- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

تونس.. عودة القصر الرئاسي

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تونس.. عودة القصر الرئاسي, اليوم الأربعاء 11 أغسطس 2021 08:42 صباحاً

تمكّن تونس من تلقيح أكثر من نصف مليون شخص يوم 8 تموز (يوليو) أظهر قدرة البلاد على معالجة أزماتها، رغم كل التحديات التي تواجهها. طريقة إدارة التلقيح قدمت بعض الإجابات أيضاً بخصوص المسار الذي يتبعه الرئيس قيس سعيد في إدارته للبلاد.

من غير المعروف إلى حد الآن ما هي خريطة الطريق التي سيتّبعها سعيّد بعد توليه سلطات واسعة في تونس استناداً الى الفصل 80 من الدستور.

لكن طريقة تصرفه منذ 25 تموز تعطي إشارات عديدة توضح المنحى الذي قد يتبعه في الحكم أو ذلك الذي يريد أن يتوقعه منه الناس، بغض النظر عن المدة التي ستستمر فيها صلاحياته الاستثنائية وعن التوجهات النهائية التي قد يختارها مستقبلاً في ضوء التطورات القادمة.

اعتباراً لعدم استجابته للضغوط من أجل كشف أوراقه القادمة واختيار رئيس حكومته بسرعة، يبدو المنحى الذي يتبعه سعيد بطيئاً ومبهماً نوعاً ما، إلى حد إثارة القلق عند بعض أنصاره. لكنه منحى قد يكون يعكس في حد ذاته ميلاً أكاديمياً للاستغراق في التفكير، وإن كان يحمل في ثناياه أيضاً قدرة على المناورة السريعة والمباغت، كما أظهر في قرارات 25 تموز التي فاجأت الجميع.

راقب الملاحظون بانتباه طريقة تصرّفه في معالجة الأزمات التي تواجهها البلاد. وتابع كثيرون على وجه الخصوص أسلوبه في مواجهة أزمة كورونا على أساس تعبئة شاملة للإمكانات، وإشراف مباشر وشخصي على معالجة الأزمة.

بعد تجميعه للسلطات الاستثنائية بين يديه، أكد سعيد أن مقاومة الجائحة من أولى أولويات البلاد، وذلك رغم الأوضاع السياسية الطارئة. وشجعه على ذلك وجود طريق سالكة نحو تلقيح أعداد واسعة من المواطنين بعد الموجة التضامنية التي وفرت أكثر من ستة ملايين جرعة إضافية من التلقيحات، في إطار مساعدة تونس على مواجهة ارتفاع عدد ضحايا فيروس كوفيد بشكل كاد يؤدي إلى انهيار المؤسسة الصحية وتجاوز عدد الوفيات 20 ألفاً.

كان إشرافه مباشراً، وكانت قراراته متسلسلة وهادفة لضمان أفضل ظروف النجاح لمقاومة الجائحة بالاعتماد على مجمل الإمكانات المدنية والعسكرية المتوفرة، والاعتماد على كل أجهزة الدولة الصحية والعلمية والأمنية واللوجستية، في محاولة منه لتجسيد لما كان يردده سابقاً من أن الدولة واحدة ورأسها واحد.

منذ أسابيع، كان البعد العسكري واضحاً في تنظيمه للجهد الوطني لمقاومة الجائحة. أنشأ هيئة وطنية لتسيير حملة التلقيح يقودها المدير العام للصحة العسكرية وينسق أعمالها جهاز الأمن. وعين عميداً – طبيباً في الجيش وزيراً للصحة حتى قبل أن يختار رئيساً للحكومة.

وأعلن عن تنظيم يوم للتلقيح المكثف بهدف تطعيم مئات الآلاف ممن تجاوزت سنهم الأربعين سنة. كما توجه بنداء الى الشعب حاثاً إياه على التوجه الى مراكز التلقيح، في إشارة إلى أن الحملة الجديدة حملته شخصياً.

أرادها مبادرة نموذجية تبرز مدى التغيير الذي حصل منذ إزاحة رئيس الحكومة وتؤشر الى تجاوز مرحلة سوء التصرف إزاء أزمة كورونا، والذي فاقم درجة الغضب الشعبي ضد السلطة.

ولكن نجاح المبادرة سلط الضوء مجدداً على الظروف التي أدت إلى الفشل الكارثي خلال اليوم الوطني السابق للتلقيح خلال شهر تموز الماضي. وأعاد إلى الأذهان الهنات في التصرف التي أدت الى بطء استجلاب التلقيحات وخروج الوباء عن السيطرة.

كانت مؤسسات الدولة هذه المرة مسخّرة لإنجاح “يوم التلقيح المكثف”، وكانت مدعومة بآلاف المتطوعين من المجتمع المدني. وواكبت المنصات الاجتماعية منذ الصباح الباكر ارتفاع عدد الملقحين ساعة بساعة. تبادل الجمهور الواسع صور رجال الأمن والجيش يساعدون كبار السن على الوصول إلى المراكز. وكانت الأجواء في التلفزيون شبيهة بأجواء الانتخابات أو المهرجانات الوطنية.

أجواء مراكز التلقيح كانت احتفالية. وعكست مشاهد العزف والرقص تفاؤل الناس بإمكان انقشاع سحب المرض والموت التي حجبت أفق الأمل مدة أشهر.

كان الاحتفاء أيضاً “بعودة الدولة”، بعدما كاد الرأي العام في أغلبه ييأس من قدرتها على تحمل مسؤولياتها، وفي مقدمتها ضمان الحق الدستوري في الصحة. استعادت الطواقم الطبية الثقة بنفسها، إلى حد أن أحد أعضاء اللجنة العلمية لمكافحة كورونا قال: “لقد استرجعنا اليوم بلادنا”.

ولكن إصلاح المنظومة الاستشفائية لن يكون يسيراً، وسوف يحتاج إلى نفس طويل وقدرة على اتخاذ القرارات. كما أن بقية التحديات والأزمات التي تواجه الدولة ما زالت كبيرة.

من الأكيد أن بصيص الأمل هذا يخدم مصلحة سعيد الذي كان ولا يزال واعياً بأنه يحتاج إلى مراكمة الزخم الشعبي الذي رافق إجراءات 25 تموز. ومن الأكيد أيضاً أنه حريص على تعزيز ما أسماه أحد المعلقين “سردية النجاح” كضمان لاستمرار ما يسميه هو نفسه “الشرعية الشعبية” التي يحاول الاستناد إليها.

تحركاته كلها تقريباً بقيت تصب في ذلك الاتجاه. حتى قبل تشكيل الحكومة تدخّل شخصياً للدفع نحو تخفيض أسعار المواد الاستهلاكية، والتقليص من نسبة الفائدة البنكية، واستئناف إنتاج الفوسفات، وغيرها من الملفات التي تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطن، في لقاءات مع المسؤولين تبث في شكل فيديو علو موقع رئاسة الجمهورية على الإنترنت.

وحتى في معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها البلاد كانت مقاربته مبنية على اتصالاته الشخصية بقادة دول المنطقة والعالم، وذلك بهدف توجيه رسالة متفائلة مفادها أن تونس بإمكانها الاعتماد على “مساندة أشقائها وأصدقائها”، لمواجهة الاستحقاقات الاقتصادية القادمة، ومن بينها تسديد قروضها وشروط تفاوضها مع صندوق النقد الدولي.

هناك من الخبراء من يقول إن أسلوب المعالجة الشخصية والمباشرة للأزمات له حدوده. وقد يهمّش بلا لزوم دور مؤسسات الدولة إذا ما استمر طويلاً. ولكن إلى حين تحيين منظومة الحكم على ضوء الإصلاحات الدستورية والقانونية أو المتغيرات السياسية المحتملة سوف يسعى سعيد كي تكون مرجعية الحكم في قصر قرطاج.

وسوف يساعد القصر انهيار مصداقية الحكم السابقة، وخصوصاً منها المنظومتين البرلمانية والحزبية، ومن بينها رصيد حزب “حركة النهضة” الذي وجد نفسه أمام أزمة وجودية غير مسبوقة لا تسمح له البتة بالدخول في صراع مع سعيد.

وإن يختلف سعيد اختلافاً جذرياً عن كل رؤساء الجمهورية الذين سبقوه منذ استقلال تونس سنة 1956، فإنه يجد في الذاكرة الشعبية استعداداً راسخ الجذور للقبول بدور مركزي لرئيس الجمهورية في تسيير شؤون الدولة.

وقد يتمثل التحدي الرئيسي لتونس القادمة في تطويع خصوصيات النظام الرئاسي الذي ينشده سعيد مع تطور المجتمع ومقتضيات الحكم الديموقراطي.

اليوم، لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما يستقر عليه الحراك الشعبي والسياسي. ولكن من المحتمل أن تقطع المرحلة القادمة مع تجربة العشر سنوات الماضية، بعدما بلغت هذه التجربة مداها واستنفدت مخزون الصبر على زلاتها.

وسيكون دور سعيد في المرحلة الجديدة محورياً إلى حين تنظيم الانتخابات القادمة، سواء كانت مبكرة أم في تاريخها المحدد مبدئياً لسنة 2024.

#تونس #عودة #القصر #الرئاسي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد