- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

كتاب آنا بورتشيفسكايا «حرب بوتين في سوريا»: تحقيق حلم بريماكوف حول عودة روسيا كلاعبٍ أساسي في الشرق الأوسط | القدس العربي

من الأمور الصعبة في مجال مراجعة كتب البحث السياسي التاريخي، اختيار كتب تتضمن معلومات هامة ومفيدة للقارئ، ولكن مؤلفها أو مؤلفتها يميلان بوضوح لجهة سياسية ضد جهة أخرى . ومن المثمر في تلك الحالة التركيز على قيمتها المعلوماتية عندما تتواجد مثل تلك القيمة.
ولعل هذا ما ينطبق على كتاب صدر مؤخرا بعنوان «حرب بوتين في سوريا» لمؤلفته آنا بورتشيفسكايا، الزميلة الباحثة في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» وفي «المؤسسة الأوروبية للديمقراطية» المؤيدين لسياسات أمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط والعالم والمنتقدين لسياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا والمنطقة عموماً.
فمن مُقدمة الكتاب حتى خلاصته، تشّن المؤلفة هجوماً عنيفاً ضد تدخل روسيا، بقيادة الرئيس الروسي بوتين، في الشأن السوري، ولكنها ترى في الوقت عينه بأن بوتين تجنَّب ارتكاب الأخطاء التي ارتكبها الاتحاد السوفييتي السابق لدى تدخله العسكري في أفغانستان ما أدى إلى إنهياره وتحوله إلى دولة روسيا الاتحادية الأقل نفوذاً من السابق.
المؤلفة ولدت في روسيا، ولكنها تحمل حاليا الجنسية الأمريكية بعدما عملت في مناصب بحثية مرتبطة بسياسات روسيا في أفغانستان والشرق الأوسط في مؤسسات مقربة من المعسكر الغربي.
المقاربة الأساسية لهذا الكتاب تعتبر بأن النظام السوري الحالي ما كان ليستمر لولا دعم روسيا بقيادة بوتين له وان روسيا، منذ أيام حقبة الاتحاد السوفييتي وقبل ذلك في مرحلة القياصرة، تعتبر نفسها مرتبطة إثنياً وحتى دينياً بالمجموعات الارثوذكسية المسيحية في سوريا وفي فلسطين والمشرق العربي وهي تستمد انتشارها السياسي والاقتصادي في المنطقة عبر دورها في حماية هذه المجموعات بحسب إستراتيجيتها التوسعية. وتؤكد الكاتبة ان بوتين تعلَّم دروساً وافية من فشل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتجنب ارتكابها في سوريا.
ومن أهم المعلومات والتحليلات الواردة فيه، والتي تثبت جدّية كاتبته كباحثة، ما أوردته عن التأثير الواضح والمستمر بعد وفاة وزير الخارجية ورئيس الوزراء الروسي الراحل يفغيني بريماكوف، كبير خبراء موسكو في شؤون الشرق الأوسط في العقود الأخيرة على سياسات بوتين في سوريا والدول المجاورة لها والمنطقه حالياً، وأهمية الانتشار الروسي جنوبا في العالم العربي والإسلامي.
وكان الرئيس الروسي بوريس يلتسن عَيّنَ في كانون الثاني/يناير1996 بريماكوف وزيراً للخارجية. وفي السنة نفسها، دخل بوتين، المسؤول السابق في الاستخبارات السوفييتية «كي.جي.بي» في الحكومة الروسية كمساعد ومن ثمة كمدير «المؤسسة الفدرالية للأمن الروسي» (خليفة ال كي.جي.بي) وكالأمين العام لمجلس الأمن الروسي. وكان بريماكوف قد تواجه مع الدول الغربية حول مواقفها في العراق والبوسنة وتوسيع مجموعة «الناتو» ودعا إلى عالم غير أحادي تقوده أطرافٌ متعددة وليس الولايات المتحدة بمفردها. ولدى تسلّمه منصب رئاسة الحكومة في عام 1998 أكدّ بأن «روسيا أكثر قرباً ثقافياً وحضارياً من المنطقة
الشرق الأوسط من أمريكا لتواجد ملايين المسلمين في أراضيها كمواطنين فيها يتعايشون مع السكان المسلمين والمسيحيين وبأن روسيا لم تستعمر يوما الشرق الأوسط كما فعلت الدول الغربية كبريطانيا وفرنسا ولكنها لعبت دائما دور الوسيط» (ص 36-37).
وقد أقنع بريماكوف الرئيس يلتسن بان الولايات المتحدة تحاول تهميش دور روسيا في الشرق الأوسط وبان روسيا بامكانها ان تستعد دورها الرئيسي عبر تعزيز نفوذها في سوريا وإيران (ص37). وهذه السياسة أثرت كثيراً في مواقف بوتين الحالية حسب المؤلفة، ودفعته لاتخاذ مبادراته الداعمة للبلدين. وقد حاول الكرملين، عبر نفوذ بريماكوف، رفع العقوبات عن العراق بقيادة الرئيس صدام حسين، وتواجه مع سياسات أمريكا وحلفائها فيما تواجدت جهات في القيادة الروسية فضلت التنسيق مع واشنطن في هذا المجال في مطلع التسعينات من القرن الماضي. وقد قاد بريماكوف المبادرات الروسية الدبلوماسية في المجال العراقي بهدف استعادة دور روسيا كلاعبٍ أساسي في المنطقة ولمنع هيمنة أمريكا على القرارات، وهذا أمرٌ يفعله بوتين حاليا عسكرياً وسياسياً في سوريا والمنطقة عموما، حسب الكتاب.
وبالرغم من ان المؤلفة تندد بعدم تعامل الرئيس العراقي السابق صدام حسين مع مفتشي الأمم المتحدة بتسهيل وإيجابية ربما بسبب ميلها لتفهم المواقف الأمريكية والغربية عموماً، فإن اشارتها إلى تأثير بريماكوف على بوتين له أهمية كبيرة.
تقول الكاتبة ان بريماكوف، وعندما علم في آذار/مارس 1999 بان الولايات المتحدة قصفت بلغراد عاصمة يوغسلافيا، في يوم عيد الفصح الارثوذكسي، قرر بان المواجهة العسكرية مع واشنطن أصبحت خياراً محتوماً وبالتالي، قّرر استخدام مرتزقة «شركات روسية أمنية خاصة» لمواجهة الولايات المتحدة هناك كما فعل بوتين لاحقا في سوريا حسب رأي المؤلفة، باستخدامه مجموعة «فاغنر» الأمنية الخاصة لمواجهة الثوار. وتضم هذه المجموعة عسكريين روسيين متقاعدين (ص40).
عنوان الفصل الرابع من الكتاب، هو: «بوتين يعيد روسيا إلى الشرق الأوسط» ومن خلاله، تحاول الكاتبة تصوير بوتين وكأنه ضابط في «كي.جي.بي» يحاول تقويض وتقليص سلطة أمريكا (التي يكرهها) في الشرق الأوسط وبان قيادات الغرب ما زالت لا تدرك هذه الحقيقة، وبان بوتين يلوم واشنطن على جميع مشاكل روسيا. كما تعتبر بان قلقه في هذا المجال وسواسي مرضي، وبان بوتين لم يكن بالفعل يواجه ما يسميه «الإرهاب» في سوريا، بل يواجه هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة وبانه كان مقتنعاً بان واشنطن تحرك الانتفاضات والثورات الشعبية في الشرق الأوسط وبأنها تدعم انهيار النظام الروسي الذي يقوده هو عن طريق دعم معارضيه بشتى الوسائل في سوريا وفي الشيشان وأوكرانيا وبعض الدول التي كانت سابقاً في المعسكر السوفييتي وعموماً في دول الشرق الأوسط وآسيا (ص47).
وتوضح المؤلفة بان لب رؤية بريماكوف للشرق الأوسط في نهاية تسعينيات القرن الماضي كانت استعادة دور روسيا كدولة عظمى في المنطقة في عالم متعدد الأطراف، عبر مواجهة الهيمنة الأمريكية، وان عودة دورها الأساسي في الشرق الأوسط يشكل الخطوة الأولى في هذا المجال، وهذا ما يحاول فعله بوتين (ص48).
وتزيد قائلة ان بريماكوف اعتبر بان غزو أمريكا للعراق في عام 2003 ساهم في انتشار الإرهاب، فيما هي تعتبر بانه ساهم إلى حدٍّ ما في انتشار الفكر الليبرالي الحرّ والقضاء على الديكتاتورية والطائفية فيه (ص49).
وتعتبر المؤلفة بان مبيعات الأسلحة الروسية إلى دول المنطقة كانت وما زالت مطيّة في سبيل دعم سياسات روسيا الخارجية عبر استمالة الأطراف المختلفة، وليست لأهداف تجارية واقتصادية فحسب، بينما مبيعات أمريكا في هذا المجال تذهب لدول «مسؤولة» (برأي الكاتبة) تدرك خطورة استخدامها تشمل إسرائيل ودولا متحالفة مع أمريكا (ص 50-51).
وترى بأن بوتين لا يهمه تحقيق الاستقرار في المنطقة بل يناسبه بقاء الوضع غير محسوم، على عكس خضومه، لأنه لا يعتقد بامكانية تحقيق أي وضع دائم الاستقرار. ولذلك فهو يستخدم «البراغماتية» ويمتلك علاقات جيدة بسائر الفئات الطائفية والأثنية وبسائر الحكومات في الشرق الأوسط (ص51-52).
وتتضح مواقف المؤلفة المنددّة بشدة بخيارات بوتين ودعمه للنظام السوري في خلاصة كتابها حيث تنتقد رؤساء أمريكا، من أوباما إلى ترامب وحاليا إلى بايدن لتخاذلهم في ادراك نوايا بوتين الفعلية، كما تحرضُ بايدن على اتخاذ مواقف تصعدية ضد روسيا مشيرة إلى أن روسيا بقيادته تشكل خطراً، ربما أكبر من الصين، وتتحفظ على اتخاذ أوباما وترامب وربما بايدن مواقف تراجعية وانسحابية سلبية ازاء الوجود العسكري الأمريكي في سوريا لكون ذلك يشكل خطراً على «الحلفاء» في المنطقة.
وتقول في هذا المجال: «الولايات المتحدة قلقة على دور الصين وتركّز سياساتها عليه، ولكن عليها ان تقلق على الخطر الآتي من روسيا» (ص169). وتضيف: «روسيا لديها حالياً القواعد العسكريّة البحرية الدائمة في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وهي توسع نفوذها من خلالها في المنطقة وبعدها في أفريقيا. وهي لا تسعى إلى حلحلة العُقَد السياسية كما تسعى الدول الغربية وهي لا تعمل على تبديل الأنظمة الديكتاتورية في سوريا وغيرها في المستقبل القريب ولا إلى بناء الدول كما سعت الدول الغربية إلى فعله في الشرق الأوسط، الولايات المتحدة ذهبت إلى العراق ليس فقط ليس فقط لإنهاء التعامل مع دول تشجع الإرهاب، ولكن لنشر الحرية في ذلك البلد والحوار الشعبي غير المتواجد في أي دولة شرق أوسطية باستثناء إسرائيل، وربما تونس، والذي ستتم خسارته بانسحاب أمريكا من المنطقة» (ص170).
وتنتقل المؤلفة إلى تحريض نظام أمريكا، بقيادة بايدن، على اتخاذ المواقف التي قد تؤدي إلى مواجهات ميدانية في المنطقة.
وهذا توجُهٌ اعتمده سابقا لدى غزو العراق «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» وبعض أربابه والباحثين السابقين والحاليين فيه حيث تعمل المؤلفة.
ومن المنوهين بالكتاب على غلافه الخلفي ديفيد شينكر، المساعد السابق لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب وجاريد كوشنر، وجيمس جيفري ومارك كاتز. وشكرت المؤلفة معهد واشنطن ومديره روبرت ساتلوف ومدير الأبحاث فيه باتريك كلاوسون على دعمهما لها ولكتابها. وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب (ص173-176) تحريض لإدارة بايدن الأمريكية على اتخاذ مواقف حاسمة قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية مع روسيا وإيران في سوريا والمنطقة لضبط مشاريع بوتين وطهران «التي ساهمت في عدم سقوط النظام السوري».
Anna Borshchevskaya:
«Putin’s War in Syria»
I.B.Tauris, London 2022
242 Pages.

#كتاب #آنا #بورتشيفسكايا #حرب #بوتين #في #سوريا #تحقيق #حلم #بريماكوف #حول #عودة #روسيا #كلاعب #أساسي #في #الشرق #الأوسط #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد