جريدة المغرب | ما وراء عمليّات «تركيع الحكومة»

تتواتر علينا الأخبار الدالة على هشاشة الدولة وخروج عدد من المؤسسات عن السيطرة نذكر على سبيل المثال لا الحصر هيمنة المجموعات على مواقع «الثروة» أو «النفوذ»،

ولجوء البعض إلى أشكال غير مألوفة من «الاحتجاج» الذي وصل إلى حدّ مدّ اليد على قاعات الاجتماعات داخل وزارة التربية، وطرد التلاميذ المقيمين في المبيتات إعلانا عن «نهاية إسداء الخدمات» والدخول في الإضراب. بالإضافة إلى إعلان ممثلّي بعض النقابات عن توقّف الدروس في بادرة تعدّ الأولى من نوعها لتجريد الوزير من سلطة اتّخاذ القرار.تشير هذه الأحداث وغيرها إلى تحوّل في نمط العلاقة بين التونسيين وممثلّي السلطة، وفي تمثّلهم للسلط(التنفيذية والتشريعية، وحتى القضائية) وإدراكهم لمركز القوّة والسيادة والنفوذ والقانون. وحين تتضاعف حالات الانفلات، والسقوط الأخلاقي، وتبدو علامات الفوضى بادية للعيان على مستوى السلوك والهيئة والأفعال والخطابات… تتبادر إلى أذهاننا صور الماضي فنتذكّر ما آل إليه أمر«ملوك الطوائف» بعد أن بانت علامات الضعف السياسي والانهيار الاقتصادي وكثر النزاع حول امتلاك السلطة وكثرت الثورات والصراعات…
إنّ التطبيع مع الانتهازية والفساد والعنف، واللامبالاة بالتخريب الممنهج والتساهل مع الساعين إلى تدمير ركائز الدولة والعابثين بالقيم الوطنية المشتركة علامات دالة على اتّساع رقعة الفوضى المؤذنة بخراب العمران. وبناء على ذلك ليس بوسعنا إلاّ الإقرار بأنّنا قد تجاوزنا مرحلة التخبّط في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لنصل إلى أزمة السلطة وتفكك بنيتها وتحلّل الدولة La décomposition رويدا رويدا . فنحن نستمرّ في قضاء حوائجنا ومشاهدة التلفاز ومتابعة برامج التسلية والدراما والتفاعل مع الأحداث… بالتوازي مع معاينتنا لانحلال الأخلاق وارتفاع منسوب العنف ونسب الجرائم وإدراكنا لضمور الحسّ الوطني والإنسانيّ. ثمّ إنّنا نواصل التفكير بنفس الطريقة فنصرّ على أنّ الطبقة السياسية هي المسؤولة الوحيدة عن كلّ أزماتنا ولا حلّ أمامنا إلاّ التخلّص منها، ونرى أنّ البحث عن «كبش فداء» هو الحلّ الأمثل فنعلّق كلّ مشاكلنا على شماعة البنك الدولي والعولمة، والنيولبيرالية… ومؤخرا «الكوفيد».
لامناص من القول إنّ صورة كلّ من الدولة والحكومة قد اهتزت. ولا نبالغ إن اعتبرنا أنّ أغلب التونسيين لا يشعرون اليوم، بأنّهم مجبرون على الخضوع للنظام السياسي، ولا يعتقدون أنّ الدولة هي القادرة على حفظ النظام وتقديم الخدمات الصحية والمواصلات… وتحقيق العدالة، ولا يؤمنون أيضا بأنّ الحكومة قادرة على ممارسة السلطة وفرض السيادة وإلزام الأفراد باحترام قوانينها. كما أنّها ما عادت تمثّل في نظرهم، الهيئة التي تمتلك القوة/الشرعية لفرض الترتيبات والأحكام والقوانين اللازمة للحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع وتنظيم حياة الأفراد المشتركة.
لقد مررنا من مرحلة عدم الثقة في النخب الحاكمة إلى مرحلة عدم الثقة في الحكومة والدولة ولذلك تتضاعف أعداد الفارين من تونس: أرض ما عادت ترمز إلى الاستقرار والقرار، وتزداد قائمة «الحراقة» رجالا ونساء وأطفالا، وتكثر حالات الانتحار. وفي المقابل تقرّر جموع أخرى العزلة وقطع الوصلة بكلّ ما يذكرهم بأنّهم «في تونس الخضراء». أمّا الجمهور الأوسع المكره على البقاء بدعوى حبّ الوطن أو لانعدام الفرص والبدائل فإنّه مقتنع بأنّه لم يعد يشعـر بأنه شعـب محكـوم(gouverné).
إن علامات التفكّك والاضمحلال والهشاشة وفقدان السيادة والقدرة على التدبير والعجز عن خدمة الصالح العامّ في هرم السلطة: الدولة سرعان ما تفضي إلى نتائج خطيرة إذ لا يتأخر ردّ فعل المجتمع فيظهر التمرّد والعصيان وفرض سياسات «تركيع الحكومة” فتعمّ بذلك حالة الفوضى. فهل أن الحلّ في تغيير الوزراء؟لا نعتقد أنّ أعضاء الحكومة يتحمّلون وحدهم الوزر فقد ورثوا تركة هوّاة السياسة وصلف الانتهازيين وما كان بإمكان الخلف ابتداع الحلول السحرية ، إنّما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف السلطة و بناء أنموذج جديد لإدارة الحكم بل نحن بحاجة إلى إعادة بناء الديمقراطية.
المصدر

اقرأ أيضا:  الغنوشي : دعوت "عقيلة صالح" لزيارة تونس.. والتونسيين قصروا في الملف الليبي