تونس: الاستعصاء يتواصل والمواطن هو الضحية

منذ 13 دقيقة

حجم الخط

شهدت تونس مؤخراً فصلاً جديداً في حال الاستعصاء ثلاثية المحاور بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان، وذلك بعد أن رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد التصديق على مشروع كان البرلمان قد أقره حول إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية. واستند الرئيس في قراره إلى فصل في الدستور يشترط تشكيل المحكمة الدستورية خلال فترة أقصاها سنة تعقب الانتخابات التشريعية.وإذا كان الاعتراض صحيحاً من حيث الشكل، فإنه من حيث المضمون لا يبدو أنه يراعي حقيقة انقضاء سبع سنوات وليس سنة واحدة على تلك الانتخابات، عجز خلالها البرلمان عن تحديد حصته من أعضاء المحكمة بسبب خلافات حزبية وسياسية معقدة. كذلك يلوح أن رئيس الجمهورية يغض النظر عن حقيقة أن المحكمة ليست مشكلة أصلاً كي يرفض التعديلات على قانونها، وكان الأكثر صواباً أن يعترض على المشروع لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، قبيل التصويت عليه في البرلمان.وحسب الفصل 118 من الدستور التونسي تتألف المحكمة الدستورية من 12 عضواً، يتولى كلّ من رئيس الجمهورية والبرلمان والمجلس الأعلى للقضاء تعيين أربعة من أعضائها، بحيث تصبح «هيئة قضائية مستقلة، من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون، الذين لا تقل خبرتهم عن 20 سنة». وكان عدم تشكيلها واحداً من العوائق الأساسية أمام استكمال المؤسسات التشريعية والدستورية، وتسبب غيابها بالتالي في تعطيل جانب أساسي من التجربة الديمقراطية التونسية، نظراً لانتفاء الجهة القانونية الأعلى التي تصدر الحكم النهائي والقاطع حول أي نزاع يمكن أن ينشب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.ورغم أن رئيس الجمهورية كان هو الذي اختار رئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي وأصرّ على تكليفه بمعزل عن التشاور مع الأحزاب السياسية، فإن سلسلة من النزاعات سرعان ما نشبت بين الرئاستين، وكان آخرها رفض سعيد قبول أداء اليمين لعدد من الوزراء الذين اختارهم المشيشي ضمن تعديل حكومي واسع النطاق حظي بثقة البرلمان. وهذه وجهة أخرى للاستعصاء، إذْ أن رئيس الحكومة ليس أقل من رئيس الجمهورية تمسكاً بتعييناته، والبرلمان من جانبه رهن هذا الوضع العالق بقدر ما هو أسير صراعات كتله وأحزابه.وقد زاد في تعقيد الوضع محاولات تدويل الأزمة عن طريق بعض أطراف السلطة أنفسهم، إذ استقبل رئيس الجمهورية سفراء عدد كبير من الدول وأثار أمامهم مشكلات داخلية يُفترض أنها سيادية يجري علاجها على مستوى مؤسسات الدولة الوطنية، كذلك كان راشد الغنوشي رئيس البرلمان قد استقبل السفير الأمريكي وأثار معه قضايا مماثلة. ولم يكن غريباً أن تلتقط الدوائر المالية العالمية هذه الإشارات، على صعيد تخفيض الترقيم السيادي للبلد، أو نشر البنك الدولي معطيات مثيرة للقلق حول معدلات البطالة التي تجاوزت 17٪ وعجز الموازنة بنسبة 11,5 من الناتج المحلي الإجمالي، وتقلص هذا الناتج ذاته بنسبة 8٪.ومن نافل القول إن المواطن التونسي هو الضحية الأولى لحال التأزم هذه، التي لا تصيب مستويات العيش والخدمات العامة في ميادين التعليم والبنية التحتية والأسعار والغذاء والصحة في أزمنة جائحة كورونا فقط، بل تنذر بانقسامات حادة في البنية الاجتماعية وتهدد بعواقب وطنية خطيرة.

اقرأ أيضا:  لمس الأبواب ينقل العدوى بفيروس كورونا

تابعوا Tunisactus على Google News