- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

دور الإعلام والخطاب السياسي في تحصين الهوية والوحدة الوطنية

انبهر بعض قاصري  النظر محدودي الفكر سواء في بلادنا أو في بعض البلدان العربية ومن بينها تونس وسوريا واليمن وليبيا  ومصر مع مطلع 2011 بما وُصف بثورة الربيع العربي، حيث ساهم عدد من الشباب ليس في الإطاحة بأنظمة  تلك الدول التي كان بعض حكامها للأسف يسعون إلى تكريس ما وُصف بالجملكيات مما أدى إلى تقبل بعض الأفكار الهدامة التي كانت تحمل شعاراتُها البراقة تلك الثورات المضادة التي أطاحت بأنظمة تلك الدول وتسببت لها في حالات تدميرية ما تزال آثارها وارتداداتها متلاحقة إلى اليوم.

وأتذكر حينها أنني كنت ألقي محاضرة في جامعة الأغواط عن المخاطر الكامنة وراء هذه الثورة المزعومة على مستقبل العالم العربي وعلى العالم الإسلامي ككل، إذ حذرت من مخاطر تلك الثورة التي جاءت في سياقِ إستراتيجية الفوضى الخلاقَّة التي بشَّرت بها خصوصا كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بوش ضمن خطةٍ كانت من صنع المخابر الغربية ومكاتب الدراسات الأمريكية والصهيونية والغربية عموما في ظل غرس ثقافة الخوف مما اصطلح عليه بـ”الإسلام السياسي” .

وخلال النقاش الذي تلا تلك المحاضرة وجدتُ شابا أصبح لاحقا منتخَبا وطنيا يسألني سؤالا بدا لي غير بريء وكان صاحبه متحمسا قال فيه: متى تقوم الثورة في الجزائر؟

تمعنت فيه ثم ابتسمت ورحت أقول له: ألا تخجل من هذا المصطلح المشين الذي يسيء للثورة؟ ثم ألا تستحي من وجود هؤلاء المجاهدين الذين يزينون هذه القاعة؟ وكانوا من رجال أكبر ثورة عرفها القرن العشرين، وهي ثورة أول نوفمبر العظيمة التي حملت كثيرا من القيم ولم تمكن شعبنا وحده من استعادة استقلاله وحريته، ولكنها عجَّلت باستقلال كل من تونس والمغرب وعدد من دول القارة الإفريقية،  ثم كانت مُلهمة لكثيرٍ من الحركات الثورية لتحرير بلدانها وافتكاك حريتها .

مسألة الانبهار هذه والتي تحمل الكثير من المخاطر على الشباب وعلى البلد ككل والتي يمكن أن تُضعف الهوية وتعمل على ضرب الوحدة الوطنية والمسِ بالأمن القومي لبلدنا ولبلدان أخرى كما حدث في بلدان الربيع العربي لا يمكن مواجهتها إلا بالعمل الفكري والإعلامي والسياسي والديني والثقافي لتحصين الهوية وتعزيز قيم الوطنية، لأن الانبهار بالآخر قد يصبح مدمرا للدول ومُفتِّتًا لوحدة الشعوب ..

إذا كانت الهوية الجزائرية الضاربة في عمق التاريخ هي ما يميّزنا عن الآخرين في هذا الوطن الذي نتقاسم تربته ونقيم فيه وتجمعنا مع ساكنيه المصالح والأهداف والحقوق والواجبات، فإنَّ بين من عناصر هذه الهوية  كذلك اللغة والدين والتاريخ  والثقافة والعادات والتقاليد، وهي جميعها تجعلنا نتقاسم الحاضر ونتطلع للمستقبل، وهذه العناصر المشكِّلة للهوية هي عاملٌ  قوي وفعال لتعزيز قيم الوطنية .

والأكيد أن الوطنية هي التكريس النهائي لحب الوطن والتعلق به والدفاع عن مصالحه المختلفة اقتصاديا وثقافيا ومعرفيا والعمل على رقيِّه في أوقات السلم والذود عن حماه والتصدي لأعدائه وقت الحرب أو خلال العدوان عليه بأي شكل من الأشكال الظاهرة أو الخفية.

وبالنسبة لي، فإن تعزيز قيم الوطنية تتقاسمها عدة أطراف تشترك في هدفٍ واحد وهو خدمة مصلحة الوطن وحمايته والدفاع عنه في أوقات السلم وأثناء الحرب، وفي اعتقادي أن المسَّ بعناصر الهوية من شأنه أن يتسبب في إضعاف الروح الوطنية أو النيل منها .

لذلك، أكدتُ في محاضرة ألقيتها بوهران في 2015 بعنوان: “الوطنية الواعية “على أنه إذا كانت هناك وطنية بمفهومها الشامل تبرز أوقات السلم تناط بجميع أفراد الأمة في تماسكهم ووحدتهم والاشتراك في المصالح التي تقوم بينهم وبين مختلف مؤسسات الدولة، فإن هناك وطنيةً من نوع آخر، وهي الوطنية الثورية التي مارسها الجزائريون في تصدِّيهم للمحتل خلال مختلف المقاومات الشعبية التي عمَّت الوطن من أقصاه إلى أقصاه منذ وطئ المحتل هذه الأرض وانتهاءً بثورة أول نوفمبر التي جسَّدت قمة الوطنية الثورية ومكَّنتنا من إنهاء الوجود الاستعماري على أرضنا.

ومقابل هذا، فنحن الآن في حاجة إلى وطنية من نوع آخر وهي ما أصطلح عليه بـ (الوطنية الواعية) التي تمارسها نخبة المجتمع من مثقفين وعلماء وأئمة ودعاة ورجل فكر وفن وسياسيين ذوي أفكار عالية،

وسأختصر على إبراز دور الاتصال والإعلام ورجال ونساء السياسة في تحصين الهوية وتعزيز الوطنية من خلال ممارسة الوطنية الواعية .

أولا: الإعلام :

يشكل الإعلام والاتصال بمختلف وسائطه في مختلف العصور والمراحل دورا مهما في هذه العملية .

وتزداد أهمية وقيمة هذه الوسائل في الوقت الراهن خصوصا بعد التطورات التي شهدها العالم بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت توصف بأنها (إعلام من لا إعلام  له)  نظرا لأسباب عدة أبرزها السرعة في عملية التدفق والبث أو النشر للخبر أو للمعلومة، ومن ثمة الانتشار الواسع للمعلومة التي يمكن أن تُلهم الناس في حالة الإيجاب وتحفِّزهم أو تجعلهم يقتنعون ويواجهون في المقابل أي خطر يُهدد بلادهم، بل إن المعلومة يمكن أن تشكل في حالة السلب عنصرا عكسيا مما يحتم على مختلف الوسائل وبالخصوص ما يوصف بالقنوات الثقيلة عمومية كانت أو خاصة أن تعمل على استحداث برامج نوعية عالية الجودة من حيث المضمون والشكل، وتكون هذه البرامج موجَّهة لمختلف الفئات والشرائح، وأن تبتعد عن التهريج والشعارات الجوفاء وأن تكون الرسائل المرسَلة بسيطة ولكنها عميقة في مضامينها، وأن تسند عملية القيام بها للمتخصصين في مختلف العلوم والمعارف وخاصة في علم الاتصال والتاريخ خصوصا الذين يحسنون استخدام المعلومة ويتفننون في طريقة إرسالها وإيصالها بكيفية مقنعة وبشكل جذاب بالأسلوب غير المباشر لإحداث أثر إيجابي في نفوس المتلقين .

إن استحداث برامج دينية ذات مستوى عال وبرامج ثقافية وتاريخية تعمق مفهوم الناس في فهم وإدراك تاريخ بلدهم وثقافته وبمساهماته في صنع الحضارة الإنسانية ودورها الريادي في صنع التاريخ العالمي ككل من شأنه أن يجعل الهوية لا تتعرض للخدش أو الذوبان، بل ويجعل الوطنية بمنأى عن التشوهات والتي قد تصيبها من الباعثين على استحداث الفرقة وبث الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، بل إن كل ذلك يجعل الناس يعتزون بوطنهم وبتاريخهم وهو ما يُقوي لحمة الوطنية بينهم.

ثانيا: الجانب السياسي 

ما من شك أنَّ السياسة عنصرٌ أساسي في تهذيب الحياة العامَّة للشعوب وقيادة الأمم ورشادة التسيير، وإذا كانت الأحزابُ السياسية قد وُجِدت لممارسة السياسة وفق القواعد القانونية لدستور كل دولة وسعيا لتكريس قيم الديمقراطية القائمة على المنافسة الشريفة، فإن من أهداف الأحزاب السعي إلى الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات .

ومن هذا المنظور، فإنَّ الأحزاب التي هي مؤسسات قائمة بذاتها وتسعى للوصول إلى السلطة محكومٌ عليها بوضع برامجَ شاملة يسهر على إعدادها نخبةٌ من القيادات الحزبية المتشبِّعة بالفكر والنضال والوطنية وتمتلك الرؤية الفكرية والبرامج والخطاب المقنع الذي يقوم به رجالٌ ونساء قادرون على فن الخطابة وعلى الحوار وعلى الإقناع .

إن هذا الخطاب السياسي هو واحدٌ من عناصر قوة الأحزاب في التأثير على الناس وجعلهم يؤمنون بالبرامج وبسياسة هذا الحزب أو ذاك  ويسعون إلى تطبيقه في الميدان. ومن ثمَّة، فإنَّ الخطاب السياسي لهذا الحزب أو ذاك من خلال منظومة الأفكار التي يحملها يشكّل بوتقة لغرس مجموعة من القيم بما فيها تحصين الهوية وتعزيز الوحدة الوطنية.

وفي المقابل، فإن الخطاب الأجوف الفارغ سيتحول إلى خطاب باعث على النفور وانعدام الثقة، بل قد يصبح عنصرا يبعث على استحداث بؤر توتر داخل الحي وداخل القرية والمدينة، وربما في الوطن بأسره،  ويساهم في تأزيم الوطنية كما نلاحظه في خطابات بعض الرديئين الذين لا يعرفون فنيات السياسة، ولدى بعض  المرتزقة والموتورين الذين ينفذون برامج وأجندات أجنبية حاقدة على هذا الوطن تسعى إلى الفرقة والتشتيت.

لذلك، لابد من بروز نخبة تضمُّ مختلف الفئات المجتمعية لمواجهة التهديدات التي تحاول المسَّ بأمن ترابنا وبوحدة وطننا وتماسك شعبنا .

لقد كانت هذه الوحدة بالأمس هي الجدار السميك الذي واجه به شعبُنا مختلف الحملات والاعتداءات الاستعمارية المسعورة، وتصدى لها عبر العصور منذ جسَّد الإسلام وحدة هذه الأمة عربِها وأمازيغها قبل أربعة عشر قرنا .

ولنا في العديد من المقاومات الشعبية ثم في ثورة أول نوفمبر العظيمة وفي مواقف رجالاتها ونسائها وخطابهم المقنع الجامع والموحد الأثر الطيب الذي نقتدي به والذي جعل انتماء شعبنا للإسلام وللجزائر يَقِوى على الجهة والعرش وعلى الدشرة وعلى القرية والمدين، بل وجعل الشعب الجزائري في غالبيته الساحقة يلتفُّ حول تلك الصفوة من الرجال الصادقين المتشبِّعين بالوطنية وبمجموعة الأفكار التي حملوها معهم في بيان أول نوفمبر الذي بات يشكّل اليوم مرجعية فكرية وسياسية لكل من يؤمن بوحدة الشعب والانتماء للوطن، وهي العناصر التي مكنت شعبنا من أن يفتكَّ حريته ويستعيد استقلاله وأمجاده .

وقد كانت هذه الوحدة على الدوام هي الصخرة التي تحطمت أمامها كل المحاولات التي قام بها الاستعمار وأذنابه لتأبيد احتلال الأرض واستعباد الشعب.

لذلك، لابد من الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية وتعزيز مقوماتها وتفويت الفرصة على كل من يحاول النيل منها في بعدها الشامل الترابي والإنساني والذي رسمت معالمه تضحيات المقاومين والشهداء على امتداد تاريخ هذا الوطن.

#دور #الإعلام #والخطاب #السياسي #فيتحصين #الهوية #والوحدة #الوطنية

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد