- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

رحلة الوصول

 

 

يندرجُ هذا المقال ضمن سلسلة من خمس مقالات رأي لعبد القدوس السعداوي، كاتب الدولة للشباب سابقا، سيتم نشرها تباعا، بكلّ من بيزنس نيوز عربي و جريدة المغرب.

 

أن تكون الرجل المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب، هو ما يسمى بالفرنسية l’alignement des astres أو ما يمكن وصفه باكتمال مسببات الوصول للقمة، وهو ما عرفه رئيس الجمهورية قيس سعيد في انتخابات 2019.

شاءت الاقدار أن يكون محور الفصل في الحياة السياسية هو محاربة الفساد، ورحلة الفصل في الحياة السياسية كما تعلمون و الذكاء السياسي يكمن في مدى قدرة اللاعب السياسي على اختيار محور الفصل الاكثر نجاعة.

في العملية السياسية، وخاصة عندما تكون الشعوب حديثة العهد بالديمقراطية، و تعاني نقصا في التكوين السياسي، يكون السؤال المطروح عادة هل انت مع او ضد هذه التعبيرة السياسية او تلك؟
لتكمن النجاعة، في مدى قدرتك على وضع محور فصل عمودي قادر على التحرك افقيا، للفصل بينك و بين بقية اللاعبين السياسيين.

و يكون بذلك، الفائز في ما يمكن ان نسميه لعبة “الا انا”، ذلك الذي يرسم محوره بطريقة واضحة، تجعل منه في ضفة و البقية في ضفة اخرى، مثال: الكل ‘نظام بائد’ الا انا، او الكل ‘اسلام سياسي’ الا انا، او ‘الكل فاسد’ الا انا…
كما يمكن للمحور ان يكون زمنيا : الكل طبع مع الدكتاتورية، او الكل شارك في عشرية الخراب، او الكل ينتمي الى ما قبل 25 جويلية …

 المحتوى لا يهم. المهم هو العدو.

الكل يبحث له عن عدو، غير انه على عكس الالعاب القتالية، اين عادة ما تغلب الكثرة الشجاعة، في اللعبة السياسية، الشجاعة، عادة ما تغلب الكثرة، و هو ما يجعلها اكثر الالعاب القتالية متعة و دموية و عدائية.

الرجل المناسب،
تسليما بما سبق، كان قيس سعيد الرجل المناسب، اي انه نجح في وضع محور فصل بينه و بين بقية اللاعبين السياسيين، والسياسة في حد ذاتها.

الرجل نظيف، ليس نسبة للفساد فحسب، فغيره من الفاعلين ليس له علاقة بالفساد و لكنه كان الوحيد الذي لم يتلطخ بسواد وحل السياسة واللعبة السياسية على عكس كل من كان على الساحة.
اي ان الرجل مترشح للانتخابات الرئاسية، ولكنه ليس رجل سياسة، و كما بينت من قبل كونه الوحيد ضد الجميع، جعل منه الوحيد القادر على هزم الجميع، جعل منه الرجل المناسب.

الوقت المناسب،
في مواصلة البحث عن الضد وجد الشعب التونسي في قيس سعيد 2019، الضد المناسب لكل الساحة السياسية، في مواصلة لاستعمال نفس ادوات 2011، و 2014 في التقييم و الاختيار… واصل الشعب التونسي ما يسمى بالفرنسية le vote sanction.
بعد تجربة الرجوع للوازع الديني و انتخاب معارضة بن علي في 2011، اتجه الناخب التونسي الى معاقبة النهضة لفشلها في ادارة البلاد، لينتخب نداء تونس كبديل. ولكن ايضا في محاولة للرجوع الى ما قبل 2011.
قد كان من الممكن مواصلة المراوحة بين الضدين كما هو الامر في الديمقراطيات الاخرى (المراوحة بين اليمين واليسار، الجمهوريون والديمقراطيون…) لكن سياسة التوافق المعتمدة بعد 2014، اضاعت بوصلة الناخبين، وأدت الى ضرب الثقة في الكل.
وعدم وجود بديل في الساحة السياسية، جعل من قيس سعيد في 2019 يجد نفسه في الوقت المناسب.

المكان المناسب
كانت وزارة شؤون الشباب والرياضة، قد قامت بمسح وطني على 10 الاف شاب وشابة في كامل انحاء البلاد على امتداد 2018 -2019. ثلاثة ارقام شدّت انتباه القائمين على المرصد الوطني للشباب.

⁃ 58 بالمائة ؜ من السكان اقل من 35 سنة : أي ان ثلثي الشعب التونسي غير معني بصراع السبعينات بين التيارات السياسية الثلاث الممثلة للقاعدة الفكرية السياسية التونسية، فلا الاخوان ولا الدساترة ولا القوميون قادرون على تسويق طرحهم السياسي، و هو من الاسباب التي تدفع الشباب خاصة الى العزوف، فالمنتوج السياسي المسوق لا يستهويهم.

⁃  2 بالمائة فقط من الشباب لهم ثقة في الاحزاب السياسية ، هي نسبة غير قابلة للاستئناف ان صحة الترجمة من الفرنسية « sans appel », اي انه يجب على من يريد الوصول إلى سدة الحكم في قرطاج 2019، ان لا يكون مرشح حزبي، وهو ما كان بترشح كل من نبيل القروي و قيس سعيد للدور الثاني.

⁃ 62 بالمائة؜ من الشباب ليس لهم ثقة في الدولة : اي ان هذه الفئة بالذات تبحث عن خطاب لا مؤسساتي، الجيل الذي يلقب الأمن “بالحاكم”، يرفض رفضا تاما التعامل مع كل ما هو نظامي، خاصة مع كل من يتم تصنيفه في خانة الحكم او المشاركة في الحكم، و نعني هنا بالحكم المؤسسات، اي ان مجرد التواجد في البرلمان حتى ولو كان في المعارضة، يعني حتميا المشاركة في المشهد.

الآن وحب علينا اضافة معطيين اثنين للمعادلة السابقة لتكتمل الصورة:

اولهما بلوغ عدد المسجلين من الشباب في سجل الانتخابات  ما يناهز المليون ناخب، و قد اثبتت الدراسات المقارنة في العالم ان، 70 بالمائة؜ من المسجلين تقريبا في السنة الانتخابية، يتوجهون حتما الى صناديق الاقتراع ؜ أي تقريبا 600 الف ناخب.

اما المعطى الثاني فهو تصاعد عالمي للموجة الشعبوية عالميا، و لعل الاقرب الى الاذهان هو صعود “ترامب” رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، لكن الامر كذلك في ايطاليا اعرق الديمقراطيات بصعود “النجوم الخمس”، او تواتر صعود التيارات اليمينية المتشدد في غرب اوروبا … والامثلة متعددة.

كل هذه المعطيات مجتمعة يمثل اصطفافا للنجوم يجعل من قيس سعيد الرجل المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب.

البعض يذهب بالظن الى إضافة ايادي اجنبية خفية اعتمدت على الذكاء الاصطناعي، و اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي على شاكلة « Cambridge analytica ». لكن هذا يبقى صعب الاثبات، حتى ولو كان هذا الطرح مغريا لتفسير تواجد الاستاذ مدة ثلاث سنوات على الاقل بين الثلاثي المتصدر لسبر الآراء قبل الانتخابات، رغم غياب كلي عن الفعل السياسي.
فإني عن نفسي، احبذ تحليل الوقائع والارقام عن الاتهامات مهما كانت منطقية.

 

 

#رحلة #الوصول

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد