- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

جريدة المغرب | قهوة الأحد: المشروع الإبداعي وخصوصية التجربة السياسية التونسية (الجزء الثاني)

• دولة الاستقلال وبناء المشروع الإبداعي
شكل بناء الدولة الوطنية إثر الاستقلال نقطة تحول كبرى في العلاقة بين المشروع السياسي والمشروع الإبداعي والذي أصبح منذ بداية الستينات أحد الركائز الأساسية ودعامة للدولة الوطنية ومشروعها التحديثي.
وقد اشترك المشروع الفني والإبداعي في جانبين مهمين لتجربتنا السياسية .يهم الجانب الأول الأفق السياسي والفلسفي حيث انخرط المبدعون والفنانون في المشروع التحديثي للدولة ومحاربة القديم والتقاليد البالية وفتح بلادنا على العصر.أما الجانب الثاني فيهم الخصوصية وانفراد التجربة التونسية التي دافع عنها المشروع السياسي والتي واصل الفنانون والمبدعون تدعيمها في أعمالهم وآثارهم الإبداعية في كل المحالات .

وقد تواصل دعم المبدعين والفنانين لتجربتنا السياسية ليصبحوا رافدا أساسيا للمشروع السياسي الوطني طوال سنوات ما بعد الاستقلال .وقد عرفت هذه الفترة تطورا كبيرا للفن وللإبداع بعد الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها الدولة لتطوير ودعم البنية التحتية في هذا المجال .فقد قامت الدولة ببرنامج ضخم لبناء دور الشعب والثقافة في كل المدن والقرى التي احتضنت النشاطات الفنية والثقافية في مختلف أنحاء البلاد .كما قامت الدولة بانشاء مؤسسات عمومية للنهوض بالنشاط الثقافي في مختلف المجالات مثل الدار التونسية للنشر والشركة التونسية للتوزيع.كما ظهرت الساتباك التي ستشكل النواة الأولى للصناعة السينمائية في بلادنا.
كما ستظهر الجمعيات التي ستهتم بالشأن الثقافي مثل جمعية السينمائيين التونسيين والجامعة التونسية لنوادي لسينما والجامعة لتونسية للسينمائيين الهواة في الميدان السينمائي كما كان الشأن في الميدان المسرحي مع ظهور جامعة مسرح الهواة .

كما عملت الدولة الوطنية على خلق عديد المهرجانات الكبرى ومن ضمنها مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات وأيام قرطاج السينمائية ومهرجان قليبية للسينما الهاوية ومهرجان مسرح الهواة بقربة وعديد المهرجانات الأخرى الجهوية والمحلية .وقد ساهمت هذه المؤسسات والهياكل في خلق ديناميكية ثقافية كبيرة في كل مجالات الإبداع والفن .

في ميدان الرواية والسرد القصصي برز العديد من الروائيين والمبدعين الذي وضعوا اللبنات الأولى للقصة التونسية .ولعل من أهمهم محمود المسعدي وروايته ذات المنحى الفلسفي مثل «حدث أبو هريرة قال « والتي صدرت سنة 1973 ورواية «السد» والبشير خريف الذي سيواصل التقاليد السردية التي فتحها علي الدوعاجي من خلال روايته «الدقلة في عراجينها» والتي صدرت سنة 1969 ومحمد العروسي المطوي ورواية «التوت المر» والتي صدرت سنة 1967 ومحمد صالح الجابري ورواية «ليلة السنوات العشر» والتي تم اختيارها من بين أفضل مائة رواية عربية والتي بدأت في نقد الدولة الوطنية وبداية الاستبداد وتراجعها عن الأحلام التي رفعتها في فترة الحركة الوطنية .

كما عرفت الساحة التشكيلية ظهور «مدرسة تونس» (école de Tunis) في نهاية الخمسينات والتي وضعت من أهم أهدافها تغيير التعبيرة الجمالية والابتعاد عن الرسم التقليدي وإنشاء مدرسة فنية تونسية .وقد تكونت هذه المدرسة من عديد الرسامين الذي كانت لهم شهرة كبيرة ومن ضمنهم القرجي وعمار فرحات والأخوين الهادي وزبير التركي وجلال بن عبد الله وعلي بلاغة .

وقد لعب هؤلاء الفنانون دورا كبيرا في نمو الحركة التشكيلية وفي بروز مدرسة فنية تونسية من خلال أعمالهم كذلك من خلال إشرافهم على أهم المؤسسات التعليمية في ميدان الفنون الجميلة ومنها المعهد العالي للفنون الجميلة .وقد تركزت أعمالهم على المناظر الطبيعية وعلى مناظر الحياة اليومية وعلى صور الشخصيات .وقد تركوا المجال واسعا لحميميتهم وأحاسيسهم في أعمالهم التي لم تكن نقلا ونسخا للواقع .

وقد ساهم التمويل العمومي للدولة الوطنية بطريقة كبيرة في تطور مدرسة تونس من خلال فرض نسبة %1 من تكاليف بناء أي مدرسة عمومية للتزويق والرسامين .وهذا ما يفسر وجود لوحات هامة وجداريات على كل المباني العمومية التي تم بناؤها في الستينات والسبعينات .كما ساهمت سياسة شراءات الدولة في تطور مدرسة تونس ورساميها وهيمنتهم على الساحة التشكيلية .إلا أن هذه الهيمنة المطلقة أثارت الكثير من النقد من قبل الأجيال الجديدة من الفنانين وزرعت بذور الثورة في ميدان الفنون التشكيلية في نهاية الستينات .

كما عرف ميدان الإنتاج السينمائي انطلاقة هامة مع عودة عديد المخرجين إلى تونس اثر تلقيهم لتكوين في أهم معاهد التكوين السينمائي في العالم .ولئن غلبت الأفلام التي تؤرخ للحركة الوطنية والنضال ضد الاستعمار فقد ظهرت في نفس الوقت بعض الأفلام والتجارب السينمائية الأخرى التي قدمت كتابة سينمائية مختلفة تغوص في عالم الذاتية والتجارب الحميمية.
ومن بين هذه الأعمال السينمائية نجد : الفجر (1966) والمتمرد (1968) وصراخ (1972) للمخرج عمار الخليفي ومختار(1968) للصادق بن عائشة وخليفة الأقرع (1969) لحمودة بن حليمة وتحت المطر الخريف (1969) لأحمد الخشين ويسرا (1971) لرشيد فرشيو وبعض التجارب الأخرى .

وقد صاحب هذه الحركة الفنية والإبداعية ظهور بعض المجالات الفكرية والإبداعية كمجلة «الفكر» ومجلة «قصص» ظهور الملاحق الثقافية والفنية للعديد من الجرائد اليومية والتي ساهمت في نشر القصة والشعر والتعريف بالتجارب والأنشطة الفنية الأخرى.

تشير هذه الملاحظات إلى الدور الأساسي الذي لعبه المبدعون والفنانون في دعم المشروع السياسي للدولة الوطنية وتثبيته على المستوى الشعبي .وقد ساهمت الإجراءات والقوانين والبنية التحتية التي قامت بإرسائها دولة الاستقلال في تطوير المشروع الإبداعي وخلق ديناميكية فنية وإبداعية إلا أن هذه العلاقة بين المشروع السياسي للدولة الوطنية والمشروع الإبداعي

شهدت الكثير من الفتور والذي انقلب إلى ثورة ثقافية على السائد وعلى نزعة الهيمنة وتراجع الحريات في نهاية الستينات.

فقد عرفت الدولة الوطنية ومشروعها السياسي تنامي محاولات الهيمنة وتراجعا كبيرا في الحريات والديمقراطية التي عرفتها بلادنا اثر الاستقلال .كما شهدت بلادنا بداية صعود سيطرة الحزب الواحد ومحاولات القضاء على استقلالية المنظمات الاجتماعية والنقابية والثقافية .
ولم يقف هذا التوجه على المجال السياسي بل امتد كذلك الى المجال الثقافي والإبداعي في محاولة يائسة لخفت الأصوات المعارضة وحركية الإبداع .
إلا إن هذه المحاولات سترتطم بروح الرفض من قبل المبدعين والفنانين ليدخل منذ تلك اللحظة المشروع الإبداعي والفني في ثورة ضد السائد ومحاولة حماية حرية الخلق والابداع ضد التسلط الدولة .ومع اختلاف مشاريعها وأدواتها دخلت الساحة الفنية في ثورة متواصلة ضد كل أشكال الهيمنة والتسلط من اجل مواصلة حرية التعبير والخلق والإبداع .

• حركة الطليعة وتمرد المبدعين ضد الاستبداد والتسلط
شكلت نهاية الستينات نقطة انطلاق لتجربة التمرد عند الفنانين والمبدعين وبداية ثورة المشروع الإبداعي ضد انحرافات المشروع السياسي الوطني على مشروعه الحداثي ليقتصر على الجانب التحديثي.وستلتحق الساحة الإبداعية بالمعارضة في الساحة السياسية من اجل تحقيق الجانب المعتم عليه من الحداثة أي الحرية والديمقراطية .
وشمل التمرد وثورة المبدعين والذين التحقوا بثورات الشباب في نهاية الستينات ثلاثة جوانب أساسية.الجانب الأول يهم محتوى الإبداعات والتصورات الفنية حيث سعى الفنانون إلى نقد الجانب التقليدي وهيمنة العلاقات الاجتماعية الأبوية في بلادنا والدفاع على ضرورة التحرر الاجتماعي وبناء ثقافة تنهل من آمال الشعب وأحلامه في الانعتاق والابتعاد عن هيمنة الآخر.وجاء شعار الثقافة الوطنية ليختزل هذا التمرد على مستوى المحتوى .
أما الجانب الثاني لهذه الثورة الفنية فيهم أشكال التعبير والكتابة حيث سعى فنانونا ومبدعونا الى الخروج من الأشكال التقليدية والأنماط البالية وبناء أشكال جديدة للكتابة في كل المجالات الفنية .هذه الثورة على الكتابة التقليدية لم تقتصر على بلادنا بل عرفتها كل البلدان في العالم ليصبح التمرد على القديم لغة العصر على المستوى الفني .
أما الجانب الثالث لهذا التمرد فهو سياسي يهم حرية الإبداع واستقلالية الفنان والجمعيات الثقافية عن السلطة السياسية .وقد خاض الفنانون والمبدعون معارك قاسية ضد تسلط الدولة وهياكلها ومؤسساتها الثقافية من اجل الدفاع على حريتهم .
كما عرفت بلادنا منذ نهاية الستينات تمردا وثورة ثقافية صاحبت المعارك السياسية التي بدا الشباب وأحزاب المعارضة في خوضها ضد بدايات الاستبداد والتسلط وتراجع الحريات خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 1962 ودخول بلادنا في نفق مظلم . وقد عملت الثورة على الدفاع عن ثقافة راقية تقطع مع الأنماط والعلاقات الاجتماعية السائدة وأشكال التعبير التقليدية وتدافع على حرية الإبداع .وقد اختزل شعار الثقافة الوطنية والديمقراطية الذي رفعه بعض الفنانين والمبدعين والجمعيات السينمائية ومنها جامعتا السينمائيين الهواة ونوادي السينما .

• سنقف هنا عند بعض تجليات هذا التمرد في بعض المجالات الثقافية والفنية .
ولعل أولى الثورات وحركات التمرد في المجال الفني هي حركة الطليعة والتي ظهرت في نهاية الستينات.وقد تأثر أبناء هذه المدارس بالاتجاهات الجديدة في الأدب العالمي وبصفة خاصة تجاه الرواية الجدية في فرنسا لآلان روب غرييه (Alain Robbe-Grillet) وناتالي سروت (Nattalie Sarraute) وكلود سيمون (Claude simon) ومسرح العبث لصاموئيل بيكت(Samuel Becket) واوجين يونسكو (Eugene ionescoà.
وقد روج لهذه الأفكار والاتجاهات الجديدة الجامعي محمد فريد غازي العائد حديثا إلى تونس بعد حصوله على الدكتوراه .
ولم يقتصر هذا التأثر بالأفكار الطلائعية على المستوى الأدبي وعلى الاتجاهات الفنية الجديدة بل شمل كذلك الأفكار السياسية اليسارية والماركسية التي شاعت عند الشباب في تلك الأيام.
وشكل النص الذي كتبه عز الدين المدني والذي صدر في مجلة «الفكر» التي كان يديرها محمد مزالي تحت عنوان «الإنسان الصفر» نقطة انطلاق هذه الحركة .وقد اهتم هذا النص بدراسة التحولات السلوكية والاجتماعية واللغوية للتونسيين بعد الاستقلال .وعرف هذا النص هجوما كبيرا من قبل القوى التقليدية والمحافظة والتي شكلت العدو الأساسي لحركة الطليعة إلى درجة أن جمعية المحافظة على القران الكريم رفعت قضية ضد الشاعر والأديب محمد مصمولي بتهمة المس من الأخلاق الحميدة اثر نشره سنة 1972 لإحدى قصائده في مجلة «ثقافة» التي كانت تصدر عن دار الثقافة ابن خلدون .
وقد رد عزالدين المدني بطريقة قوية على نقد الحركات الإسلامية عندما كتب «بعض رجال الذين كانوا في الماضي من الأدباء الأردياء فلجؤوا إلى الفقه البسيط واستخرجوا منه أحكامهم المسلطة وكأنها محاكم التفتيش الكاتولوكية الجاهلة الرهيبة قصد القمع والقتل وهي ليست من أحكام الإسلام ..الدين المتنور ..وكأنهم بأفعالهم أكثر إسلاما وأعمق إيمان..وارسخ اعتقادا منا ..هيهات ثم هيهات «.

وقد كان نصان صدرا سنة 1968 بمثابة البيان التأسيسي لهذه الحركة وهما «الأدب التجريبي» لعز الدين المدني و»أدبنا والمدار المغلق «لمحمد مصمولي .وكانت هذه الثورة الأدبية وراء حركية ثقافية في الصحف اليومية .وقد شملت هذه الثورة عديد المجالات أولها القصة والمسرح مع عز الدين المدني وسمير العيادي .كما دخلت كذلك مجال الشعر من خلال الثورة على الكتابة الشعرية الكلاسيكية وظهور قصيدة غير العمودي والحرّ مع الحبيب الزناد وفضيلة الشابي والطاهر الهمامي ومحمد مصمولي وصالح القرمادي .

كما عرفت الطليعة تطورا كبيرا في ميدان النقد الأدبي مع ظهور عديد المنظرين والمفكرين من ضمنهم عزالدين المدني والبشير بن سلامة وأحمد ممو وحسين الواد ومحمد صالح بن عمر واحمد حاذق العرف والطاهر الهمامي ومحمد مصمولي وغيرهم .
ولئن خفت وهج حركة الطليعة منذ منتصف السبعينات الا انها تركت وراءها تجربة أدبية وفنية تمتد تأثيراتها إلى يومنا هذا .فشعراء تونس وأدباءها اليوم هم أبناء حركة الطليعة من حيث ثورتهم على الاشكال الأدبية القديمة وماولتهم بناء سرديات جديدة ومن حيث ارتباط إبداعاتهم بفطرة نقدية للواقع ورفضها لأشكال التسلط والاستبداد ولم يتوقف هذا التمرد في المجال الفني على الأدب بل سيشمل عديد الفنون الأخرى ومن ضمنها السينما والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى .

وقد عرفت الساحة السينمائية نفس التمرد وروح الثورة مع عودة مجموعة من المخرجين الشباب بعد انتهاء تكوينهم ودراستهم في أهم المعاهد السينمائية الأوربية .وكانت بداية السنوات السبعين حبلى بانتاجات سينمائية تدافع على لغة جديدة تعتمد على النقد السياسي والاجتماعي وكذلك الحميميمة والذاتية .وقد استمدت تأثيرات اللغة السينمائية جذورها وخصوصياتها من تأثيرات المدارس السينمائية الجديدة في العالم ومن ضمنها «الموجة الحديدة» la nouvelle vague» في فرنسا و»الواقعية الجديدة» le néo-réalisme» في ايطاليا .

وكانت هذه الثورة الفنية في الميدان السينمائي وراء ظهور أعمال سينمائية حافظت إلى الآن على بصمتها في تاريخ السينما التونسية ومن ضمنها «حكاية بسيطة كهذه «سنة (1970) و»رسائل من سجنان» لعبد اللطيف بن عمر و»السفراء « (1975) لناصر القطاري وشمس الضباع (1976) لرضا الباهي و»فاطمة 75» لسلمى بكار وغيرها من الأفلام.
ولم تقتصر هذه الثورة في الميدان السينمائي على الإنتاج بل امتدت إلى جمعيات السينما من نوادي السينما والسينمائيين الهواة الذين كانوا وراء تحديد خط ثقافي دافع عنها مشروع بديل وطني للثقافة التقليدية متمسك باستقلالية الساحة الثقافية أمام محاولات الهيمنة للسلطة.

كما عرف المسرح التونسي كذلك نفس الثورة مع عودة الأبناء المدللين اثر دارستهم في الخارج وبداية الانتاجات المسرحية الجديدة .ولعب مجموعة من المخرجين والكتاب دورا أساسيا في هذه الثورة المسرحية من ضمنهم رجاء فرحات والفاضلين الجعايبي والجزيري وجليلة بكار وتوفيق الجبالي ورؤوف بن عمر والمنصف السويسي وسمير العيادي وسيكون رجاء فرحات احد رواد هذه الثورة المسرحية بعد عودته من ايطاليا حيث تولى في بداية العشرينات من عمره إدارة فرقة قفصة حيث انتج مسرحيتين هامتين وهما «جحا والشرق الحائر» و»البرني والعطراء» .

وقد شكلت مسرحية «ثورة الزنج» التي كتبها عز الذين المدني وأخرجها المنصف السويسي والتي افتتحت مهرجان الحمامات سنة 1972 الحدث البارز في هذه الكتابة الدرامية الجديدة .فمن ناحية المحتوى شكل هذا العمل دعوة لمحاكمة التاريخ الرسمي .اما من ناحية الكتابة فقد شكلت خطوة جديدة نحو القطع مع المسرح التقليدي .
وكانت هذه التصورات الجديدة وراء انطلاق تجارب مسرحية جديدة اعطت للمسرح التونسي خصوصيته على الساحة العربية ولعالمية وكان احد رواد المسرح التجريبي في العالم.ومن ضمن هذه التجربة يمكن أن تشير إلى تجربة «المسرح الجديد «الذي أنتج تجارب تأسيسية في بلادنا نذكر منها «العرس» و»غسالة النوادر «التي شكلت ثورة وقطيعة راديكالية في الكتابة المسرحية في بلادنا .وقد تواصلت هذه التجارب المسرحية مع المسرح الوطني وشركة «فاميليا» للإنتاج المسرحي وغيرها من التجارب المسرحية .
كنا سيعرف مجال الفن التشكيلي ثورته منذ منتصف الستينات مع ظهور مجموعة «الستة» وهم مجموعة من ستة فنانين قرروا الدخول في مواجهة مع «مدرسة تونس» والتي أصبحت مع السنين الوجه الرسمي للفن التشكيلي حيث هيمنت على التمويل والمعارض والدعم لم تترك مجالا لفنانين اخرين بالتواجد.وتتكون هذه المجموعة من الرسامين الهمامي التركي ، ونجيب بلخوجة،الصادق قمش،لطفي الارناؤؤط ونجا المهداوي .

وقد اعترضت هذه المجموعة الجديدة على مدرسة تونس في جانبين مهمين . الأول هيمنتها على المؤسسات الرسمية وعملها على تهميش كل الفنانين الآخرين المختلفين معها.أما الجانب الثاني فيهم التوجهات الفنية والخروج من التوجه التوصيفي (péjoratif) الذي ميز أعمال مدرسة تونس والدخول في تجربة جديدة ومغامرة التجريد (l’abstraction) .
وقد ظهرت في تلك الفترة عديد قاعات العرض وساهمت قاعة «ارتسام» في العاصمة بالتعريف بأعمال المجموعة الجديدة .

وقد فتحت هذه المجموعة باب التجارب الفنية خارج مدرسة تونس السائدة في ذلك الوقت وساهمت في بروز وتطور أشكال فنية جديدة في ذلك الوقت وساهمت في بروز وتطور أشكال فنية جديدة كالخoب والحفر والتصوير الفوتوغرافي .كما لعبت هذه المدرسة دورا مهما في ظهور جيل جديد من الفنانين التشكيليين سيكون لهم تاثير كبير في الساحة الفنية ومن ضمنهم رفيق الكامل وقويدر التريكي وعادل مقديش وعلي الزنايدي،وخالد بن سليمان وغيرهم .

كما عرفت الساحة الموسيقية نفس الانتفاضة مع ظهور الأغنية الملتزمة منذ منتصف السبعينات مع فرقة ايمازيغن لكن هذه التجربة التي لم تعمر طويلا وظهرت تجارب فنية أخرى وسيكوكان لها تأثير كبير لا فقط على الساحة الفنية بل كذلك على الساحة الجماهيرية وقد ساهمت زيارات عديدة لأب الأغنية الملتزمة العربية الشيخ امام عيسى ومارسيل خليفة في تطور هذه التجارب الفنية التونسية وازدياد الاهتمام بها على المستوى الشعبي بعد خروجها من الإطار الجامعي ودخولها للمهرجانات الكبرى مثل مهرجان قرطاج والحمامات وغيرها من التظاهرات الرسمية الأخرى .

ومن ضمن الأصوات التي عرفت حضورا كبيرا ولعبت دورا مهما في بروز الفن البديل أو الملتزم نذكر الهادي قلة وحمادي العجيمي والزين الصافي ومن بين الفرق نذكر فرقة البحث للموسيقى بقابس والحمائم البيض وأولاد المناجم وعيون الكلام .

وقد تواصل الارتباط بين الساحة الإبداعية والمشروع السياسي الوطني منذ نهاية الستينات إلى بداية القرن على عديد المستويات.فمن جهة كان الفنانون في الصفوف الأولى في المعارك ضد التسلط والاستبداد وانحراف المشرع السياسي الوطني عن أهدافه . ولكن وفي نفس الوقت فان الثورة على السائد وعلى التقاليد البالية وعلى الثقافة الاستهلاكية القادمة من الخارج ساهمت في تجذير مبادئ الحداثة السياسية ودعم مبادئ الدولة المدنية والتعدد والحرية والديمقراطية والانفتاح على الأخر وبالتالي خصوصيته في المحيط العربي والإسلامي.

وستجعل جملة هذه المبادئ والعلاقة المتينة بين المشروع الإبداعي والتجربة السياسية الفنانين الصفوف الأمامية للثورة التونسية .

• ثورة الربيع العربي والثورات الأخرى
كان الفنانون والمبدعون في الصف الأول للمعارك السياسية والتمرد الذي شق التمرد العام الذي انطلق يوم 17 ديسمبر لينتهي يوم 14 جانفي بسقوط النظام ودخول بلادنا في مسار ثوري وتحول ديمقراطي مملوء بالمخاطر والتحديات .فقد وقع إيقاف مغني الراب الجنرال بضعة أيام قبل 14 جانفي ثم وقع إطلاق سراحه من اجل نقده اللاذع لنظام بن علي في أغنيته الأخيرة .

كما نظم الفانون التونسيون واهم رموز الساحة الإبداعية وقفة احتجاجية يوم 11 جانفي 2011 انتهت بالقمع الذي تعرضت له المظاهرات السلمية .وقد فكت قوات الأمن هذه الوقفة بالكثير من العنجهية والقمع .
وسيواصل الفنانون مساهمتهم في الحراك الثوري للأيام الأولى للثورة وخاصة في تجمعات القصبة 1 والقصبة 2.

ثم سيكون الفنانون في الصفوف الأولى للدفاع على حرية الكلمة والإبداع والديمقراطية مع صعود الحركات الراديكالية للسلام السياسي والسلفية المعادية للفن والإبداع .
فكانت المعركة الأولى اثر هجوم السلفيين على قاعة سينما افريكا في 26 جوان 2011 أثناء عرض فلم» لا ربي لا سيدي «د(ni maitre ni dieu) للمخرجة نادية الفني والذي عالج موضوع الدين والعلمانية في تونس وقد نظمت هذه المجموعات المتطرفة هجوما على القاعة وهددت وروعت المتفرجين الذين كانوا في قاعة العرض .وقد اصدر عديد الفنانين بيانا

نددوا فيه بهذه الاعتداءات وطالبوا برفع الأيدي عن الفنانين والمبدعين .كما أصدرت وزارة الثقافة بيانا أكدت فيه أن حرية التفكير والإبداع واحدة من أسس المجتمعات المتحضرة وإحدى مطالب الثورة المباركة وقيمتها النبيلة وان هذه الاعتداءات لا تمت للإسلام ولقيمه الداعية إلى التسامح .ثم جاءت المظاهرة التي خرج فيها عدد كبير من الإسلاميين للتنديد بعرض فيلم «برسيبوليس» يوم 14 أكتوبر 2011 من قبل قناة نسمة مما دفع صاحب قناة نسمة نبيل القروي للاعتذار .

كما نشير إلى الواقعة الأهم في المعارك التي دخل فيها الفنانون ضد بعض التيارات الإسلامية من اجل الدفاع على حرية التعبير كانت هجوم هذه التيارات على قصر العبدلية يوم 10 جوان 2012 أثناء تنظيم معرض ربيع الفنون التشكيلية حيث طالبت بإزالة لوحات رأت فيها إساءة ومسا من المقدسات الإسلامية .وكان هذه الهجوم وراء مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة والفنانين وبعض منظمات المجتمع المدني .

وقد لعب الفانون دورا مهما في انطلاقة الثورة ثم الدفاع على مبادئ الحرية والديمقراطية أمام هجمات واعتداءات القوى السلفية المعادية للفن وللإبداع والحرية .الى جانب النضالات السياسية شهدت الساحة الإبداعية ثورة في كل المجالات .
وفي ميدان السينما والى جانب عودة بعض المخرجين بانتاجات جديدة مثل سلمى بكار في شريط «الجايدة» الذي لقي إقبالا جماهيريا منقطع النظير ورضا الباهي في شريط « زهرة حلب» ظهرت اصوات سينمائية جديدة اضافت إلى الساحة السينمائية حركية جديدة ومن ضمنها كوثر بن هنية في أشرطتها «شلاط تونس وزينب تكره الثلج» وعلى كف عفريت « و»الرجل الذي باع ظهره» وليلى بوزيد وشريط «على حلة عيني « (2016) وسارة العبيدي وشريط «بنزين» ومحمد بن عطية وشريط «نحبك هادي» ووليد معطر وفلم «الشرش» ونضال شط مع شريط «مصطفى زاد» وفارس نعناع مع شريط «شبابك الجنة» .
كما سيعرف ميدان الفنون التشكيلية هو الآخر ثورة كبيرة مع ظهور أشكال تعبيرية جديدة كالرسم على الجدران والفوتوغرافيا والفيديو .كما ظهرت اجيال جديدة من الفنانين الشبان من ضمنهم مريم بودربالة وهالة عمر وسنيا قلال وعاطف معطا الله ونضال شماخ وفخري الغزال وعثمان طالب وعائشة السوسي ووسام العابد والسيد وغيرهم .وقد كانت التساؤلات

حولةالهوية والعلاقة بالمقدس وبالوطن وواقع المرأة في كنف أعمالهم الفنية .

كما عرف ميدان الأغنية كذلك ثورة كبيرة مع بروز مغنيي الراب والحضور الكبير الذي سيعرفه الشباب .ومن ابرز الفنانين الذين بروزا على الساحة الفنية اذكر بندرمان والذي ساهم في مقاومة الاستبداد وعديد الفنانين الاخرين مثل كافون وبلطي وكلاي بي بي جي والسنفرة .واهتمت أعمالهم الفنية وأغانيهم بنقد الأوضاع السياسية والاجتماعية وعجز الثورة عن تحقيق المطالب التي رفعتها من حرية وكرامة وطنية وإنهاء التهميش .

لقد ساهم هامش الحرية الذي عرفته بلادنا اثر الثورة السياسية في إطلاق عنان ثورة أخرى وهي الثورة الثقافية وثورة المبدعين والفنانين والتي ساهمت في تجذير مطالب الحرية والديمقراطية وفي تدعيم المشروع السياسي الوطني الحداثي .
مكنتنا هذه القراءة التاريخية من تأكيد العلاقة الوطيدة بين المشروع الإبداعي والتجربة السياسية التاريخية في بلادنا .فالعلاقة معقدة وجدلية وتمتاز بالتأثير والتأثر .فقد ساهم للمشروع الإبداعي في دعم المشروع السياسي الحداثي الوطني ومبادئه الأساسية حول مدنية الدولة والمجتمع وفكر الحرية والتعدد والديمقراطية .وفي نفس الوقت قدم المشروع السياسي وخاصة مع دولة الاستقلال مجال التطور للفنانين والمبدعين من خلال القوانين والدعم المالي للمؤسسات .للثقافية الرسمية .إلا أن هذا الدعم لم يقد إلى فقدان المشروع لثقافي لاستقلاليته وتبعيته للدولة وانصياعه لهيمنتها.فقد انتفض الفنانون والمبدعون على المشروع السياسي عند انحرافه عن مبادئ الحرية والتعدد وكان في الصفوف الأولى للرفض والتمرد منذ نهاية الستينات إلى يومنا هذا .
وبذلك كان الفنانون والمبدعون قلب المشروع السياسي وشكل المشروع الإبداعي بوصلته وصمام آمان يصده أمام كل التراجعات ويفتح له أبواب الأمل والمستقبل والحلم بغد أفضل للإنسان كما فعل الفنانون في كل أنحاء المعمورة.

#جريدة #المغرب #قهوة #الأحد #المشروع #الإبداعي #وخصوصية #التجربة #السياسية #التونسية #الجزء #الثاني

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد