حول طبيعة المجتمع التونسي وسمات الثورة، والثاني: النظام الريعي في تونس، يعرض الكاتب عزيز كريشان تحليلا عاما لقوى التغيير في تونس والقوى المضادة له في الداخل وفي الخارج، ويفتح آفاقًا جديدة لنقاش طبيعة المجتمع التونسي والمنظومة الاقتصادية المحلية ومن ذلك إيجاد سبل العمل المشترك من أجل خلق مشروع يساري بديل، يجمع قوى التغيير على قاعدة الانعتاق الشعبي والفردي.

يقول الكاتب عبد العزيز كريشان: “لقد تم تقسيم هذا النص إلى قسمين كبيرين: الأول يعالج اليسار وعدم يقينه الاستراتيجي. والثاني تركز حول تحليل النظام الاقتصادي الريعي و طابعه اللامنتج،واللا اجتماعي، واللاوطني .وفي الحالتين، نحن قمنا بعض شامل ،وتوصلنا إلى نفس النتيجة: اليسار في أزمة، و البلاد في أزمة.فالأزمتان عميقتان ،ومرتبطتان ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض”(ص101).

أطروحتان خاطئتان لليسار التونسي

تجربة الحزب الشيوعي السابقة ظلت في العاصمة ومتعالية عن الطبقات الشعبية وهي تقليدية وغير منفتحة على التجارب اليسارية الأخرى وتكاد البيروقراطية تقتلها فإن حركة برسبيكتيف أرادت أن تسد هذه الفراغات وتكون البديل الحقيقي والقادر على إنجاز التطلعات والآمال للشعب التونسي.. فالنظام البورقيبي ليس نظاما شيوعيا ولا هو يساريا ولا هو حتى علماني رغم جرع الحداثة والعقلانية التي يتمتع بها، إلا أنه اتهم بالعمالة للقوى الاستعمارية وبالتالي ظل الاستقلال منقوصا بالنسبة إليهم وما على اليسار إلا إتمام المسار..  

كانت حركة برسبيكتيف حركة شبابية ثورية، هي خليط من طلبة وقوى مثقفة مطلعة على القراءات الماركسية الجديدة وخاصة في تأويلاتها الفرنسية وحاولت صياغة نموذج تونسي يكون بديلا عن خيارات الدولة الوطنية وقد تزامنت أواخر السبعينيات ثلاثة أحداث كبرى الأولى محلية والثانية قومية والثالثة يمكن وصفها بالعالمية وهي النكسة أو ما يعرف بحرب الأيام الستة، وتلتها مباشرة أحداث ماي في فرنسا وقبلهما إعلان فشل تجربة التعاضد والتوجه نحو الخيارات الليبرالية محليا. 

بتسلم السيد الهادي نويرة رئاسة الوزراء أكسبت هذه الوقائع والأحداث الحركة اليسارية الجديدة مزيدا من التعاطف والنفوذ داخل أسوار الجامعات رغم أن الدولة بحزبها الأوحد وبتحالفاته مع النقابات قد سلط عليهم حملاته وعنفه حتى كادت هذه الحركة أن تندثر وتجهض محاولاتها في المهد وكثير من أنصارها تشرد خارج الوطن معتكفا على خيار التكوين الأكاديمي ليضع له موقع قدم داخل الجامعة تدريسا وتكوينا للطلبة فيما بعد ومن بقي داخل تونس إما اختار السلامة والعمل في الجمعيات الحقوقية مثل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أو الثقافية مثل نوادي السينما أو الفرق المسرحية أما من كان عصيّا على التطويع  فكان مصيره السجن.

جيل مصدوم، وَعَى مُبكراً التناقض في الربط بين الاستقلال وبين شعارات الحرية والعدالة والرخاء، وهو أول جيل معبر عن ما أسمته الكاتبة التونسية هالة باجي بـ “خيبة الأمل الوطنية”. وهو ـ أي الجيل ـ أول مدين للزعيم الأب الذي تراجع عن الخطاب المؤسس وعن أرقى المطالب بالرجوع إلى براءة ذلك الخطاب المؤسس، وهو أول متهيء للصراع العلني كلفه ذلك ما كلفه. 

وقام التجمع بإصدار مجلة سياسية نظرية ناطقة باللغة الفرنسية باسم “آفاق تونسية” التي حملت شعار “من أجل تونس أفضل “، وأخذت على عاتقها مهمة التصدي:
 
1 ـ لسياسات النظام البورقيبي وطبيعته الديكتاتورية الفردية.
2 ـ لسياسة ضرب الحريات العامة في البلاد.
3 ـ لمحاولة توحيد القوى اليسارية التونسية.

وكان التجمع يعتبر نفسه متموقعاً على يسار الحزب الشيوعي التونسي، حيث بدأ ينشط تنظيمياً في أوساط الاتحاد العام لطلبة تونس، والاتحاد العام التونسي للشغل، بهدف توسيع قوة ونفوذ “تجمع الدراسات”، الذي اشتهر باسم مجلته “آفاق”. وأسهم التجمع إسهاماً كبيراً في خوض النضال الوطني الديمقراطي في تونس طيلة مرحلة الستينات، التي كرست الاحتكار السياسي الأعمى للسلطة من جانب الحزب الاشتراكي الدستوري، الذي غير اسمه في مؤتمر المصير العام 1964. 

وفي صائفة عام 1964، عقد تجمع آفاق اجتماعاً ـ إثر مؤتمر اتحاد الطلبة الذي انعقد في الصائفة ذاتها بالمنستير ـ بغابة زيتون بمنطقة الشراحيل قرب المكنين حضره قرابة الخمسين شخصاً منهم من قدم من باريس ومنهم مقيمون بتونس، وتمت المصادقة خلال هذا الاجتماع على لائحة نادت بتحويل مركز نشاط تجمع الدراسات من باريس إلى تونس، وتغيير هيكلته لاستيعاب المنخرطين الجدد. لكن مع انتقال التجمع من باريس إلى تونس تغير أسلوب عمله وأصبح شبيهاً بعمل الأحزاب، لكن بشكل سرّي .

وفي هذا السياق يقول الباحث نور الدين بوقرّة أنه بعد الانتقال ثبت أنَّ “الهيكلية الأفقية أي طريقة اللجان (اللجنة السياسية واللجنة الاقتصادية واللجنة الثقافية واللجنة القانونية) لا يمكن أن تكون صالحة إلا لعدد قليل من الأشخاص”. لذلك وعندما التحق عدد كبير من الطلبة بالتجمع في السنة الجامعية 1963 ـ 1964 بات من الضروري التخلي عن الهيكلية الأفقية واعتماد الهيكلية الحزبية لضمان الجدوى والفاعلية لنشاط التجمع .

لقد خاض التجمع أولى معاركه ضد النظام، عقب هزيمة حزيران العام 1967، حين أسهم في قيادة التظاهرات الشعبية العامة في تونس رداً على العدوان الصهيوني الإمبريالي على الدول العربية، حيث قام المتظاهرون في العاصمة بالإعلان عن استنكارهم للسياسة التونسية الخارجية التي يحكمها نهج التبعية في فلك الاستعمار الجديد، الإمبريالية الأمريكية، وعن مواقف الرئيس بورقيبة الذي وافق على مشروع أيزنهاور لسد الفراغ في الشرق الأوسط أي محاربة الحركة القومية العربية والشيوعية، والدفاع عن “العالم الحر”، وبسبب موقفه من القضية الفلسطينية المعروف حين ألقى خطابه الشهير في مدينة أريحا بفلسطين العام 1965، وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بقرار التقسيم 181.

ويصف أحد قياديي “منظمة العامل التونسي” تلك المرحلة بالقول، وبدأت المنظمة تزرع فروعها داخل البلاد، وصارت تشارك في الهيئات النقابية والطلابية، وفي الملتقيات الفكرية. ففي عام 1967، وجهت إليها الدعوة للمشاركة في مؤتمر عقد في الجزائر حول الاشتراكية في العالم العربي، كما شاركت أيضاً في النقاش الكبير، الذي انتظم في بورصة العمل في العاصمة تونس، حول سياسة التعاضديات.وكنا الوحيدين الذين أوجدوا صحافة معارضة في تلك الفترة، وأمنوا لها توزيعاً واسعاً في أوساط المثقفين والشباب”.

ويضيف هذا القيادي “صحيح أنَّ الحزب الشيوعي التونسي أصدر نشرة “أمل” باللغة الفرنسية، وبدأ يوزعها في الداخل.. لكن لنا الفضل في المبادرة لخلق مناخ فكري وتنشيطه، وتطوير الصراع الأيديولوجي لأجل مناقشة علمية لقضايا مجتمعنا. فمثلاً عندما قام محمد حرمل بإصدار كراس عن الطبقات في تونس نشرنا رداً عليه”. 

ويتابع هذا القيادي في وصف نشاطات تلك الفترة بالقول: “أما في مجال الديمقراطية السياسية فكانت لنا مواقف واضحة وسجلنا تبايناً مع الآخرين بجلاء، فحين استقال أحد الوزراء في الستينات باسم الديمقراطية (أحمد المستيري)، وضحنا الفرق بين نوعين من الديمقراطية: الديمقراطية الشعبية والديمقراطية البرجوازية”. أما في مجال نقده للسياسة الخارجية يقول هذا القيادي: “لقد شاركنا في تظاهرة الخامس من حزيران 1967، احتجاجاً على الولايات المتحدة وبريطانيا، وحوكم بعض أعضاء منظمتنا على أثر تلك التظاهرة، كما ساعدنا القضية الفيتنامية، وذلك بالمساهمة في بعث “لجنة فيتنام السرية”، والتي اشتركت فيها عناصر من الديمقراطيين ومحبي السلام، وتكريساً لهذا التعاطف، فقد نظمنا تظاهرة ضد وزير خارجية فيتنام الجنوبية الذي زار تونس آنذاك” .

” آفاق” والموقف من القضية القومية عامة، والقضية الفلسطينية خاصة
 
تباينت آراء ومواقف تنظيم “آفاق” من القضية القومية العربية، والقضية الفلسطينية، والنضال السياسي المطروح على الأمة العربية في مواجهة الإمبريالية العالمية، والحركة الصهيونية، والكيان الصهيوني، والأنظمة والقوى الرجعية العربية، بحسب تباين المشارب الفكرية والسياسية لمؤسسيها، على رغم أن التنظيم أصبح يتبنى الأيديولوجية الواحدة الماركسية اللينينية. فبقدر ما نجد مواقف تؤيد حركة الثورة العربية من أجل تحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية، نجد مواقف داخل التجمع تتبنى مواقف أيديولوجية متناقضة مع ذلك كله.

ويمكن استعراض هذه المواقف المتناقضة ضمن سياق فترتين زمنيتين، ولكن متداخلتين ومتصلتين: الأولى: قبل هزيمة حزيران 1967، حيث يقول الأستاذ نور الدين بن خضر، أحد مؤسسي “آفاق” “إن قضية فلسطين لم تعننا إلا ابتداء من أواخر سنة 1966، وكانت قضية فيتنام هي التي ملأت الدنيا وشغلت الناس… وكان الأخوان البعثيون والقوميون يعيبون علينا بشدة تقاعسنا نحو هذه القضية… وفي الواقع أنا مقتنع الآن أننا كنا نحمل فعلا بعض النقائص في مجال اهتمامنا بالقضايا العربية والفكر العربي عامة”.

أما الأستاذ احمد نجيب الشابي (كان أحد مناضلي “آفاق”، ثم منظمة العامل التونسي، فيقول: “الفكر الماركسي في نزعته الأممية البروليتارية وفي ترجمته التونسية لم يكن ليولي قضية الهوية أهميتها بل انتقصها وحقر منها معتقداً بأن الأخوة العمالية الكونية فوق الفوارق القومية، وفيها الحل للتناقضات القومية، فلم يحسن فهم حركة التحرر الوطني، وانعزل عنها قبل الاستقطاب، وناصب العداء للقومية العربية، باعتبارها من الترهات الرجعية التي تقوم على أخوة الدم والعرق والدين”.

وأصدر “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي” التونسي كراساً باللغة الفرنسية، تحت عنوان: “خصائص المرحلة الحالية للتطورات وأدوات الثورة العربية” كان من المفروض أن تساهم به المجموعة وتلقيه في ندوة الجزائر حول “الاشتراكية في العالم العربي”، التي عقدت في 22 أيار 1967، أي قبل الهزيمة بحوالي شهر. وقد تضمن الكراس أطروحات متقدمة حول المسالة القومية، تتماثل مع الخط الذي تبناه التروتسكيون العرب من قضايا الثورة العربية. 

واعتبرت “آفاق” الكراس أن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الوحدة العربية: “ليس فقط لأن الوحدة تشكل طموحاً مشتركاً لشعوبنا نظراً لوحدة اللغة والدين والتاريخ ولكن لأن الوحدة هي الوسيلة الوحيدة التي يتسنى لأقطارنا ومن خلالها تشييد الاشتراكية الحقة”.

كما اعتبرت أنَّ الوحدة العربية ضرورة اقتصادية وثقافية، غير أنها لا يجب: “أن تكون متقدمة على النضال من أجل بناء النظام الاشتراكي، فقد دلت التجربة، وما زالت، إن هذه الوحدة لن تتحقق إلا إذا كانت وليدة النظام الاشتراكي” . أما عن شكل الوحدة التي تؤمن بها “آفاق ” فيحددها الكراس كالتالي: “فنحن نعلم أن كل قطر عربي لوحده ليس بمقدوره بناء الأسس الاشتراكية وان هذه الأخيرة لن تتحقق إلا في إطار أوسع، وبإمكان وحدات إقليمية أن تهيئ لوحدة عامة”.

وفي الوقت عينه، نشرت “آفاق ” مقالاً بعنوان: “تونس أمام أزمة الشرق الأوسط “، جاء فيه ما يلي: “إن النضال ضد إسرائيل التي نجدها أمام طريقنا في كل مرة نبادر مبادرة تقدمية لا يمكن أن يكون إلا نضالاً متواصلاً صميمياً، يدخل في إطار النضال ضد الإمبريالية التي تهاجم كل الشعوب. ولذلك أيضا فإن النضال ضد الأنظمة ـ ومن بينها النظام التونسي ـ المرتبطة بالإمبريالية، يجب أن يكون من الثوابت النضالية السياسية لليسار”.

ونشرت مجلة “آفاق” في عددها الصادر بتاريخ 14 حزيران 1967، مقالاً بعنوان “اليسار التونسي والثورة العربية “، أكد عروبة تونس وشعبها الذي يرزح تحت كلكل زعامة متغربة تحاول قطعه عن جذوره وعن محيطه العربي… وأن الإيمان بعروبة تونس لا يدخل في إطار الحلم ولكنه اعتقاد راسخ وثابت.

الثانية بعيد هزيمة حزيران 1967، إذ أصدر “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي ” كراساً تحت عنوان: “المسألة الفلسطينية في علاقاتها بتطور النضال الثوري في تونس “، وهو الكراس الثاني للمجموعة، وعرف بالكراس الأصفر نسبة للون غلاف الكراس. وقد انتهى إلى أن تونس أمة بحالها وبلغتها، وبشخصيتها المميزة، وأن القومية العربية هي إحدى الترهات التي تقوم على أُخُوة الدين والعرق والدم…. وأن الشعب الفلسطيني ” أحد رعايا دولة إسرائيل التي يشكل أقلية فيها”.

إذا كانت هزيمة حزيران قد فجرت التناقضات الأيديولوجية والسياسية في صفوف “تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس “، فإن حملات الاعتقال والمطاردة المتوالية التي تعرضت لها كادرات وقيادات التجمع بهدف تصفيته في إطار سياسة الاستبداد، التي أغلقت كل محاولات الحرية، وتصفية كل صوت معارض، ومصادرة أشكال التعبير والممارسة، وتقديم معتقلي “التجمع” أمام محاكم أمن الدولة، وصدور أحكام قاسية وصل بعضها إلى السجن عشرين عاماً مع الأشغال الشاقة، هذه الضربات أسهمت في تحطيم البنية التنظيمية للتجمع، وشل فعاليته السياسية، وإنهاء وجوده التنظيمي في الجامعة والشارع التونسي.

غير أنّ قمع الدولة العنيف للأفاقيين جعل اليسار يتمترس داخل أسوار الحرم الجامعي، ففي مطلع السبعينيات كان كادر التدريس في معظمه من “البرسبكتيف” أو متعاطف معهم وقد توج عملهم  بالسيطرة على النقابة الوحيدة الطلابية في انتخابات شرعية أعني الاتحاد العام لطلبة تونس في مؤتمر قربة عام 1971، التي كان يسيطير عليها على الحزب الاشتراكي الدستوري التونسي منذ الاستقلال. وكان حدث الانتصار اليساري مربكا للسلطة في بداية السبعينيات ولم يستسغ النظام هذه النتائج، فكان انقلابه على مؤتمر قربة، ما جعل الحركة الطلابية تدخل آنذاك في معركة كسر العظام مع النظام البورقيبي. 

وتمكن اليسار من تنظيم هياكله النقابية المؤقتة ولم يكن يسمح للحزب الحاكم بأي نشاط طلابي داخل الجامعة بل من يشتم منه رائحة الاقتراب من النظام يواجه بعنف شديد هو الشكل المقابل لعنف الدولة إزاء خصومها. فداخل أسوار الجامعات التونسية لا صوت يعلو على صوت المعارضة فبين روادها  وطلابها شباب ثائر وقادم من مناظق نائية ومهمشة ويكتسب داخلها المعارف والفنون والوعي ويتمكن من الاطلاع على آخر منتجات الفكر تحليلا ومضامين وللمنتج الماركسي ريادته كما وكيفا. وبديهي أن تكون الماركسية أيام الحرب الباردة وتورط أمريكا في الفيتنام تجارة رابحة لكن الماركسية مدارس.  فأي يسارية اختارها الطالب التونسي؟ 

داخل أسوار الجامعة توجد نماذج يسارية فسيفسائية متنوعة وقد يجد الطالب نفسه مع فصيل في الصباح حتى إذا أمسى أعلن انتسابه لخصمه. إن نظرة على التجارب اليسارية العالمية التي كانت ملهمة لليسار التونسي بعد فشل التجربتين السابقتين (وهما الحزب الشيوعي التونسي الذي ضل كلاسكيا ومتعاليا عن الطبقات الكادحة وتجربة برسبيكتيف على أهميتها إلا أن شدة القمع جعلت منها نخبة أكادمية متعالية بدورها عن النضال اليومي من اجل حلم العدالة الاجتماعية ومحاربة الامبريالية) .

#تاريخ #أزمة #اليسار #الفكرية #والنظام #الريعي #في #تونس #1من2

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد