- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

جريدة المغرب | بين ما يريد وما يستطيع: قيس سعيد وإشكالية اليوم الموالي

شارفت تونس على انقضاء الأسبوع الثالث من «الحالة الاستثنائية» التي دخلت فيها يوم 25 جويلية الماضي عندما أعلن رئيس الجمهورية عن تفعليه للفصل 80 من الدستور وفق قراءته المتوسعة جدّا له.

بعد إجراءات اليوم الأول (تجميد البرلمان وإقالة هشام المشيشي وتجميع كل السلط في يد رئيس الدولة ) وما صاحبها من فرح شعبي واضح، ظلت البلاد تنتظر إجراءات اليوم الموالي والتي اصطلح على تسميتها بـ«خارطة الطريق» وبدأنا نتأرجح بين التفاؤل والخوف من المجهول مع منسوب حذر متفاوت بحسب موقع وطموح وآمال كل جهة من الجهات.
لعل أهم قرار حصل خلال هذه الأسابيع القليلة،إعلان رئيس الدولة عن أيام التلقيح المكثف، وعملية 8 أوت كانت ناجحة بكل المقاييس تمكنت فيها البلاد من تلقيح حوالي %4.5 من مجموع سكانها في يوم واحد..وهذا النجاح الباهر سيتبع ولاشك بنجاح آخر في اليوم الثاني (15 أوت) والذي سيخصص لتلقيح الشباب وصغار الكهول.
لاشك أن قيس سعيد يريد أن يبني على هذه النجاحات وأن يثبت لخصومه قبل أتباعه ومريديه أنه قادر على إنجاز ما فشلت فيه «المنظومة السابقة» ولكن هل يكفي هذا المنجز للدلالة على الوجهة التي ستسير فيها البلاد غدا؟
المعلوم أن الحكم القوي والموحّد والذي يحظى بثقة واسعة من الشعب قادر على إنجاز العمليات الشعبوية الكبيرة ذات الهدف المحدد زمانا ومكانا كأيام التلقيح المكثف وهو قادر كذلك على إخراج أجهزة الدولة من وضعية شبه العطالة السابقة إلى نجاعة أكبر وفاعلية أعظم بما ينعكس إيجابا على المسيرة التنموية لكل البلاد ..
ولكن السؤال المحوري اليوم في تونس يتعلق بالوجهة القادمة للبلاد أي بوضوح هل نحن سائرون في اتجاه حكم قوي ضمن الإطار الديمقراطي أم حكم قوي لا يحده حدّ ولا يعتبر البناء الديمقراطي من أولوياته الأساسية.
أيّا كان رأينا في تأويل رئيس الدولة للفصل 80 فقد خرجت تونس جزئيا من مظلة دستور 2014 وهذا الأمر الواقع لم يعد يجادل فيه أحد ولكن ما هي خطة الرئيس لليوم الموالي ؟ وهل سنخرج نهائيا من دستور 2014 أم لا ؟ وإذا خرجنا فلأي أفق آخر ولأي طبيعة حكم جديدة سيدعونا قيس سعيد ؟
مشروع الرئيس واضح في ذهنه بالقوة،فهو ليس ضدّ منظومة الحكم السابقة لأنها متكونة من تحالف النهضة مع قلب تونس وائتلاف الكرامة ،بل هو ضدّ منظومة كل حكم تمثيلي مركزي تلعب فيه الأحزاب دورا أساسيا والفساد عنده هو هذا النظام بالأساس لا الفاعلين السياسيين الذين يؤثثونه..وبالنسبة إليه «تصحيح الثورة» يقتضي القطع مع هذه الحكومة وكل أشكالها التمثيلية (مجلس نواب الشعب مثالا) والمنظومة الحزبية بغض النظر عن مكوناتها الحالية إذ أن إرجاع الحكم للشعب يقتضي عنده الانطلاق من المحليات والاقتراع على الأفراد لا على القائمات مع إمكانية سحب الوكالة ثم المزج بين الانتخاب المباشرة والاختيار بالقرعة حتى يُقضى نهائيا على كل شروط إمكان امتهان السياسة واحترافها ويقضي بالتالي على ما يسمى بالطبقة السياسية التي تستغل تفويض الشعب يوم الانتخابات لتحتكر السلطة وتوظفها لخدمة مصالحها المخصوصة.
كل هذا كان واضحا لدى قيس سعيد قبل اعتلائه سدّة الحكم ثم أضاف اليه بعد أن أصبح رئيسا للدولة دورا محوريا وأساسيا لرئيس الدولة باعتباره صاحب الشرعية والمشروعية الوحيد على مستوى وطني مقابل مجلس نيابي له شيء من الشرعية ولكنه فاقد لكل مشروعية حسب رأيه ..
لو كانت الطريق -اليوم- سالكة أمام قيس سعيد لاختار صياغة دستور جديد وفق هذه الهيكلية للحكم ولعرضه على استفتاء شعبي في أقرب وقت ممكن ولعمد إلى الحكم ابعد ذلك بمقتضى هذا النظام السياسي الجديد .
ولكن هل أن هذا ما يريده كل من خرج يوم 25 جويلية لمباركة القرارات الرئاسية؟
ثم هل بإمكان هذا التصور للحكم أن يضمن فعلا الحقوق والحريات ومن بينها حق التنظم وحق النقد وحتى الانتقاد والتداول الفعلي على السلطة وحق المداولة الفكرية والسياسية في برلمان منتخب ؟
ألا يُخشى من كل هذه الآليات «الجديدة» من استفتاء وتصعيد للممثلين من القاعدة بالانتخاب أو بالقرعة ورئيس واسع الصلاحيات ومحتكر بصفة أساسية للشرعية والمشروعية أن يؤدي بنا كل هذا إلى حكم «الزعيم» الفرد «الفذ» حتى لو احتوى الدستور الجديد على ضمانات شكلية للحرية وللتعددية ؟
ثم هل فوض «الشعب» يوم 25 جويلية قيس سعيد للذهاب قدما في مشروع حلم به هو ومجموعة من رفاقه أم انه أراد فقط أن يتخلص من منظومة فاشلة فاسدة ؟
لاريب أن الرئيس وحلقته المصغّرة سياسيا وعائليا يدركون بوضوح ان تطبيق هذا «الحلم» لن يتحقق إلا في هذه اللحظة بالذات التي تتميز بزخم شعبي سيخفت غدا ولاشك وبضعف تاريخي لكامل المنظومة الحزبية وبارتباك واضح لجل مكونات المجتمع المدني والمنظمات النقابية الكبرى ..وأن كل تأخير في إنجاز هذا «الحلم» سيجعل منه سرابا لا يحسبه ماء إلا الأتباع الخلّص ..
ولكن يدرك الرئيس كذلك أن محاولة المرور بقوة واستثمار اللحظة قد يئدان مشروعه الى الأبد وسيجعلانه غدا في مواجهة مباشرة مع من هلل ويهلل له اليوم..
أي تكتيك وأية إستراتيجية لليوم الموالي؟
تلك هي المعضلة الكبرى لقيس سعيد اليوم ..
كل ما نأمله أن يحسن الرئيس القراءة والاختيار.

#جريدة #المغرب #بين #ما #يريد #وما #يستطيع #قيس #سعيد #وإشكالية #اليوم #الموالي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد