- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

عندما يصبح المفكر بوقا

عبارة قالها خالد الذكر نزار قباني (وإذا اصبح المفكر بوقا يستوي الفكر عنده والحذاء) ضمن قصيدته الرائعة ( إفادة في محكمة الشعر). هي عبارة تذم كل حامل قلم وصاحب فكر عندما يتحول الى مرتزق للنظام، أيا كان ذلك النظام، في بغداد أو القاهرة، في تونس أو في أربيل.

وللأسف فهذه الشريحة من المرتزقة يملئون اليوم وسائل إعلامنا المحلية في ظل إنعدام أخلاقيات المهنة وغياب الأخلاقيات العمومية في مجتمعاتنا المادية البغيضة التي يلهث المواطن الشريف وراء لقمة عيشه بشرف وكرامة، فيما تستأثر الاقلام الرخيصة بخيرات النظام وإمتيازاته مقابل تصوير القبح بالجمال، والخسة بالفضيلة، والديكتاتورية بالديمقراطية!. وكما قال العظيم المتنبي “ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ، وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ”. هكذا أصبح الحال في ظل تسلط بعض الأنظمة الدكتاتورية على مقدرات شعوبها، فيغيب المفكر أو يُغيب ويشقى، ويتصدر الجاهل المشهد معززا مكرما متنعما في ظل أنظمة الظلم والطغيان.

بعد أن تحولت الدعاية الحكومية في ظل نظام صدام حسين الى دعاية رخيصة مجردة من أية مصداقية محليا بسبب ترويجها لحكم الدكتاتور الأوحد في العراق وتسويقه للرأي العام المحلي كنظام عادل وسوي، حاول النظام هذه المرة التستر والتعتيم على الواقع البائس للشعب العراقي عبر التحرك نحو تجميل صورته في الخارج من خلال مرتزقة الإعلام بهدف كسب الرأي العام العالمي، ولذلك بادر في ثمانينيات القرن الماضي الى غزو الإعلام العربي بأموال النفط بهدف الترويج لنظامه السياسي وتجميل وجهه القبيح عبر شراء ذمم بعض الكتاب والصحفيين وتأسيس عدة مجلات عربية دولية تصدر في عواصم الغرب. ومن جهة ثانية حاول النظام شراء بعض الصحف والمجلات العريقة التي كانت تصدر في العواصم الغربية بعد أن إضطرت هيئاتها التحريرية الى الهجرة من لبنان بسبب الحرب، فأصبحت هذه المجلات بوقا للترويج لنظام الدكتاتور العراقي.

أما في الداخل فقد سيطر الحزب الحاكم على جميع الصحف العراقية التي أصبحت لاشغل لها ولا عمل سوى تمجيد دكتاتورية صدام، فقد إعتادت جميع الصحف والمجلات العراقية على نشر صور الدكتاتور في صفحاتها الأولى وحشر صفحاتها الداخلية بمقالات تمجد لفكر القائد وإلهاماته وقيادته الفذة لأمور الدولة!!.

ورغم أن هذه السياسة الإعلامية المفضوحة التي إستنزفت موارد هائلة من موازنة الدولة لم تنطل على المواطن العراقي النبيه، لكن صغر عقل القائد ومحدودية أفقه السياسي وغبائه يدفعونه الى التصديق أو خدع نفسه بأنه بمثل هذا الخطاب الإعلامي سيديم من عمر نظامه الدكتاتوري، وأن مثل هذه الأكاذيب سوف تتحول على حسب قاعدة غوبلز الشهيرة الى حقائق واقعية سيقتنع بها الشعب مما سيساعده في الإستمرار والبقاء.

لقد ورثت السلطة الكردية بعد سقوط ذلك النظام الكثير من مفردات السياسات الدكتاتورية للأنظمة السابقة رغم أن جميع تلك السياسات أثبتت فشلها الذريع طوال العهود السابقة. فعلى الرغم من مقهورية الشعب الكردي ومظلوميته وعلى الرغم من أن تلك السياسات وخصوصا البعثية لم تجر على شعبنا سوى الخراب والدمار، لكن النظام الحاكم في إقليم كردستان إنتهج تقريبا نفس السياسات السابقة في إدارة شؤون الإقليم، فهو يمارس نفس الإضطهاد والقمع ضد معارضيه من السجن والنفي الإعتقال التعسفي وحتى الإغتيال، ويمنع حق التظاهر، ويحرم شعبه من أبسط مستلزمات الحياة الحرة الكريمة عبر الإستئثار بثروات الإقليم وإعتماد مبدأ المحسوبية والمنسوبية، وكذلك يسعى بمخطط واضح لتدمير القطاعات الأساسية لبناء مجتمع سليم مثل قطاعات التربية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة وتحويل مجمل هذه القطاعات الى ملكية شركات حزبية خاصة. وكذلك السيطرة على أجهزة الأمن والقضاء وتسخيرها من أجل مصلحة الحزب الحاكم.

في خضم كل ذلك تجد كالعادة في النظم الدكتاتورية بعض الأقلام المرتزقة الكرد يعملون بكل جهد من أجل تجميل الوجه القبيح لهذا النظام من خلال كتاباتهم وبرامجهم التلفزيونية أو من خلال مهرجانات وندوات مصطنعة هدفها الأساسي هو تمجيد وتحبيب هذا النظام وتسويقه عبر الأكاذيب والخداع.

وبعد أن إستنزف هؤلاء جهودهم العبثية في إقناع الرأي العام المحلي بتلك الأكاذيب التي باتت مفضوحة لجموع الشعب الكردي، عمدوا مؤخرا الى الإنتشار في الصحف الخارجية من خلال إستغلال بعض المنابر الإعلامية من الصحف والقنوات الإعلامية عبر شراء ذمم بعض المسؤولين فيها للترويج لهذا النظام القبيح، فتجد بعض الكتاب يتجهون نحو تلك المنابر للدعاية لصالح تجميل هذا النظام. فمن يقرأ مقالاتهم سيجد بكل وضوح أساليبهم الملتوية لخدمة أرباب نعمهم، عبر كيل المديح لزعماء السلطة والحكومة وتصوير الواقع المأساوي للشعب الكردي تحت سلطتهم وكأنها جنات النعيم وواحة الإستقرار والسلام، في حين أن الواقع المعاش في إقليم كردستان هو غير ذلك تماما، فلا خدمات ولا بنى تحتية، وكل ما في الأمر أن عصابات مافيوية تستأثر بمقدرات الإقليم عبر شركات خاصة وحزبية. وليلاحظ القاريء عندما يقرأ مقال أحد هؤلاء كيف أنهم يحشرون أسم رئيس الإقليم وزعيمه في كل مقالة من مقالاتهم حتى لو تحدثت تلك المقالات عن شؤون الطبخ مثلا!!.

إن هؤلاء المرتزقة هم آفة المجتمعات في كل مكان، وهم أخطر من التنظيمات الإرهابية أو الأعداء الخارجيين، لأنهم بأساليبهم الملتوية هذه يحاولون تجميل الصورة البشعة لحكامهم. والمشكلة أن كثيرين سبقوهم بهذا المجال فلم يجنوا شيئا في النهاية وكان مصيرهم جميعا مزبلة التاريخ.

الإنسان يعيش مرة واحدة، فليعش بشرف وكرامة لا أن يكون بمستوى الحذاء..

#عندما #يصبح #المفكر #بوقا

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد