- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

تونس: لا أحد يريد أن يوقع صكا على بياض في مهب الأزمات | حكيم مرزوقي

غالبا ما يحتار المعنيون بالشأن التونسي من مراقبين ومحللين، في قراءة وتوصيف مجتمع ما بعد الرابع عشر من يناير 2011، إن كان يتميز بالصبر والتحمل لنخبه السياسية الجديدة، ذات الأيادي المرتعشة أم هو شديد النزق والتسرع في الحكم عمن أولاهم ثقته عبر آليات ديمقراطية مازالت هشة وغير مكتملة النضوج.

الحقيقة التي تطل برأسها عند كل حراك سياسي واجتماعي في هذا البلد هو أن الشعب التونسي، وبعد تجارب مريرة مع من كان يظنهم بالأمس القريب “يخافون الله”، لن يوقّع صكّا على بياض لأي كان.. حتى وإن كان هذا الشخص قد جاء ليخلّص التونسيين من أولئك الذين خدعوهم باسم خشية الله.

نظرة خاطفة تسترجع، وبالحركة السريعة، والبطيئة أحيانا، شريطا من الأحداث لنحكم إن كانت الجماهير التي خرجت يوم الخامس والعشرين من يوليو الماضي تطالب بإسقاط الحكومة والبرلمان، تتصف بالصبر أم بالتسرع.. من يدري.. ربما تجمع النقيضين معا.

عشر سنوات من التخبط والرؤية الضبابية لواقع اقتصادي واجتماعي مرير، على خلفية ظروف أمنية مضطربة وفي ظل 8 حكومات سيطرت عليها حركة النهضة، تأتمر بأمرها أو تشل حركتها على الأقل، ها هو قيس سعيّد، الرئيس الخامس للبلاد خلال مدة لا تتجاوز 10 سنوات، يحسم أمر هذا المشهد القاتم، يجمّد البرلمان، يحل الحكومة، ويعيّن رئيسة وزراء بعيدا عن الأحزاب التي أدار إليها ظهره في انتظار ما سيؤول إليه أمر البرلمان من انتخابات تشريعية مبكرة واستفتاء على الدستور.. وماذا بعد؟

الشعب التونسي، وإن كان في غالبيته، قد رحّب بهذه الإجراءات التي لم يعارضها إلا خصوم سعيّد من حركة النهضة وحلفائها، فإنّ الأمور لا تُسيّر على هذا النحو من التبسيط والتجاهل لما ينبغي أن تكون عليه دولة وضعت قدمها في ركاب الديمقراطية الوليدة، وقطعت مع الحكم الفردي مرة واحدة، وإلى الأبد.. ثم أن العصافير التي غادرت أقفاصها لن تعود إليها ثانية.

يعلم الرئيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري، قبل غيره، أن دولة المؤسسات التي ينشدها هو وباقي مناصريه ومعاضديه من فصائل المجتمع المدني ذي الحضور الفاعل القوي في تونس أكثر من أي دولة عربية أخرى، لا يمكن لدولة القانون هذه، أن تقوم بالتعسف على القانون مهما كانت النوايا حسنة.

الحارس الذي لا يغمض له جفن عن كل هذه المستجدات، ويتابعها بمنطق المؤتمن والمسؤول الذي يمتلك المشروعية التاريخية هو الاتحاد العام التونسي للشغل، أقوى المنظمات النقابية في تونس، والراعي الضامن لأي حوار وطني من شأنه أن ينقذ البلاد من أي منزلق خطير.

ويعلم الرئيس التونسي أيضا، أنه لا يمكن إقصاء اتحاد الشغل من مسار ما بعد الخامس والعشرين من يوليو بل لا حوار أصلا، ولا استقرار، من دون هذه المنظمة التي تتمتع بثقة الجميع، وذلك ليس على سبيل المباركة المتأتية من منطق الوصاية، فالاتحاد ليس أشبه بـ”البطريرك الماروني الذي ينبغي أن يكون على مسافة واحدة من جميع مسيحيي لبنان”، وإنما لنزاهة اكتسبها من تاريخه النضالي في سبيل الدولة الوطنية.

وإن ساند اتحاد الشغل الرئيس سعيد في “حركته التصحيحية” (كما تحب أن تسميها فئة العروبيين من أنصاره في التيار الشعبي)، فإنه “لن يقدم صكا على بياض لأي كان، وأن لا أحد يمكنه أن يرسم مستقبل البلاد من دون مشاركة المنظمة النقابية”، مشددا على أنه “لا عودة للحكم الفردي” كما جاء على لسان أمينه العام نورالدين الطبوبي، في تأكيد بأنّ مساندة سعيد في حملته التطهيرية التي تستهدف رموز الفساد، لا تعني أن يبصم له على كل شيء، خصوصا وأن التململ قد بدأ يظهر واضحا كما ورد أخيرا في تصريح الأمين العام المساعد في اتحاد الشغل سامي الطاهري، الذي قال إن “فترة الصمت والانتظار قد طالت أكثر مما يجب”.

الانتظار هنا يعني المطالبة بالتعجل، وليس الاستعجال، في إيجاد حلول ومقاربات تخص المجلس النيابي، وعلى أساس دستوري لا تشوبه شائبة، كما أن السرعة لا تعني التسرع، والبطء لا يعني التباطؤ.. إلى آخر ما هنالك من انزياحات وانشغالات لغوية مفتون بها الرئيس سعيّد في خطاباته وقد عرضته لانتقادات من طرف خصومه السياسيين، وكذلك للكثير من التنمر على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا أحد يجرأ على الطعن في مصداقية الرجل ونظافة يده وضميره.. ولعل بسبب ذلك، حاولت حركة النهضة التركيز على النقطة الدستورية دون غيرها فيرد عليهم أستاذ الدستور بأنه يمشي دائما في كنف الدستور ولكن بسؤدد وتأنّ.. وهذا هو “مربط الفرس” كما يقول المثل الشائع.

المشكلة أن مساندي سعيّد باتوا يخشون عليه من صدقيته ونزوعه نحو ضرورة التأني دون أن يفقد الحزم، وذلك حتى لا يترك الفرصة لأعدائه السياسيين فيؤلبون عليه الدول الغربية متذرعين بأنه يستحوذ على كل السلطات ويجمد العمل البرلماني.

وفي هذا الصدد، دوّن الطاهري الناطق باسم الاتحاد “لا لعودة المجلس النيابي المجمد الذي عانى منه التونسيون الأمرين. يلزم خطوة إلى الأمام الآن واليوم. وأي تأخير هو فرصة للمستنصرين في الخارج”.

ومع ذلك، فإن ما يحسب لسعيّد، كونه أقدم على كل هذه الإجراءات في ظروف اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة، ولم يكن من صنف السياسيين الذين يختارون اللعب مع اتجاه الريح وفي ظروف طبيعية مثالية.

الأزمة المعيشية التي يعاني منها المواطن التونسي قد تجعل صبره ينفد مهما آمن بجدوى إجراءات الرئيس سعيّد؛ عرف أن البلاد تعيش أزمة اقتصادية خانقة تجعل حكومة نجلاء بودن بين مطرقة المطالب الشعبية وسندان صندوق النقد والدول المانحة، وهي التي يتربص بها الإسلاميون وحلفاؤهم ويتصيدون لها الأخطاء.

وفي هذا الصدد، قال الأمين العام المساعد للاتحاد سمير الشفي إن الوضع الاجتماعي في تونس صعبٌ جدا وينذر بانفجارات اجتماعية، معتبرا أن التنكّر للوضع الاجتماعي بتعلة صعوبة الوضع الاقتصادي مقاربة فاشلة ولا يمكن أن تؤدي إلّا إلى المزيد من الأزمات الاجتماعية.

ليس لأزمات تونس التي يحاول الإسلاميون استثمارها في الداخل والخارج، غير طاولة الحوار بين الاتحاد والحكومة، وقد بدأت فعلا، وأول الغيث قطرة.

#تونس #لا #أحد #يريد #أن #يوقع #صكا #على #بياض #في #مهب #الأزمات #حكيم #مرزوقي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد