- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

عن «دَحّة الجْريدي»: في الدراما والثلاثينات و«أنتروبولوجيا المناجم»

أدّى التدخّل الاستعماري في البلاد التونسية في العام 1881 إلى خلخلة مرتكزات المجتمع التقليدي القديم وضرب مؤسساته الاجتماعية العتيقة والراكدة بهدف إضعافها، أولاً، أو توظيفها، ثانيًا، لخدمة مشروعه الاستعماري. أمّا على الصعيد السياسي فقد “أيّد الحكم الاستعماري المركزيّة البيروقراطيّة وأضعف القبائل وخلق سياسة [دعه يعمل] في مجال قوانين الأسرة” (منيرة شرّاد – الدّول وحقوق المرأة ص 212). وبين هذه الأطر المتناقضة كان المجتمع التونسي وطيلة نصف قرن من الاستعمار (حتى ثلاثينات القرن العشرين) يعيش تحولات اجتماعية شديدة الأهميّة. 

كانت الثلاثينات فترةً شديدة التميّز في تاريخ تونس، الحديث والمعاصر، وعلى كافة الأصعدة. عقدُ مفصليّ بأتم معنى الكلمة. عقدُ النقاشات الفكريّة الكبيرة، وعقد الصحافة الفائرة والأحزاب وولادة الشعارات التحررية الصريحة في الحركة الوطنيّة بعد مرحلة جنينيّة تخمّرت بين حركة الشباب التونسي والحزب الدستوري القديم والمنظمات والجمعيات الأهلية السياسية والثقافيّة. وهي كذلك، وخاصةً، عقد أفكار التحديث الاجتماعي والثقافي والأدبي بجرعاتها الثوريّة العالية. حيثُ يمكننا الإشارةُ -بشكلٍ موغلٍ في البداهة- إلى أبي القاسم الشابي ومشروعه الشّعري التحديثي، وإلى قفزة علي الدّوعاجي الكبيرة بالرواية، وخاصةً خاصةً، الإشارة إلى الطّاهر الحدّاد بمشروعه الاجتماعي الثوري الرّهيب. 

الثلاثينات زمن الصراعات السياسيّة الكبيرة. عقدٌ أفتتح بالمؤتمر الأفخارستي وكتاب الطّاهر الحدّاد الصّادم عن المرأة، ومستقبلِاً نفحات المشرق العربي/الإسلامي الذي يخوض صراعاته الفكريّة الفائرة (في مصر والشام) ويلوكُ أسئلة النّهضة الموروثة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي بقيت بدون حسم -ربّما- إلى اليوم. 

هذا على مستوى المركز/العاصمة، أما على مستوى الهوامش الجغرافيّة (الآفاق) والتي لا يمكن -على كلّ حالٍ- اعتبارها “سيبةً” بالتصنيف الانقسامي الحّاد المُسقط دون تمييز على جميع الأقطار المغاربيّة (يمكن العودة في هذا التفصيل،بشكلٍ ممتع، للكتاب المُهيب: “سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي” للبروفيسور محمد نجيب بوطالب)، كانت الثقافة البدوّية -في تلك الفترة- تتراجع تحت سياط مشاريع توطين البداوة وتشييد المراكز الحضريّة وتحديد المراعي وتقسيم الأراضي القبليّة وغزو الشركات الزراعية الاستعماريّة الكبرى وتوسّع المعمّرين وخطوط السكك الحديدية والتعليم. كانت تلك الهوامش تفقد “روحها” الأصيلة وتضعف مؤسساتها الاجتماعية والدّينيّة، ولكن دون أن تنتهي تمامًا.

وإلى ذلك العقد شديد التعقيد والتميّز، تعود أحداث مسلسل “ضفائر” من إخراج الحبيب المسلماني وسيناريو عبد الحكيم العليمي وإنتاج سلمى بكّار، والذي تمّ إنتاجه في العام 2001 للتلفزة الوطنية التونسية. مسلسلٌ تدور أحداثه بين الحوض المنجمي، في الرّديف تحديدا، وبين تونس العاصمة. وتنتهي قصّته في فترة دخول الألمان إلى باريس بداية الأربعينات. 

منذ الحلقة الأولى يشدّك المسلسل إلى فضاء بدوي وثقافة قبليّة تبدو وكأنّها تخبو تحت ضربات تحولاّت سريعة. تحضر مؤسسّة “الميعاد” ذات العراقة التاريخية والاجتماعية في تونس، إلى جانب “شيخ التراب” باعتباره ممثلاً للبيروقراطيّة المركزيّة القائمة تحت حماية الفرنسيين (وفي خدمتهم).

تبدو مؤسسة “الميعاد” وقد فقدت هيكلتها الصارمة وشكل اجتماعها ذو المسحة المسرحيّة الصريحة، ولكنها مازلت تتماسك داخل الدّور الحامي للتقاليد والأعراف. فمنذ الحلقة الأولى يصدح “الميعاد” المجتمِع على عجل وبلا موعد أو تنسيق، بأحد القواعد العرفيّة القائمة في ذلك المجتمَع ” بنت العم تتفك حتى فوق جحفتها”. 

ولأنّ هذا المقال، ليسَ في النّقد الدّرامي للمسلسل، بل هو -أساسًا- محاولة في قراءة إشاراته التاريخيّة، للتوسّع في عرض بعض الفصول من التاريخ الاجتماعي والثقافي التونسي، فلنتوقّف قليلاً عند مؤسسة “الميعاد” (في تسميّة أخرى “مجلس الجماعة” عند أولاد سيدي عبيد مثلاً، الذين يحضرون بدورهم في هذا المسلسل وسيحضرون بعد قليل في هذا المقال).

في كتابه الرّائع عن البدو في الجنوب التونسي، يعود الأب أندري لويس بالتفصيل إلى مؤسسة “الميعاد” ونظمها وقوانينها. فهذا المجلس/الميعاد (أو كما سمّاه بمجلس الأعيان) “يضمّ رجالاً طاعنين في السّن، ومن ذوي الخبرة، أي من حيث المبدأ من أولائك الذين من المفروض أن يكونوا قد [قاموا، كما يُقال، بالرجوع إلى الله]. وهذا المجلس هو الذّي يعيّن الرّئيس أو يثبته في منصبه. وفي ظلّ غياب قانون مدوّن، فإنّ الشيخ يجمع أعضاء المجلس للبتّ في مسألة العقوبات المنصوص عليها في القانون، بخصوص هذه الجريمة أو تلك [قانوين العرفية]” (الأب أندريه لويس- بدو الأمس وبدو اليوم ص 37 / ترجمة فتحي ليسير).

يحضر الممثل عيسى الحرّاث، كشيخ للميعاد في “تل الغزلان”، وكحافظٍ للأعراف والقوانين العرفيّة. كما يَظهر احترامُ العرشين (تل الغزلان وأولاد نصر) للقوانين العرفيّة المنظمة للحياة الاجتماعية في المنطقة وصرامتها، تحديدًا في حادثة إرجاع عارم من فوق جحفتها عند الحد بين القبلتين. 

ربّما، من زاوية نظرِ الأنتروبولوجي، يبدو لي السيناريو كأنّه لم يعط هذه المؤسسة حقّها، فهي أحد أهم المؤسسات الاجتماعية التي ابتكرها المجتمع التونسي “الهامشي” على الإطلاق منذ القرن الثامن عشر (وربما قبل ذلك)، في تنظيم حياته وكافة جوانبها. ورغم محاولة الاستعمار ضربها منذ نهايات القرن التاسع عشر، ضمن إستراتيجية إضعاف القبائل، إلاّ أنها بقيت تمانع الاضمحلال حتى سنوات أخيرة قبل الاستقلال، بل ولازالت حاضرة -وإلى اليوم- في عدّة تعبيرات اجتماعيّة أخرى مثل “الجَّبهيّة” التي تقوم بالمصالحات الاجتماعية. خاصةً وأنّ لهذه المؤسسة قوانين مبهرة في ثراء تعبيراتها الرّمزية وعبقريّة اجتراح نصوصها العرفيّة/القانونيّة وتنفيذ أحكامها عبر “الشَّرطيّة” وغيرها، والتي كانت مناسبة جدًا لسياق المسلسل وأحداثه.

في ذلك الاجتماع الذي اتخذ قرار إعادة عارم من فوق هودجها في طريقها إلى عريسها من أولاد نصر، تدخّل أحد الشبّان ليدعو إلى إرسال عدد من الفرسان و“التّريس” لمعاضدة الطاهر لإعادة ابنة عمّه. هذا المقترح وُوجه برفضٍ قطعي من شيخ الميعاد لأنه لا يتماشى مع الأعراف. إنّها لحظة مبهرةٌ في تصوير أخلاق البداوة في التزامها بقوانينها العرفيّة والأخلاقيّة والحربيّة. 

لكن، من هم التريس في التاريخ القبلي التونسي؟ لكي نعرف المعنى والفرق، علينا أن نذهب إلى شيخ مؤرخي الهوامش التونسية، الأستاذ منصور بوليفة ليحدثنا قائلاً “تجدرُ الإشارة إلى أنّ قوانين العرف المنظمة للجماعات المحليّة قد حدّدت شروط الارتقاء إلى رتبة فارس. وتصبح إلزاميّة عند توفّر هذه الشروط. وهي أنّ كلّ من امتلك خمسة وعشرين نعجة وجملين وتتحلّى زوجته برطل من الحليّ (الفضّة) يصير ملزمًا أن يشتري جوادًا ويرتقي بذلك من صنف (التريس) أو المشاة إلى صنف (الفرسان)” (منصور بوليفة- صحائف من تاريخ تطاوين الحديث ص 28).

عندما عادت عارم إلى قبيلتها وإرجاعها من قبل ابن عمّها قبل وصولها إلى أراضي قبيلة أولاد نصر، اجتمع العرش في سهرة احتفالية، بالغناء والطّرب والطعام، وحضر شاعرٌ ليتغنّى بالملحمة. وبغض النّظر عن الضّعف المُريع للمستوى القصيدة من الناحيّة الفنيّة والجماليّة، إلاّ أنّ حضوره دليل على دقّة الكاتب في عدم إغفال أحد أهم مرتكزات المجتمع القبلي، وأقصدُ “شاعر القبيلة”. مسألة تفيض بها الدراسات التراثية في الأدب العربي، ونرصدها تقريبًا في التاريخ الحديث عند كل القبائل التونسيّة، وربّما يمكنني أن أذكر مثالاً بارزًا جدًا (من فضائي الورغمي القريب) الشاعرين ضو لطرش (شاعر التوازين) والهاشمي بوعيشة (شاعر عكّارة) وكيف مثّلا لسان دفاع (عنيف) كلٌّ لصالح قبيلته.

في الحلقة الثانيّة، كان زواج الطّاهر من ابنة عمّة عارم التي أعادها بالغصب من طريقها إلى زوجها إبراهيم. وتحضر إحالة مبهرة إلى مكوّنٍ صميم من قلب البداوة. مشهدُ فضّ البكارة والخرقة البيضاء التي يجب أن تكون دليلا على عفّة المرأة وعلى فُحولة الرّجل في آن. ليلة الدّخلة وأمام خشية الطّاهر أن يفشل في فض بكارة عارم المتمنعة والرافضة لتسليم نفسه له، أخرج سكينًا وجرح ذراعه وجعله ينزف فوق “السّورية” البيضاء، لتكون دليلا على إتمام العمليّة، باعتبارها طابعًا ضروريًا للشّرف في مجتمعات القبيلة. 

لقطةٌ أخرى في هذا المعنى، عندما وضعت عارم ابنها حامد، زغردت عمّته ابتهاجًا، فسألها زوجها وهي تنقل له البشرى بميلاد ذكر، سألها إن كانت متأكّدة بأن المولود من جنس الذكور، فأجابته قائلة: “ومنذ متى نزغرد لولادة أنثى؟”. 

عن «دَحّة الجْريدي»: في الدراما والثلاثينات و«أنتروبولوجيا المناجم»

** الطّاهر الحدّاد.. فصلٌ في المسلسل ومفصلٌ في التاريخ: 

عارم تلك القصّة المأساوية التي يقوم عليها المسلسل، امرأة جميلة وعاشقةٌ ومظلومة ومغتصبة وتتبعها المآسي والفواجع. قصّة لمعاناة المرأة في مجتمع ذكوري بطرياركي وقضيبي ومتخلّف وجاهل ومُستعمر. لذلك بدا المسلسل كإهداء للطّاهر الحدّاد من خلال حضوره بأحد نصوصه التي تُستهلُّ بها شارة البداية في الجينيريك من كلّ حلقة.

علينا أن نشير بشكل هامشي إلى معنى “عَارم” في اللهجة التراثيّة التونسيّة، والتي تعني المرأة الجميلة، وهي اختيار موفّق داخل معنى قصّة المسلسل (لديها عدد كبير من العُشّاق). وفي هذا السياق تعود نورة الوسلاتي إلى قصيد الشّاعر بوخريص الدّغّاري لشرح الكلمة حين يقول: 

نَسمع بـ”العَارِم” ** عند خْشوش أكتوبر حارم // متعدّي زارم ** ماشي ما حبّش يرجانا. مشيرةً إلى أنّ “العارم” تعني المرأة الجَميلة. (تمثّل البداوة ص 172).

يحضرُ الظّاهر الحدّاد، نفسهُ، في المسلسل. ولا يمكن أن يكون الطاهر الحدّاد إلا حاضرًا في مسلسلٍ تونسي عن الثلاثينات فهو أحد أهم علامات ذك العقدِ البارزين، وربّما أشدهم بروزًا. يحضرُ الطّاهر الحدّاد في الأحداث التي تدور في العاصمة. حيث ينتقدُ قيادات الحزب الدستوري الجديد أحد محاضراته حول “حريّة المرأة”. 

يبدو المسلسل في جوهره، والذي يتناول ثلاث قضايا أساسيّة هي اضطهاد المرأة والمسألة النقابية ومقاومة الاستعمار، كأنّه يصب مباشرةً في قلب المشروع الاجتماعي للطّاهر الحدّاد. في المسلسل كانت إحالة ذكيّة جدًا، ومباشرة، من الكاتب إلى الصّراع الذي خاضه هذا المُصلح الاجتماعي ضد الحزب الدستوري. وعلينا أن نعود للوراء قليلاً لفهم جذور الصّراع. 

كان الطاهر الحدّاد ذو علاقة متميزة مع الشّيخ عبد العزيز الثعالبي، فقد انتبه له الأخير من خلال مقالاته في الصحافة وقلمه المميز وأسلوبه التعبيري التجديدي القاطع مع “ركاكة” الأساليب التقليديّة السجعيّة ووضوح أفكاره وثوريتها السياسيّة (أحد أشهر مقالات الحدّاد في تلك الفترة والتي جلبت له الأنظار مقالٌ بعنوان “الحاكمُ المعبود”). لذلك كان الطّاهر الحدّاد ضمن مشروع تأسيس الحزب الدستوري مكلفًا بالدعاية والإعلام. 

نشط الحدّاد في صفوف الحزب، حتى اعتقال الشيخ الثعالبي، ومع تراجع الحزب ونشاطه، دخل الحدّاد إلى تأملات اجتماعية وفكريّة عميقة إلى حين لقائه المفصلي، والذي سيغيّر حياته بشكل كبير، مع محمّد علي الحامي العائد من ألمانيا بأفكار اجتماعية واشتراكيّة ثوريّة. علاقة الحامي والحدّاد تعود بشكل أساسي إلى انحدارهما من نفس الجهة (الحامة) وإلى قرابة ما بينهما. تأثّر الحدّاد بأفكار محمّد علي الحامي وانخرط في مشروعه النقابي الوليد “جامعة عموم العملة التونسيّة”، وليست “جامعة عموم العملة التونسيين”. والتسمية هنا مهمة جدًا. فالجامعة تونسيّة (على نقيض النقابات الأخرى الفرنسيّة) ولكنها موجّهة لكل العمّال التونسيين والفرنسيين والمالطيين والإيطاليين. 

تلك النقابة الوليدة والتي وصلت أصداؤها حتى الحوض المنجمي (أين تدور أحداث المسلسل) وحاولت الدّخول إلى هناك، ونجد تفاصيل ضافية عن ذلك في كتاب الحدّاد “العمّال التونسيين” (بداية من ص 185)، مثلت تهديدًا حقيقيًا للنقابات الفرنسيّة وتهديدًا للعصب الاقتصادي الفرنسي خاصة مع اقترابها من المناجم والشركات الزراعيّة الكبرى. لذلك حدث التحالف الثلاثي الكبير بين الإقامة العامة والحزب الدستوري والنقابات الفرنسيّة لضرب نقابة الحامي والحدّاد.

كان الرّجل المتصلّب محيي الدّين القليبي، أحد أهم الحاضرين داخل هذه المعادلة. فقد كانت وعود الإقامة العامة لقيادات الحزب بأنّ تصدّيهم للنقابة الوليدة سيمكنهم من الحصول على بعض الإصلاحات السياسية. فانخرط الحزب بشكل كبير في مقاومة “جامعة عموم العملة التونسية”، ومعلنًا في بيان شهير نشر بجريدة “النّهضة” دعوته العمّال التونسيين إلى الانضمام للنقابات الفرنسية ومقاطعة جامعة عموم العملة التونسيين!

يشير إلى ذلك بشكل مُفصّل رفيق الطّاهر الحدّاد وصديقه أحمد الدّرعي في كتابه “دفاعا عن الطّاهر الحدّاد”، وإلى الاجتماع الذي جمع كاتب عام اتحاد النقابات الفرنسيّة ممثلي الحزب الدستوري والحزب الإصلاحي والقسم التونسي من المجلس الكبير، مؤكدًا وجود “إمضاءات أعضاء اللجنة التنفيذيّة على البيان” (ص 113).

كانت تلك البذرة الأولى للخلاف: الموقف من نقابة محمّد علي الحامي، والتي انتهت سريعًا ونفي زعيمها ووثقها الطّاهر الحدّاد في كتابه “العمّال التونسيون” والذي صادرته الإقامة العامة عند صدوره ومنعت تداوله. ليتواصل الخلاف بعد ذلك بين الحزب والحدّاد حتى صدور كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” في العام 1930، بأكثر حدّة، ويستمر حتى وفاته في ديسمبر من العام 1935. 

في الجزء الأوّل من ثلاثيته الرائعة “تاريخ التكفير في تونس” (وهو بين قوسين واحد من أهم الكتب في التاريخ الاجتماعي والثقافي التونسي ومن أكثرها اتقانًا) يقول الدكتور شُكري المبخوت، بعد عرضٍ مفصّل وشاملْ لمسألة الخلاف بين الحزب (خاصة محيي الدّين القليبي) والحدّاد حول حركة محمّد علي الحامي: “بهذا تعمّقت الأحقاد بين القليبي والحدّاد وكان كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” فرصة للثأر من هذا المتمرّد”، مضيفًا: “فالبيّنُ إذن أنّ اللجنة التنفيذيّة للحزب الحر الدستوري كانت وراء الحملة وتحديدًا محيي الدّين القليبي” (ص 191).

في لقطة مهمة في الحلقة التاسعة يظهر أحد قادة الحزب الدستوري الجديد، المنشّق قبل شهور عن الحزب القديم، واسمه محمود (قد يكون محمود الماطري) وهو ينتقدُ محاضرة للطاهر الحدّاد حول حريّة المرأة، مؤكدًا أنّه ليس ضد أفكار الحدّاد ولكنه ضد طرحها في هذا السياق وفي هذه الظروف “حريّة المرأة من حريّة بلادها”. وهذا هو الموقف الفعلي للحزب الوليد وزعيمه الشاب حينها الحبيب بورقيبة، وفي هذا السياق يقول الدكتور شُكري المبخوت: “بيد أنّه من المُفيد تدقيق موقفي بورقيبة والحدّاد من مسألة تحرير المرأة ضمن السياق الأيديولوجي والسياسي لتلك الفترة. فالتباين بين موقفهما واضح. ولازم بورقيبة الصّمت عند التنكيل بالحدّاد رغم أنّهما متفقان جوهريًا” (ص 197).

وللتوسّع في هذا التفصيل خاصة علاقة بورقيبة بمسألة تحرير المرأة تحت الاستعمار وبقضيّة الطاهر الحدّاد، يمكن العودة إلى كتاب لطفي حاجي “بورقيبة والإسلام : الزعامة والإمامة” والذي يضيء هذه الزاوية بشكلٍ مستفيض. كما يمكن العودة بشكل ممتع جدًا في قضيّة علاقة الحزب الدستوري بالطّاهر الحدّاد إلى كتابين جديدين ومهمين جدًا: الأوّل “معركة السفور واللقاء المؤجّل” للدكتور محمد لطفي الشايبي، والثاني كتاب “حقيقة العلاقة بين الحزب الحرّ الدستوري التونسي وجامعة عموم العملة التونسية” للدكتور كرّاي القسنطيني، والذي توسّع في مسألة خلاف الحزب القديم مع نقابة محمّد علي الحامي، وخاصة نشره وتحقيقه وثيقة مخطوطة لمحي الدين القليبي حول الموضوع. 

** ثلاثيّة القبيلة المنجم والنقابة: 

عندما قرأتُ “مُدن الملح” لعبد الرحمان منيف، منذ سنوات، بقيتُ لشهورٍ منتشيًا بذلك الخدرِ اللذيذ للنصوص العظيمة والجبّارة في الأدب. العمل الملحمي الذي رصد تحوّلات مجتمع الجزيرة العربية زمن اكتشاف النّفط، وقصّة تشكيل وتشكّلً المملكة السعوديّة. 

وبلا شكٍّ كلّنا أحببنا متعب الهذّال، رجلُ الرّواية المنهك والمهزوم أمام التحولات المتسارعة لوادي العيون. الحديد والنّفط والسياسة والنصارى والدّين وغربة الإنسان المشدود إلى الماضي في زمن التحّولات السريعة والطاحنة. متعب الهذّال كان أضعف من أن يهزم النّفط والتحولات الاجتماعية والثقافيّة التي ترافق تلك المشاريع التي تهز المجتمعات وتنفضها بعنف.

في تونس، وقبل العام 1885 وكما تقول الدكتورة عائشة التايب ” لم تكن مناطق الرديف والمظيلة والمتلوي وأم العرائس والتي تمثّل اليوم كبرى مناطق الاستغلال المنجمي بولاية قفصة بالجنوب الغربي التونسي، سوى مرتفعات جبلية عديمة الجدوى تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة من ماء وخصب” (التحولات الحضرية بمناطق الاستغلال المنجمي بالمغرب العربي). إلا أن هذا المشهد العام سوف يتغير منذ 1885، تقول الباحثة، تاريخ قدوم البعثة الاستكشافية الفرنسية والمهندس العسكري فيليب توماس، الذي أكد في ديسمبر من نفس السنة وجود طبقات من الفسفاط الجيري قابلة للاستخراج وممتدة على حوالي 80 كلم من جبال ثالجة الى ميداس (نفس المصدر).

كانت التحولات بعد ذلك، التي طرأت على المنطقة تشبه كثيرًا، تلك التحولات التي عاينها متعب الهذّال في صحراء الخليج العربي. فقد انتصبت الشركات وفُجّرت المناجم و”الدواميس” وشيّدت القرى لتوطين الأهالي والعمّال الأوروبيين والمغاربيين القادمين (أو استقدموا) للعمل في “الكبّانيّة”.

انتقل البدوي الهمّامي أو من أولاد سيدي عبيد من حياة البداوة والترحال والخيمة إلى حياة الاستقرار والأكواخ والمنازل. كان  “العنف الاستعماري” موظفًا بشكل كبير في مشروع توطين الرّحل والبدو وتشييد السدود وتحويل الحياة من نظام رعوي إلى نظام زراعي، ولشدّ السكّان إلى الاستقرار بهدف توظيفهم في شركات الفسفاط الوليدة. لكن ذلك كان مخاضًا عسيرًا وطويلاً حيث ” لم يكن مسار تحويل وجهة عقليّة البدوي البسيط وشدّ انتباهه لما في أحشاء أرضه مسارا هيّنا أو ممكنا في بدايات الاستغلال المنجمي، ووجدت الشركات الاستعمارية المستغلة للمنجم نفسها عاجزة، في البداية عن استقطاب يد عاملة محليّة والقفز بها من ممارسة نشاط الرعي في الصحراء الممتدة إلى ممارسة العمل الأجير في جوف الأرض” (عايشة التايب- نفس المصدر).

عزوف الأهالي عن الاستقرار والاستكانة عن حياة الترحال والبدواة، تواصل حتى العقد الثاني من القرن العشرين، حيث يشير حفيظ الطبابي إلى أنّه “”لم تُلاحظ مساكن حجريّة للأهالي إلاّ مع عشرينات القرن الماضي فقد لوحظت هذه المساكن المبنية في أغلبها بالطّوب والقصب وأعناق النّخيل” (سلسلة: تاريخ الحركة الوطنيّة، عدد 12- ص79).

وهذا المشهد الأخير لحالة المنازل، يرسمه المسلسل بدقّة من خلال تصويره لمساكن الأهالي في الثلاثينات. بيوت مسقفة بـ”الصنور” وأنهجٌ فوضويّة التنظيم، على نقيض الحي الأوروبي المنظّم والنّظيف والذي توجد فيه كلّ المرافق حتى الحانة. 

عزوف الأهالي عن تقبّل العمل في المناجم “خلال مراحل الاستغلال الأولى”، دفع السلطات الاستعمارية إلى “استقدام يد عاملة من مناطق أخرى من البلاد التونسية ومن الجزائر ومن المغرب الأقصى. وقد سخّرت لذلك هياكل خاصة اهتمت بتأمين عملية توفير واستجلاب اليد العاملة غير المحليّة” (عايشة التايب -نفس المصدر).

وهكذا تشكّلت الفسيفساء الاجتماعية في الحوض المنجمي وفي الرديف (حيث تدور أحداث المسلسل): تونسيون (أولاد بويحيى وأولاد سيدي عبيد، وجريديّة (من الجريد التونسي) وجزائريون ومغاربة وطرابليسون وفرنسيون وأوروبيون (ايطاليون ومالطيون بحضورهم الكثيف في كامل مناطق تونس منذ القرن التاسع عشر). ويمكننا أن نسمع ذلك التقسيم بشكل واضحٍ في الحلقة الثالثة من المسلسل، حين يرشدُ أحد الرعاة القادم الجديد إلى المنجم “إبراهيم” إلى أحياء القرية. 

يمكننا أن نرصدُ، في الأحداث وفي الصّورة، تلك الثنائيّة التي تناولتها الدراسات الانتروبولوجية والسوسيولوجيّة في تحولات الفضاء والإنسان من البادية والبداوة إلى المدينة والتمدّن، ثنائيّة كتب فيها ابن خلدون باستفاضة ويمكننا وضعها -بارتياح كبير- في قلب نظريّة دوركايم عن التطوّر من “التضامن الآلي” إلى “التضامن العضوي”. 

يمكننا أن نشاهد تلك الفسيفساء الاجتماعية التي نُحتت بفضل الفسفاط في الحوض المنجمي التونسي، عبر كامل أحداث المسلسل، مع دقّة مُبهرة في التوثيق الانتروبولوجي عبر اللباس واللهجة. الجبّة التونسية والبلوزة والشاشيّة الحمراء، الجرد الابيض الليبي والزّابون والشاشيّة السوداء عند الطرابلسيين، والجبّة السوفيّة الخفيفة عند الجزائريين والجلباب المغربي ذو الطربوش المثلث عند المغاربة وشخصيّة “الماروكي”. كانت اللهجات قريبة جدًا لكل التشكيلات الاجتماعية. فقط، وعلى نقيض الضعف الواضح والتكلّف في اللهجة الطرابلسية عند توفيق العايب (خيرك؟ التي يكرّرها حتى في غير سياقاتها و”نَا” التي تتنافر مع “أني” التي يستعملها الطرابلسيون للحديث عن ضمير المتكلّم)، فقد أتقن الزين موقو أداء اللهجة في دور “العيدي الطرابلسي” التاجر (باهِيُو؟).

وهنا إشارة أخرى مهمّة ومتقَنة. فقد اشتهر الطرابلسيون الذي وفدوا إلى الحوض المنجمي، بداية القرن الماضي، بأنّهم بالإضافة إلى عملهم في المناجم فقد اشتغلوا كذلك في التجارة. يشير إلى ذلك الدكتور أحمد ابراهيم أبوالقاسم في كتابه المرجعي المهم “المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسيّة 1911-1957”. كما تحفظ، ذلك أيضًا، الذّاكرة الأهليّة في الحوض المنجمي هذه الميزة للطرابلسيين. 

كان ذلك مخاضَ انتقالٍ عسير وطويل ومرجعي لمن يبتغي دراسة التحولات الاجتماعية، وثّق المسلسل -بشكل رائع- أحد فصوله، وفتراته. وأتقن كاتب السيناريو والمخرج، رسمهُ بدقّة وصرامة تاريخيّة بالغةَ. فباستثناء شكل “الشكبّة” التي يلعب بها العمّال في المقهى التي لا يمكن -في الحقيقة- التأكّد من تطابقها مع الشّكل الحالي المتداول في السّوق، فإنّ كلّ شيء بدا متناسبًا بدقّة مع السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي لتلك الفترة ولذلك الفضاء. 

في كتابه الرّائع والمُهيب والممتع والمتميّز “من البداوة إلى المنجم” اشتغل الدكتور حفيظ الطبابي، تحديدًا على مسيرة هذا المخاض بتحولاته الاجتماعية والثقافية والاقتصاديّة. وهو كتاب لابدّ من العودة له لكل من يريد يفهم التاريخ الحديث والمعاصر لمنطقة الحوض المنجمي. 

يرصدُ الدكتور حفيظ الطبابي تقريبًا كل شيء في علاقة بالمسائل الاجتماعية في المنطقة، بين التاريخي والسوسيولوجي والانتروبولوجي، بشكلٍ يفرضُ عليّا دعوة كلّ من شاهد المسلسل (تونسيين وعموم المغاربة) أو ينوي مشاهدته، أن يذهب بعد ذلك -مباشرةً- إلى الكتاب. ومن هناك يمكنه أن يفهمَ أحد أهمّ أضلع المسلسل، وأقصدُ مسألة النقابات. 

التاريخُ النقابي في الحوض المنجمي، هو تقريبًا تاريخ الحوض المنجمي نفسه منذ بداية القرن إلى انتفاضة العام 2008 وإلى اليوم وقضيّة توقّف الإنتاج والإضرابات التي أرهقت الاقتصاد التونسي بعد العام 2011. 

شخصيّة “دحّة الجريدي” الرّائعة، والممتعة والطريفة والمميزة بأدائها التمثيلي المُبهر، والتي أدّاها الممثل حمّادي عمّار بشكل شديد الإتقان، تحيلك بشكلٍ ممتع، إلى ضرورة فهم المسألة النقابيّة. وفي الحقيقة، لا يمكن فهم تلك المسألة بدون فهم تداخلها مع المسألة القبليّة، ودون فهم مسيرة التحوّل الاجتماعي الشامل. أو كيف تراجعت (بدون أن تغيب) المؤسسات التقليديّة، الاجتماعية والدّينية، لتترك مساحات أوسع للنقابة وللزعيم النقابي. 

في تلك الفترة التي يصوّرها المسلسل ويحضرُ فيها دحّة الجريدي بطيفه المُبهج، فترة الثلاثينات، وكما يشير الطبابي في دراسة له ضمن ندوة لمعهد تاريخ الحركة الوطنية، أدّى “انتصاب مؤسسات احتكاريّة منجميّة إلى قيام علاقات اجتماعية رأسماليّة أساسها نظام الأجرة ومن ناحية أخرى حافظت المجموعات العمّالية على علاقاتها الاجتماعية ما قبل الرأسمالية خارج المنجم” (سلسلة: تاريخ الحركة الوطنيّة، عدد 12- ص89).

وهكذا كنت تجد القبلي المتداخل مع النقابي في مجتمع لم يتخلّص من بداوته ولم يقع تحديثه بشكل كامل، وتجد رهان السلطات الاستعماريّة وإدارة الشركة على اللعب على تلك التناقضات الاجتماعية والعشائريّة القائمة لضرب الصف النقابي. وهي مسألة تاريخيّة مهمّة، يوضّحها المسلسل، بشكل صريح، من خلال مراهنة مدير الشركة على إثارة النعرات بين أولاد بوحيى وأولاد سيدي عبيد لإضعاف العمل النقابي وإفشال الإضرابات.

cb54a9960830e6deaea48998500b88b08deb6fc6

** على سبيل الخاتمة: 

مسكونًا بصورة متعب الهذّال، ومهووسًا بالأعمال الفنيّة التي ترصد التحولات الاجتماعيّة، لا يمكنني -ختامًا- إلاّ أن أسجّل إعجابي بهذا العمل الدرامي المبهر. مُبهرٌ في كتابته أساسًا. لأنّه لا يخلو من ضعف تقني واضح، ربّما يعود ذلك إلى أنه أنتج قبل عشرين عامًا، كما لا يمكن إغفال بعض المبالغة أحيانًا في الحوارات، خاصة في فضاءات الباديّة والإصرار على المسحة الشّعرية والسّجعية الثقيلة. ولكن بخلاف ذلك كان المسلسل مثيرًا في استفزاز العقل التاريخي للمتلقي. إشارات تاريخيّة رائعة وذكيّة، وإضاءات سوسيولوجيّة وانتروبولوجيّة لا يمكن إنكار دقّة الاشتغال عليها في مستوى الكتابة. 

تحضرُ “الزّردة” ذلك الطّقس الدّيني الشعبي، الصميم، الذي لا تخلو منه منطقة تونسية أو مغاربيّة. تحضرُ الزّردة بكل تفاصيلها ومعالمها ووظائفها، بما في ذلك كونها مساحة نادرةً في المجتمعات القبليّة، للاختلاط والتقارب بين الذكّور والاناث للتعارف والزواج. ويحضر “موريس” الشيوعي الفرنسي الذي يهمّ بالعودة إلى باريس لمقاومة الاحتلال النازي. ويحضرُ راديو برلين بدعايته ضد الفرنسيين التي يتقبلها التونسيون بكل بهجة وحماس. ويحضر خطاب ديغول التاريخي من لندن لاستنفار الفرنسيين للمقاومة. 

في مشهدٍ دقيق، يؤدّي سربٌ من الحُجّاج المتجهين إلى بيت الله الحرام، أحد الصلوات جماعةً أمام متجرِ العيدي الطرابلسي، وكانت الإشارة شديدة الدقّة في مشهد إسدال اليدين في الصلاة (إرسال اليدين في الصلاة) وهي ميزة المذهب المالكي، الذي يعتنقه عامة الشّعب، بينما يعتنق المخزن الحسيني/ التركي المذهب الحنفي. 

عارم التي تلتحق في النهاية بالمقاومة المسلحة، وتقتل “شيخ التراب”، ليردّد الأهالي المستبطنون لبطشه وعمالته للاستعمار قائلين “عاش كلب ومات كلب”، تبدو كأنها محور القصّة. قصّة المرأة التونسيّة والمغاربية المضطهدة تحت الاستعمار. الذي لم بذل جهده “بعنفٍ” في كلّ شيء إلاّ في قضيّة المرأة. 

عارم، بمأساوية حضورها ودراميّة حياتها، تبدو وكأنها لا فقط قصّة المسلسل، بل أيضًا قصّة كان يريدُ أن يحكيها الطاهر الحدّاد.

المراجع:

حفيظ الطبابي: من البداوة إلى المنجم 

حفيظ الطبابي: حول أزمة المجتمع الرّعوي التقليدي خلال الفترة الاستعماريّة (دراسة معهد تاريخ الحركة الوطنية)

عائشة التايب: لتحولات الحضرية بمناطق الاستغلال المنجمي بالمغرب العربي (دراسة مجلة انسانيات) 

خالد الطبابي: الرهانات الاجتماعية والاقتصادية للتشغيل الهش (دارسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) 

شكري المبخوت: تاريخ التكفير في تونس (الجزء الأول) 

منيرة شرّاد: الدول وحقوق المرأة : نشأة تونس والجزائروالمغرب، في مرحلة ما بعد الإستعمار

محمد نجيب بوطالب: سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي

الأب أندريه لويس- بدو الأمس وبدو اليوم

الطاهر الحدّاد: العمال التونسيون 

أحمد الدرعي: دفاعا عن الطاهر الحدّاد 

نورة الوسلاتي: تمثّل البداوة 

أحمد ابراهيم أبوالقاسم: المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسيّة 1911-1957

محمد الناصر بالطيب والضاوي موسى: ضو الاطرش بين شعر الوطن ونجع الشعر

منصور بوليفة: صحائف من تاريخ تطاوين الحديث

الأزهر الماجري: القبيلة الولائية والاستعمار، أولاد سيدي عبيد والاستعمار الفرنسي في تونس والجزائر 

فيلم وثائقي: الطاهر الحدّاد 

فيلم وثائقي: العمّال والسياسة في تونس.

#عن #دحة #الجريدي #في #الدراما #والثلاثينات #وأنتروبولوجيا #المناجم

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد