- الإعلانات -

- الإعلانات -

تونس بين عجز تجاري وعجز في معارضة لا تقرأ الأرقام

كريتر نت – متابعات
تثقل المعارضة في تونس كاهل السلطة العاجزة عن إيجاد حلول للمشكلات التي خلفتها بعض أحزاب المعارضة حين كانت في الحكم، وفاقمت جزءا كبيرا منها بسبب انتهاجها سياسات فاشلة وفاسدة، لكن تحركاتها اليوم تشتت الشعب وتدفعه نحو تحميل قيس سعيد مسؤولة أزمات موروثة لا يمكن حلها بعصا سحرية.
وتوجّه أحزاب المعارضة واتحاد الشغل في تونس انتقادات للرئيس قيس سعيد، وتقول إن سياساته هي السبب وراء الأزمة الاقتصادية في البلاد، ولكنها لا تقول إنه ورث الأزمة منها. كما أنها لا تقول كيف ستغلق العجز في الميزانية، لو أنها تولت السلطة غدا.
وتعارض النقابات الإصلاحات التي يشترطها صندوق النقد الدولي لكي يقدم لتونس قرضا بقيمة 1.9 مليار دولار. وفي حين أن تونس سوف تواجه مشكلة حادة ابتداء من النصف الأول من هذا العام تتعلق بعدم كفاية الموارد لتغطية متطلبات الإنفاق، فإن شروط حزمة الإنقاذ تستوجب القيام بإصلاحات لا تحظى بالشعبية، وتثير المزيد من أعمال الفوضى السياسية، من دون أن يتقدم أي طرف من الأطراف بحلول واقعية أو قابلة للتطبيق. وعدا عن “الاستثمار السياسي” للأزمة، فإن هذه الأطراف لا تمنح سلطة الرئيس قيس سعيد المتنفس اللازم للبحث عن مخارج، بينما هي نفسها لا تعرف الطريق إليها، ما يعني أن هذه الأطراف تدفع البلاد دفعا إلى الانهيار.
أحزاب المعارضة بدلا من التفكير في عمق الأزمة، هاجمت قافلة المساعدات الغذائية التي أرسلتها حكومة طرابلس
ويطالب صندوق النقد بأن يتم خفض الدعم عن المواد الغذائية والطاقة وإصلاح الشركات العامة، بما يعني تقليص الوظائف فيها، في مقابل توجيه الأموال لخدمة المشاريع الإنتاجية أو التي توفر عائدات مستقرة، مع ضبط الإنفاق الحكومي.
وهذه المسألة، بمعايير الصندوق، إنما تتعلق بما إذا كانت التمويلات سوف تحقق الاستدامة التنموية المطلوبة منها. وحتى المساعدات، فإن قبولها على أساس التبرعات لم تعد مما ينفع الذين يحصلون عليها، لأنها كما جرت العادة في تونس بالذات، أصبحت سببا للتهرب من استحقاقات الإصلاح. وهو ما يعني أن أموال المساعدات سوف تضيع، كما تضيع من بعدها كل أموال المساعدات الأخرى.
والأزمة في تونس ليست جديدة. فالبلاد ظلت تواجه عجزا متراكما ولم تفلح كل أحزابها السياسية في معالجتها. وهي تحصل على قروض ومساعدات منذ العام 2011، إلا أنها لم تف بالوعود والالتزامات التي قطعتها للمقرضين ولجهات الدعم الدولية والإقليمية. وطغت الصراعات على السلطة على كل شيء آخر، وهو ما دفع التونسيين إلى انتخاب رئيس من خارج الدائرة السياسية. وكانت نسبة الأصوات العالية التي حصل عليها سعيد في الانتخابات الرئاسية في العام 2019 وتجاوزت 70 في المئة مؤشرا على مستوى انعدام الثقة بين الناخبين والأحزاب التي هيمنت على البلاد منذ العام 2011.
وفي نوفمبر العام 2016 على سبيل المثال، حصلت تونس على مساعدات وقروض عربية تجاوزت 4 مليارات دولار. ملياران و550 مليون دولار منها جاءت من الدول الخليجية. كما قدم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي تمويلات لمشاريع بقيمة مليار و500 مليون دولار. وبلغت حصة السعودية من هذه المساعدات نحو 800 مليون دولار، توزعت بين هبة بقيمة 100 مليون دولار و500 مليون دولار لتمويل مشاريع تنموية، و200 مليون أخرى لتمويل الصادرات السعودية نحو تونس، وتعني من الناحية العملية استيراد بضائع مجانية. كما قدمت الكويت قرضا بقيمة 500 مليون دولار.
وفي العام التالي سجلت الميزانية التونسية عجزا إضافيا بلغ 3.4 مليار دولار. وقال وزير التنمية محمد الفاضل عبدالكافي حينها “إن موارد الدولة مقدرة بنحو 24 مليار دينار تونسي (نحو 10 مليارات دولار) لا تفي باحتياجات الاقتصاد التونسي كافة، من تغطية كتلة الأجور والتعهدات المالية العمومية وتسديد الديون الخارجية وغيرها”.
والحلول التي كانت مطروحة في ذلك الوقت هي ذاتها الحلول المطروحة الآن. وبرغم أن الأزمة ظلت تتراكم عاما بعد عام نتيجة للفشل في تنفيذ تلك الحلول، ومنها تقليص حجم القطاع العام غير المنتج، ورفع الدعم عن المحروقات لتقليص الإنفاق، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني لزيادة عائدات السياحة، إلا أن الأحزاب المتصارعة على مراكز النفوذ لم تحقق هذه الأهداف وظلت تتطلع للحصول على المزيد من القروض والمساعدات. وذلك حتى بلغ العجز مستوى قياسيا وصل إلى 25.210 مليار دينار (8.18 مليار دولار) في 2022 بالمقارنة مع 16.216 مليار دينار في 2021، وذلك بحسب المعهد الوطني للإحصاء في  تونس.
وعندما حاولت تونس في ذلك العام الحصول على قرض رابع من صندوق النقد بقيمة 3.3 مليار يورو في مقابل وعد بإصلاحات، فإن الصخب الذي رافق المحاولة والاحتجاجات التي نظمها الاتحاد التونسي للشغل جعلت تنفيذ الإصلاحات أمرا عسيرا، وهو ما تكرر في ديسمبر الماضي عندما قرر الصندوق إرجاء النظر في طلب القرض الجديد لإغلاق جانب من العجز الراهن.
ولم يجلب الرئيس سعيد هذا العجز، ولكنه ورثه، وورث معه صراعات سياسية انقلبت عليه لأنه انقلب على الذين خلقوا المشكلة.
والآن صار بوسع نجيب الشابي رئيس جبهة “الخلاص الوطني” التي تضم تحالفا للأحزاب نفسها التي قادت البلاد الى الهاوية أن يقول “إنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد انهار منذ وصول الرئيس قيس سعيد إلى السلطة في البلاد”. وهو تصريح لا يتطابق مع الواقع.
وفي الوقت نفسه، فإن الشابي وتجمع الأحزاب التي يمثلها لم يقل كيف يمكن للبلاد أن تغلق العجز أو من أين ستأتي بالمال، إذا كانت لا ترغب بتلبية شروط صندوق النقد الدولي.
وبدلا من التفكير في عمق الأزمة التي تعانيها البلاد، فقد هاجمت أحزاب المعارضة قافلة المساعدات الغذائية التي أرسلتها حكومة طرابلس، وشملت 170 شاحنة محملة بمواد أساسية تشح في الأسواق، واتهمت الرئيس سعيد بأن البلاد صارت تحت قيادته “تشحت” المساعدات.
ويقول مراقبون إن المعارضة التونسية، كالكثير من المعارضات الأخرى، تمارس السياسة على أساس منطق الاحتجاج والتظاهرات، لتعفي نفسها من التفكير في الحلول العملية للأزمات. ونادرا ما ظهر بينها حزب يقدم لائحة معالجات بالأرقام تحظى بدعم الخبراء الاقتصاديين، أو تعرض على الأقل بدائل قابلة للتحقيق. أي تقوم على أرقام وليس على أهواء وافتراضات وشعارات.
ولا تقول التظاهرات التي تطالب الرئيس سعيد بالرحيل للتونسيين ماذا ستفعل لو أنه رحل فعلا. وهي لا تقتصر في أضرارها على إظهار أن البلاد في وضع بعيد عن الاستقرار، ولكنها تزيد في إبعاد جهات الدعم والاستثمار عن تونس، حتى تلك التي لا تفرض شروطا كشروط صندوق النقد الدولي.
والمستثمرون، في نهاية المطاف، لا يقدمون بأموالهم إلى بلد يغرق في غمار تقلبات سياسية لا يعرف أحد ما هو منتهاها ومستقرّها. والذين يوجهون سهامهم إلى الرئيس سعيد، إنما يوجهون سهامهم على البلد نفسه الذي يتطلعون لقيادته.
وتقف تونس اليوم على حافة التخلف عن سداد أقساط قروضها. وليس لدى ماليتها العامة ما يكفي لتغطية متطلبات الإنفاق حتى نهاية العام الجاري. ولو تحقق للمعارضين أن يدفعوا الرئيس سعيد إلى الاستقالة، فإنهم لن يضيفوا دولارا واحدا إلى الميزانية. وهم لا يقولون، من الأساس، من أين سيأتون بالتمويلات لتغطية العجز.
وستعود الكذبة “الديمقراطية” التي أوجدت الفشل، وحافظت عليه وراكمت عجزه التجاري، لتكرر الشيء نفسه.

#تونس #بين #عجز #تجاري #وعجز #في #معارضة #لا #تقرأ #الأرقام

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد