تونس في حالة انتقالية مستمرة والجوع يدفع لثورة جديدة والنخبة متحاربة

27 – فبراير – 2021

إبراهيم درويش

حجم الخط

في ذكرى الثورة التونسية ومرور العشرية الأولى عليها لم تكن هناك احتفالات ولا خطابات ولكن تظاهرات واحتجاجات واعتصامات على الأوضاع التي لم تغيرها الثورة التي انطلقت بعد حرق بائع الفاكهة محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا على طريقة معاملة الشرطة له وتضييقها عليه في معيشته وبالضرورة إهانة كرامته. وقد قيل الكثير عن الثورات العربية التي أشعلتها اللحظة التونسية حيث تركت دولا ترزح مرة أخرى تحت الديكتاتورية وأخرى انتصرت فيها الديكتاتورية بعدما هجرت ودمرت معظم البلاد كما هو الحال في سوريا، وفي دول أخرى لا تزال الحرب الأهلية مشتعلة كما في اليمن وليبيا. ورغم القمع والتشريد الذي أصاب الثوريين الشباب إلا أن مسببات الثورة لا تزال قائمة، وبدت نتائجها في 2019 عندما أطاح المتظاهرون بنظامين عتيقين في كل من الجزائر والسودان وغيروا حكومتي لبنان والعراق.
الأسباب هي نفسها
واتفق الكثيرون ممن كتبوا عن لحظات عام 2011 و2019 أن الثورة العربية عمل غير مكتمل. فالجوع والفقر والبطالة هي مسببات الثورات الأولى وستظل تغلي تحت السطح حتى يخرج المكبوت للعلن. وفي التظاهرات التي تشهدها تونس منذ الشهر الماضي خاصة الأحياء المهمشة والمحرومة من العاصمة والجهات الفقيرة من البلاد، تساءل متظاهرون عن سبب تحميل الدولة لهم اللوم ودعوتهم لعدم النهب واستهداف الشرطة كما بدا من كلام رئيس البلاد قيس سعيد ولم يذكر أحد الأسباب التي تدفعهم على التظاهر. ويتفق التونسيون أن تحررهم من ديكتاتورية زين العابدين بن علي أثمر شيئا واحدا وهو حديثهم بشكل علني وبحرية، ولكن الحرية بلا خبز وعمل لا قيمة لها. وفي التظاهرات التي شهدتها البلاد في الشهر الماضي سارع الإعلام والحكومة لتصوير الشبان الذين دخلوا في تظاهرات مع الشرطة بجماعات النهب والمخربين. ففي حي التضامن الشعبي بتونس نقلت الصحافة العالمية شهادات من سكان الحي اليائس والغاضب على ظروف العمل قولهم «يريدون دائما تصوير المحتجين كمثيري المشاكل، ولا يريدون أبدا القول إنهم يحتجون على ظروف المعيشة». وجاءت الاتهامات لممارسة بعض المتظاهرين أعمال عنف ونهب وتهديد آخرين بإغلاق أنابيب النفط.
الخيبة
وتؤكد شهادات المتظاهرين الجدد أن العقد الماضي من الحرية والانتخابات الحرة والنزيهة كان مخيبا للآمال على الصعيد الاقتصادي. ففي العام الماضي تقلص الاقتصاد التونسي ما بين 7-9 في المئة، ذلك أن كوفيد-19 أدى لإغلاق عام وشل حركة السياحة التي تشكل نسبة 10 في المئة من الناتج المحلي العام ويعمل فيها نصف مليون تونسي. وتظل نسبة البطالة في أعلى حالاتها وتصل إلى 16 في المئة بشكل عام ونسبة 36 في المئة بين الشباب. وفقد الدينار التونسي نسبة 47 في المئة من قيمته أمام الدولار. ومنذ الثورة مر على تونس تسع وزراء كانوا عاجزين عن تشغيل عجلة الاقتصاد بفعل الفوضى التي تتسم بها الديمقراطية الهشة في تونس. فالتنافس المستمر بين الإسلاميين والعلمانيين والحالمين بعودة النظام السابق يعرقل عمل أي شيء. وما يهم في الوضع الحالي هو أن الرأي العام بات مهما أكثر من أي وقت مضى. ففي 2018 أدت زيادة الضريبة لأسبوع من التظاهرات. وتقع تونس الصغيرة من ناحية المساحة بين الجزائر وليبيا التي تعيش حربا أهلية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 ولكن حكومة تونس لا تملك المال الكافي للإنفاق على التطوير والرفاه الاجتماعي. وزادت نسبة الدين العام من 43 في المئة من الناتج المحلي العام في 2011 إلى 89 في المئة في المئة هذا العام. ومن أجل معالجة العجز في الميزانية فقد تضطر تونس للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي مما يعني إجراءات تقشف مؤلمة، وحصلت تونس في نيسان/إبريل 2020 على قرض من صندوق النقد الدولي بـ 745 مليون دولار لمعالجة وباء فيروس كورونا لكن المال هذا قد نفد. ولا يجد الشباب في تونس مفرا من البحث عن مكان أفضل للعيش، ويحاول بعضهم المخاطرة بحياته والهجرة إلى أوروبا. وفي العام الماضي اجتاز 12.776 تونسي البحر المتوسط باتجاه الدول الأوروبية وهو رقم أعلى من 3.900 تونسي في 2019. ويشكل التونسيون أكبر نسبة من المهاجرين نحو القارة العجوز، أي نسبة 20 في المئة من الذين يحاولون مواجهة امواج البحر المتوسط. فهم وإن شعروا بالإعتزاز لما حققته بلادهم من تقدم سياسي وحريات إلا أن الفخر لا يكفي لإقناعهم البقاء في بلدهم.
فشل النخبة
وأزمة تونس التي ظلت صورة النجاح للربيع العربي نابعة من عدة عوامل محلية وخارجية، فقد أدى فشل النخبة السياسية ما بعد الثورة إلى حركة احتجاج عبرت عن نفسها من خلال صناديق الاقتراع، وكان فوز سعيد في 2019 الخارج عن النخبة السياسية نتاجا لحركة الاحتجاج هذه، وجاء برزمة من الإفكار لقصر الرئاسة حول الدستور والديمقراطية وتخلى كما يرى نقاده ومن دعموه عن شعاراته الانتخابية ويخوض اليوم معركة مع رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس والبرلمان راشد الغنوشي. وكتب الغنوشي، مقالا في مجلة «يو أس إي توداي» (20/2/2021) حذر فيه من النزعات الرجعية التي تحن للماضي الديكتاتوري ولحكم الرجل الواحد بدلا من التعددية والتفاهم للنظام الديمقراطي. مشيرا إلى أن أسباب هذه متعددة، منها صعود الشعبوية، حيث يميل الشعبويون إلى الازدهار في أوقات الأزمات الاقتصادية والاضطراب الاجتماعي. وتقوم سردياتهم الخطيرة على صراع قائم بين مجموعة متجانسة فاضلة من الناس ضد «آخر» مذموم – سواء كان ذلك من النخب أو الأقليات أو أي وجهة نظر بديلة. وفي تونس، كما يقول، يتخذ ذلك شكل مهاجمة المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية، وتعطيل عملهم، وتغذية الفكرة القائلة بأنه يمكن معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة والمتجذرة من خلال العودة إلى حكم الرجل القوي «الأكثر كفاءة» أو تنصيب «ديكتاتور جيد». وقال إن أي ثورة تتبعها حركات وخطابات معادية للثورة تسعى إلى إعاقة وإلغاء أي تقدم يتم إحرازه والحفاظ على امتيازات تلك الحركات ومصالحها. مشيرا إلى أن الديمقراطية التونسية لا تزال في طور التكوين. واعترف أن الشعب التونسي يشعر بالإحباط من التقدم البطيء للإصلاح الاقتصادي منذ عام 2011 ولم ير بعد الوظائف ومستويات المعيشة الأفضل التي يتوقعها ويحق له أن يتوقعها. وقال إن التقدم لم يواكب توقعات الناس، فقد ألهمت الثورة توقعات ضخمة بين التونسيين مع القليل من الوعي بمدى تعقيد التغيير. فكما أظهرت تجربة أوروبا الشرقية الخارجة من الستار الحديدي، فالتغيير يستغرق عدة عقود حتى تجني الدول الثمار من الإصلاحات الصعبة.وأكد الغنوشي أن تونس أنشأت في العقد الماضي مؤسسات ديمقراطية جديدة وحلت النخبة نزاعاتها سلميا وتم ترسيخ ثقافة الإدماج السياسي وحماية حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وسيادة القانون، ووضعت معايير جديدة لمساءلة الدولة وشفافيتها. ويرى الغنوشي أن ما حققته تونس على هذا الصعيد غير مسبوق ومن بين أسرع التحولات الديمقراطية في التاريخ. وأشار رئيس البرلمان لحزمة المشاكل الاقتصادية والخيبة وارتفاع نسب البطالة والتهديد للشركات الصغيرة. ويعتقد أن الاقتصاد التونسي يحتاج بعد عقود من الدكتاتورية وعدم المساواة والفساد إلى إصلاحات جذرية. ويرى أن الحكومة المستقرة التي تحظى بدعم أكبر عدد ممكن من الأحزاب السياسية والشركاء الاجتماعيين لديها أفضل فرصة لسن إصلاحات تنتظر ولكنها ضرورية. ودعا إلى التفاهم والحوار بين الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وقادة الأعمال والمجتمع المدني حول رؤية اقتصادية مشتركة للبلاد، وهي القيم التي أكسبت تونس جائزة نوبل للسلام في عام 2015. ولا بد من اتفاق حول إصلاح النظام الانتخابي لتمكين ظهور الأغلبية التي يمكن أن توفر حكومة مستقرة وخاضعة للمساءلة أمام الشعب. ولا تستطيع تونس أن تفعل ذلك بمفردها فهي بحاجة إلى دعم من شركائها الدوليين الذين يؤمنون بالديمقراطية.
إصلاح الأمن
وفي هذا السياق نشر موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية مقالا لياسمينة أبو الزهور قالت فيه إن التظاهرات والاحتجاجات والتي كانت جزءا من مرحلة ما بعد الثورة أصبحت أمرا دوريا وأكثر خطورة من ناحية التوقيت والأسباب. فهي نتاج لتداعيات كوفيد-19 الذي أضعف الاقتصاد والإقتتال السياسي. وتقول إن الاتحاد الأوروبي ليس لديه ما يقدمه لتونس على المدى القصير لكن لديه نفوذ للمساعدة في إصلاح النظام الأمني الذي بات يقمع المحتجين. وأشارت إلى الخلافات السياسية ودعوة الغنوشي لإصلاح النظام الانتخابي بطريقة تحسن من عمل الحكومة والبرلمان. وفي الوقت نفسه خاض المشيشي، رئيس الوزراء الذي كان قراره إغلاق البلاد لمدة أربعة أيام بحجة مواجهة كوفيد-19 سببا في التظاهرات، صراعا مع سعيد الذي رفض تعديلا حكوميا اقترحه المشيشي واتهم خمسة وزراء مقترحين بالفساد وتضارب المصلحة ورفض أن يؤدوا القسم أمامه. ويضاف إلى هذه الحزمة من الخلافات دور الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اصطف مع الرئيس سعيد ويعارض المشيشي الذي تعهد ببيع الشركات المملوكة من الدولة. وفي ضوء هذا تحمل التظاهرات مخاطر من عودة الحلول الأمنية. فقد اعتقل الأمن في التظاهرات الأخيرة 1.400 شخص نسبة 30 في المئة منهم من القاصرين وهناك حادثة قتل. بالإضافة لعدد من الصحافيين مما زاد المخاوف بشأن حرية التعبير والرقابة. وعلى المدى القصير قد يغذي القمع الاحتجاج والذي سيولد بدوره قمعا جديدا، مما يثير المخاوف من الإنزلاق نحو قمع طويل الأمد. وعلى الحكومة الحد من سلطة القوى الأمنية ومعالجة حوادث العنف التي ارتكبتها الشرطة. ويجب على القادة السياسيين وخاصة رئيس الوزراء التأكيد على أن استخدام العنف غير مسموح به. ويجب الالتزام بالحيادية ومتابعة التحقيق في الانتهاكات. وعلى الحكومة إصدار أمر للشرطة كي تتوقف عن استخدام الغاز المسيل للدموع. وضمن هذا السياق يمكن للاتحاد الأوروبي الذي يعد من أكبر الممولين والداعمين السياسيين لعملية التحول التونسية المساعدة في حل المشكلة الأمنية. في النهاية تونس التي أشعلت الثورة مثل النار في الهشيم وأسهمت في الإطاحة بأربع رؤساء عرب ما بين 2011-2019 تغيرت كثيرا وما لم يتغير كما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (19/1/2021) هي الشعارات والتظاهرات والاعتصامات والاتهامات المتبادلة بين الساسة ونقد سوء الإدارة والفساد الذي يتم الحديث عنه عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن كل هذا لم يؤد إلى إصلاح الاقتصاد أو توفير «العدالة والكرامة» التي هتف بها الثوريون مرة. وتساءل البعض عن سبب عدم التقدم في شؤون الحياة أنهم ربما فهموا الديمقراطية بشكل خاطئ ولهذا لم يحدث تقدم خلال السنوات العشر الماضية. ولكن ألم تتعلم النخبة أن تحل مشاكلها، والخوف أن تتحول تونس إلى ديمقراطية مشلولة يمكن للناس أن يتحدثوا كما يشاءون ولكن الحياة تظل على ما هي، ويظل دعاة الحنين للديكتاتور السابق يتلاعبون في عقول الناس. كانت الثورة التونسية هي التجربة الوحيدة التي صمدت أمام الثورات المضادة والتهديدات الجهادية ولم تتأثر بجارتها الليبية التي أصبحت مرتعا للتنافسات الدولية. ويظل الأمل قائما، إلا إذا تغولت السلطة الأمنية باسم الحفاظ على الاستقرار ومنع تكرار الدرس الليبي واليمني والسوري.

اقرأ أيضا:  نابل / إحباط عمليّتَيْ إجتياز الحدود البحريّة خلسة وإيقاف 21 شخصًا من بينهم فتاة

تابعوا Tunisactus على Google News