- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

دور الدبلوماسية الاقتصادية في خطة الإنعاش الاقتصادي في تونس

دور الدبلوماسية الاقتصادية في خطة الإنعاش الاقتصادي في تونسبقلم الأزهر بنّور – يمثل الانعاش الاقتصادي الأولوية المطلقة لتونس خلال المرحلة المقبلة، ويقتضي تحقيقه العمل الفاعل على المستوى الدولي وبناء شراكات قادرة على جلب المنفعة لاقتصاد منهك ومالية عمومية مثقلة بالديون واستثمارات أجنبية ومحلية منعدمة وقوانين مكبلة للمبادرة والتجديد. وقد بينت السنوات الأخيرة على المستوى الدولي أن المنحى الذي فرض نفسه على الدول والحكومات هو إعادة توزيع أوراق القوة وبناء العلاقات والتحالفات وبقدر كبير إلى المعيار الاقتصادي الذي تحركه فاعلية الدبلوماسية الاقتصادية في بناء هذه العلاقات واقتناص والفرص وخدمة المخططات والمشاريع والمصالح الوطنية.

ويتعين على بلادنا تفعيل هذه الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها عاملاً أساسياً من عوامل النفوذ والنمو. وعلى الهياكل الحكومية المتدخلة أن تؤدي دوراً حاسماً في تحقيق ذلك.

لم تعد الدبلوماسية حبيسة التعاريف القديمة المحصورة في مجموعة من الاتصالات وتنظيم العلاقات وجمع المعلومات فحسب، بل تحولت إلى عامل مؤثر في تخطيط الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية وإقامة العلاقات بين الدول على أسس جديدة من ناحيتي الأولويات والأهداف، والسعي للمحافظة على مصالحها بكل اقتدار.

وقد ترسخت هذه المفاهيم لدى الدول الفاعلة من خلال التطورات التي يشهدها العالم اقتصاديا وسياسيا حيث أصبح من المستحيل فصل السياسة عن الاقتصاد، حتى أضحى الاقتصاد محركا رئيسياً في نشوء العلاقات الدبلوماسية بين الدول، حتى أصبحت الدبلوماسية تستخدم الاقتصاد في أحيان كثيرة لخدمة أهداف الدولة، كما ظهرت الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها فرعًا من فروع الدبلوماسية الحديثة، وأداة مهمة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول.

عرف معاوية بن أبي سفيان الدبلوماسية بقوله “لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا ارخوها شددتها وإن شدوها أرخيتها”.

وتعرف الدبلوماسية الاقتصادية على أنها: ” استخدام أشخاص القانون الدولي للطرق والأساليب الدبلوماسية، وكذلك الوسائل الاقتصادية والسياسة التجارية والمالية والتقنية من أجل بلوغ أهدافها، وتوفير الضمان لتأمين المصالح الاقتصادية الخارجية، وتحقيق تطور في الاقتصاد القومي.

وتتكون الدبلوماسة الاقتصادية من ثلاثة عناصر:

1- استخدام النفوذ السياسي والعلاقات لتعزيز تجارتنا الخارجية والاستثمار ولتحسين أداء الأسواق وتقليل التكاليف ومخاطر الصفقات العمومية والخاصة.

2- استخدام عراقة علاقاتنا مع الشركاء التقليديين لزيادة وتعزيز المنافع المتبادلة للتعاون وبناء علاقات مستقرة سياسيًا مع عمقنا المغاربي والعربي بما يمكن من زيادة الأمن الاقتصادي وتركيز سياسات هيكلية واتفاقات تجارية تساهم في مزيد ترويج منتجاتنا في الأسواق الخارجية مع دعم الاستثمارات الثنائية.

3- تعزيز المناخ السياسي السليم من خلال التنسيق المتواصل بين الهياكل المتدخلة لتسهيل وتحقيق الأهداف المرسومة

واقع وآفاق الدبلوماسية الاقتصادية في تونس

لقد أثبتت الأزمة الحاليّة أن البلدان التي عرفت كيف تفعّل دبلوماسيتها الاقتصادية هي التي كانت المستفيد الأول مقارنة ببقية البلدان حيث نجحت في الحد من التداعيات السلبية وتحويل المخاطر المحدقة باقتصادياتها إلى فرص حقيقية لتحسين قدراتها التنافسية وإبرام الصفقات المربحة لمؤسساتها العمومية والخاصة كما نجحت في ضمان تزوّدها بكافة المواد في أحسن الظروف بما في ذلك المواد الطبية وشبه الطبية رغم شحّها واشتداد المنافسة عليها.

ما يلاحظ خلال اشتداد جائحة كرونا ببلادنا في الأسابيع الأخيرة هو أنّ دبلوماسيتنا التقليدية ورغم ضعف الإمكانيات المادية والبشرية، قامت بمهام كبيرة حيث أصبحت منهمكة في الاستجابة لطلبات المنظومة الصحية من حاجيات ملحة للتلاقيح والأكسجين والمعدات الطبية المختلفة وقد لعبت رئاسة الجمهورية دورا محورا ومحركا أساسيا في نجاح بلادنا في وقت قياسي بالتزود بحاجياتها والخروج من الأزمة بكل اقتدار.

وفي ضل هذه الأزمة الصحية لم يكن الرهان الاقتصادي دائما أولوية مطلقة لهذه الدبلوماسية التقليدية باعتبار أنّ الهياكل والوزارات المعنية بإدارة الشأن الاقتصادي، كانت تعمل منفصلة عن بعضها في مقاربتها للتواجد بالخارج وحتى حضور مكاتب لهذه الهياكل بالخارج يتمّ في سياق أحادي وبدون تنسيق فيما بينها وبالتالي بقي دور هذه المكاتب محدود في ضل غياب رؤيا كلية واضحة يتم تنفيذها في إطار إستراتيجية وطنية للدبلوماسية الاقتصادية إلى جانب غياب تقاسم للمهام والأدوار وتنسيق حقيقي على مستوى مركزي وعلى مستوى دول الاعتماد بالخارج.

إن هذا الواقع انعكس سلبا في حسن استغلال تواجدنا بالخارج واستثماره في التعامل مع شركائنا التقليديين وفي تنويع شركائنا الجدد في اتجاه المناطق والدول ذات النمو الاقتصادي المرتفع. أما على مستوى انتفاع النسيج الاقتصادي الوطني من خدمات هذه المكاتب فهو محدودا نسبيّا إذ لوحظ أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة غير مشمولة بتلك الخدمات رغم حاجتها الملحة للمرافقة عند القيام بعمليات التصدير أو التوريد أو حتى عندما تحتاج لعقد شراكات مع مستثمرين أجانب.

إن ضعف الدبلوماسية الاقتصادية في تحقيق أهداف جلب الاستثمارات وتخفيف الأزمة المالية والاجتماعية، يسلط الضوء على عوامل سياسية وهيكلية عرقلت تنفيذ هذه الآلية لأهدافها، بسبب خلط الوظائف وحرب الصلاحيات وعدم الاستقرار السياسي فضلا على الأزمة المالية التي تسببت في نقص الموارد للترويج بجدية للوجهة التونسية.

وتعتبر هذه الوضعية انعكاس طبيعي لعدم تغيير في المفاهيم وأساليب العمل للدبلوماسية الاقتصادية التونسية التي لم تواكب التحولات العالمية حيث انتقل من مفهومه الكلاسيكي إلى مفهوم استراتيجي إذ مازالت أغلب الهياكل الحكومية التونسية ذات العلاقة تنظر لهذه الدبلوماسية كمجال تقليدي وامتداد للمجال الدبلوماسي العادي، ورغم تفاقم الأزمة الاقتصادية لم يمثل توجها استراتيجيا وطنيا قادرا أن يحمي المصالح ويبحث عن فرص جديدة للنهوض بالاقتصاد التونسي والمساهمة في الخروج من الأزمة.

ولم تنجح دبلوماسيتنا في بناء علاقات كبيرة مع الشركات العالمية الكبرى والمانحين والفاعلين الاقتصاديين ولم يبرز في السنوات الأخيرة دبلوماسي اقتصادي تونسي له إشعاع عالمي يكون مفاوضا بارعا وله تأثير كبير لضمان نجاح الدبلوماسية الاقتصادية.

وفي ضل تشتت المجهود وحرب الصلاحيات فإن الدبلوماسية الاقتصادية التونسية لم تكن ترجمة للبعدين الاقتصادي والتجاري للدبلوماسية التقليدية لتونس سواء في الإطار الثنائي أو الإطار متعدد الأطراف. النتيجة أن كل الهياكل المتواجدة في الخارج كمركز النهوض بالصادرات ووكالة النهوض بالاستثمارات الخارجية وديوان السياحة والسفارات لم تنجح في استنباط قنوات اتصال وأطر للتعاون جديدة ومتجددة مع البلدان الشقيقة والصديقة خدمة للاقتصاد الوطني، من حيث البحث عن أسواق جديدة للمنتج التونسي واستقطاب وجلب رجال الأعمال والمؤسسات الأجنبية للاستثمار في تونس، وكذلك الترويج للوجهة السياحية التونسية بكل أنواعها وتفرعاتها والدفاع عن مصالح المؤسسات التونسية ومرافقتها وتأطيرها. كما لوحظ في السنوات الأخيرة غياب شبه كلي للتحركات مع الشركات والشخصيات والمؤسسات الاقتصادية لتحسين التعاون والشراكة واستقطاب وتمويل  المشاريع الكبرى وإنعاش النمو الاقتصادي وحتى ما تم تنظيمه كمنتدى تونس 2020 كان مجرد فوقعة إعلامية كلها نوايا وأمنيات ولت تتوج بمشاريع حقيقية وتمويلات تم إنجازها على |أرض الواقع.

وقد استفحل ضعف الدبلوماسية الاقتصادية بسبب التجاذبات السياسية بين السلط وعدم التناغم بين السلط ما يعطل وضع استراتيجية واضحة وخطة عمل قادرة على استغلال مكامن القوة في علاقاتنا الدولية التي بانت للعيون خلال الأيام الأخيرة من خلال المد التضامني والدعم غير المسبوق لتونس في أزمتها الصحية.
وقد اتسم المناخ السياسي في تونس قبل 25 جويلية 2021 بالتناحر حيث تشهد الساحة حرب صلاحيات بين السلطة التشريعية والتنفيذية التي تختلف فيما بينها حيث يريد كل طرف الاستحواذ على الدبلوماسية الاقتصادية مما يعطل العمل الدبلوماسي في الاقتصاد.

وفي هذا الصدد غابت خطة معينة للدبلوماسية الاقتصادية في تونس وهناك خلط بين صلاحيات وزارة الخارجية ووزارة التنمية والاستثمار ووزارة التجارة وحتى البنك المركزي ووزارة المالية ما يستوجب ضرورة إيجاد هيكل واحد وموحّد للاهتمام بهذا الملف من خلال إحداث المجلس الأعلى للدبلوماسية الاقتصادية الذي يجب أن يصاحبه إعادة هيكلة حقيقية على مستوى الحضور التونسي بالخارج في ضل شح الموارد المالية من خلال دمج حضور كل من مكاتب مركز النهوض بالصادرات ومكاتب وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ومكاتب ديوان السياحة ومكاتب شركة الخطوط التونسية وإحداث هيكل تحت مسمى “تونس للأعمال” تكون مهمتها الرئيسية المساهمة في الإنعاش والنمو وجذب الاستثمارات ودعم العلاقات التجارية وإقامة علاقات جديدة وتنويع الشراكات في اتجاه عمقتنا الاستراتيجي المغاربي والعربي والإفريقي إلى جانب الحضور بآسيا كثقل اقتصادي قادر على الإضافة في خطة الإنعاش الاقتصادي الوطني.

وبالتالي يجب أن تصبح الدبلوماسية الاقتصادية أولوية وطنية في تونس وبالتوازي مع ذلك يجب مراجعة سياستنا الخارجية وإعادة ترتيب أولويات الدبلوماسية التونسية”.

ومع وجود هذا الهيكل التنسيقي المتمثل في المجلس الأعلى للدبلوماسية الاقتصادية، ستسعى دبلوماسيتنا الاقتصادية، إلى دعم حضور المؤسسات التونسية في الأسواق الخارجية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

واستئناسا بأفضل الممارسات على الصعيد الدولي يجب أن يتم دعم سفاراتنا بكفاءات اقتصادية من الوزارات المعنية بالتجارة الخارجية يتولى مهمة الملحق التجاري على أن يكون من وزارة التجارة وليس من وزارة الشؤون الخارجية وذلك على غرار كل الدول مثل مصر وتركيا والمغرب والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والأردن وبذلك يتم تفعيل خطط الدبلوماسية الاقتصادية بكل نجاعة ويتم التكامل الحقيقي بين الدبلوماسية التقليدية التي هي من مهام وزارة الشؤون الخارجية والدبلوماسية الاقتصادية التي تحتاج إلى حس اقتصادي واختصاص تجاري قادر على اقتناص الفرص وبناء علاقات مع الفاعلين الاقتصاديين في دول الاعتماد. هذا إلى جانب تعزيز الجانب الاقتصادي في الزيارات واللقاءات الوزارية. مع العمل على استقطاب شخصيات تونسية مرموقة دولياً من أجل مرافقة دبلوماسيتنا.

وبالتوازي يجب وضع أهداف كمية واضحة في إطار عقود برامج تلتزم بها كل الهياكل المتدخلة في الدبلوماسية ويتم تقييم آدائها على أساس مدى تحقيق هذه العقود مع تعزيز الجانب الاقتصادي في برامج تكوين السلك الدبلوماسي وإحداث خطة القنصل الاقتصادي والتجاري واستقطاب الكفاءات الاقتصادية ولا سيما في مجالات التصدير والتكنولوجيا والبيئة ومرافقة المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

الأزهر بنّور
مستشار للمصالح العمومية

 

#دور #الدبلوماسية #الاقتصادية #في #خطة #الإنعاش #الاقتصادي #في #تونس

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد