- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

فن ما بعد أوسلو…من مزاولة التفكيك الى وصل المُفكك

في إطار دعوتها من قبل “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”-باريس، للحديث عن بحثها في الفن المعاصر الفلسطيني، تمكنت الأنتربولوغ ماريون سليتين، التي حاورتها رشا أبازيد، من تقديم بانوراما موسعة عن ذلك الفن، وعن تاريخه، بالفضل عن إنتاجه لما سمّتها “الأنماط الجديدة للإلتزام”.

انطلقت سليتين من تاريخ الفن الفلسطيني، محقبةً إياه على ثلاثة مراحل. المرحلة الأولى هي مرحلة فن النكبة، الذي كان، وفي الغالب منه، يدور حول الرسم، الذي استطاع أن يمثل اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم في اثر الاحتلال الإسرائيلي، ما جعل لوحته، وعلى عمومها، تنطوي على معنى مأسوي. في المرحلة الثانية، تحول فن النكبة الى فن مختلف، وهو فن الثورة، بحيث أنه رافق الثورة الفلسطينية، لا سيما أن الشخصية الرئيسية فيها، أي ياسر عرفات، كان قد اهتم به، ونظر اليه على أساس أنه “سلاح”. بالطبع، كان هذا الفن يقوم بتمثيل اساطير تلك الثورة، أو بالمشاركة في تركيزها وصناعتها أيضاً، وبالتالي، اتسم بها بالكامل، ليكون فناً يعد الفلسطينيين بالوطن المفقود بعدما كان وطناً يشير الى اجتثاثهم منه، وإبعادهم عنه.

على أن هذا الفن، الذي اشتمل على الرسم والأفيش والأفلمة، انتهى الى الأرشيف، وفي النتيجة، أخد مكانه فن غيره، تسميه سليتين، وفي مرحلته الثالثة، فن “ما بعد أوسلو”، فن “بوست-أوسلو”، وهو يتصف بتعدد وسائطه، وعلى رأسها الصورة، التي صارت تجاور اللوحة مثلما انها تغيبها أيضاً، وهذا ما يتعلق بسطوتها ربما، لكن، أيضاً، بميل الى الاقتراب من تمثيل الأوضاع الفلسطينية مثلما هي فعلياً أو مثلما يجب أن تكون. وهذا، تماما كما في “السموكينغ آرت”، الذي يزاوله توفيق جبريل، عاملاً الى تبديل الصور رقمياً. بالإضافة الى ذلك، تتعدد طرق نشر الفن في مرحلة ما بعد اوسلو، لا سيما بالاعتماد على الانترنت. فالفنانات والفنانون الفلسطينيون، الذين عمدت الانتروبولوغ الى دراسة اعمالهم، يعيشون في غزة والقدس ورام الله، وهم، في الواقع، يعيشون تحت الحصار الذي يمنعهم من التحرك مثلما يبغون، وبالتالي، يركنون الى وسائل لإذاعة انتاجهم عبر الشبكة العنكبوتية، التي سرعان ما تجعلهم، وفي بعض الاحيان، يوصلونه الى العالمية.

تشير سليتين الى أن فن ما بعد أوسلو هو فن التفكيك بامتياز، الذي يطاول كل ما حملته المرحلتين السابقتين عليه. فعلى سبيل المثال، يفكك هذا الفن البطولة الوطنية الفلسطينية. فبعدما كان البطل الفلسطيني هو صاحب الطلة المستقيمة بقبضة مرفوعة الى الأعلى، حيث تبدو الشمس على ضآلة فوقه، صار هذا البطل شخصاً عادياً، يحتفظ بكوفيته، ويجلس على كرسي في الطريق من دون أن يلتفت إليه أحد. قد يصح وصفه بالبطل المكسور، وفي الوقت نفسه، هو ليس كذلك، بحيث أنه بطل عادي، أو يومي، لا يترك لأسطورته فرصة ابتلاعه. الأمر نفسه ينسحب على الوضع التمثيلي للنساء، اللواتي اختُزلِن، في المرحلتين السابقتين للفن الفلسطيني، برمزية آحادية، جعلتهن جميعهن رمز الأم-الأرض-الوطن. وفي فن ما بعد أوسلو، تغير هذا الوضع، لتصنع الفنانات وضعاً مختلفاً عنه بحسب واقعهن الحالي، حيث يقاومن سلطة الاحتلال من جهة وسلطة المجتمع الذكَري من جهة أخرى، وخلال ذلك، ينتقدن اختزالهن في حاملة البرتقال أو حارسة الكرم.

في السياق نفسه، يسكن فنَّ ما بعد أوسلو هَمُّ التواصل مع العالم، بحيث انه يَصل قضاياه المتنوعة بقضايا كونية، تماماً كما في رسم تاكي سباتين، لجورج فلويد، كفلسطيني، من دون أن يكون قد ولد أو عاش في فلسطين. ومن الناحية عينها، لا تتوقف سياسة فن ما بعد أوسلو على تصوير الفلسطينيين بما هم ضحايا فقط، بل إنها تصرفهم من الضحوية، فلا يعودون، وبفعلها، مجرد أعداد من المهجرين والقتلى. إنما هم قادرون، وكما بدوا على السجادة الحمراء في مهرجان غزة السينمائي، على السخرية من العالم رغم حصارهم. فعلياً، فن ما بعد أوسلو هو فن متهكم للغاية، وموضوع تهكمه ليس أساطير الوطنية فحسب، بل أيضاً، الفن في حد ذاته، فغالباً ما يظهره صنّاعه على أنه ليس موضوعاً يعولون عليه. فالتعويل على الفن هو فعل من الماضي، أما في الحاضر، فهو، وأمام كل ما يعيشه صنّاعه في بلدهم، يصلح، للاعتياش ببداهة، ولكن، وبالتوازي مع هذا، لربط صنّاعه بعضهم ببعض. كما لو أن مفارقة فن ما بعد أوسلو أنه فن التفكيك الذي يصلح لربط المفكك، أي أرجاء فلسطين المتباعدة.

لكن، هل هذا الفن هو فن معاصر؟ لا تطلق سليتين وصف “معاصر” على فن ما بعد أوسلو سوى بحذر. فصحيح أنه مُشجَّع مالياً من قبل مؤسسات وجمعيات الفن المعاصر، وصحيح أن هذه المؤسسات والجمعيات تشارك في نشره أو تصديره دولياً. لكن هذا كله لا يؤدي الى وصفه بالمعاصر بطريقة حاسمة. فخانة “المعاصر” تتعلق بتأريخ فني أوروبي، لا يندرج الفن الفلسطيني في سياقه مباشرة وبوضوح، وهذا، رغم كونه على اتصال تأثّري به. ولهذا، يصح القول إن فن ما بعد أوسلو يوصف بذاته، لا سيما أن صنّاعه، الذين التقتهم سليتين لا يأبهون للتمييز بين الفن حديث والفن المعاصر، وذلك، من دون أن يقدموا أعمالهم على أنها تصدر بتمامها عن وجهات ما في هذين الفنّين.


#فن #ما #بعد #أوسلومن #مزاولة #التفكيك #الى #وصل #المفكك

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد