- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

لا مفرّ

يقضي مجيد هذلي (58 عاما) حُكما بالسجن 122 عاما وتسعة أشهر في سجن الناظور في بنزرت. كان هذا المقاول السابق يمتلك شركة مُنتِجة، حتى أنّه تعاقد مع الدولة لإعادة تأهيل مبنى وزاري في منطقة القصبة التاريخية بتونس العاصمة. كانت شركته توفر له ولأسرته عيشا كريما، وتُوظف العشرات من عمال البناء.في بداية 2011، أدّت أحداث غير متوقعة إلى تباطؤ إنجاز المشروع، مما تسبب له في بخسائر ماليّة جعلته عاجزا عن سداد ديونه للعديد من المزوّدين، الذين سلّمهم شيكات، وتعهّد بسدادها وفقا لجدول زمني محدد. لكنه لم يتمكّن من تأمين تمويل لهذه الشيكات في الوقت المحدد، فأطلق وكيل الجمهورية إجراءات قانونيّة ضدّه. اعتُقِل في 2015، وأدين في 2016 في محكمة تونسية بسبب عشرات الشيكات غير المسدّدة والتي تجاوزت الموعد المتفق عليه بين الطرفين.يُعتبر الحصول على بضائع من مزوّدين مقابل شيك يُصرَف في تاريخ لاحق ممارسة واسعة الانتشار في القطاع التجاري التونسي. فهو يُمكّن روّاد الأعمال المسجّلين وغير المسجّلين من القيام بعمليات تجاريّة في آجال معيّنة، حتى لو كانوا غير قادرين على دفع ثمن السلع والخدمات على الفور.[1] بموجب هذه الممارسة، يُقدّم المزوّد للتاجر قرضا غير رسمي مضمون بشيك يُصرف في تاريخ لاحق يتفق عليه الطرفان.هذه الممارسة تسمح للتجار بالقيام بعمليّاتهم في أي وقت، حتى لو كانت تنقصهم الأموال أو القدرة على الحصول على قرض بنكي أو أي شكل آخر من أشكال الائتمان. من ناحية أخرى، يفرض المزوّدون نسبة فائدة مقنّعة على ثمن السلع والخدمات بسبب المخاطر المرتبطة بقبول صرف الشيك لاحقا.في بعض الحالات، قد لا يكون لدى صاحب الحساب أموال كافية في رصيده البنكي لصرف الشيك. وعندها قد لا يصرف البنك الشيك ويُعيده إلى المستفيد، وهذا يُعرف بالشيك بدون رصيد أو الشيك المرتجع، ويُعتبر جريمة جنائيّة في تونس. تُعاقب “المجلّة التجاريّة” في تونس إصدار شيك بدون رصيد بالسجن حتى خمس سنوات. لكنّ المادة 11 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة”، وتونس طرف فيه، تنصّ على أنّه “لا يجوز سجن أي إنسان لمجرّد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”. بالتالي، يُعتبر سجن شخص لمجرّد تقديمه لشيك لا يملك الوسائل اللازمة لتوفير رصيد له انتهاكا للقانون الدولي.في تونس، تُرفع دعاوى عدم سداد الديون المتفق عليها عن طريق القروض البنكيّة أو الكمبيالة (lettre de change بالفرنسية) لدى المحاكم المدنية، المسؤولة عن فضّ النزاعات بين الأفراد، وليس بموجب القانون الجنائي. لكن الديون الناجمة عن الشيكات استثناء لهذه القاعدة، وتؤدي تلقائيا إلى الشروع في ملاحقة جنائيّة – وأحيانا إلى دعوى مدنيّة أيضا. بعد انقضاء ثلاثة أشهر عن الإبلاغ عن الشيك بدون رصيد، يتم إرسال إشعار إلى وكيل الجمهوريّة، وهو مطالب باتخاذ إجراءات قانونية بشكل تلقائي ضدّ مُصدِر الشيك. يُعاقب القانون التونسي مُصدري الشيكات بدون رصيد على أنهم ارتكبوا أعمال تحيّل، أي الحصول على منفعة مالية أو فوائد أخرى عبر الخداع.وفقا لـ “الجمعيّة الوطنيّة للمؤسسات الصغرى والمتوسّطة”، هناك حوالي 7,200 شخص رهن الاحتجاز حاليا بسبب شيكات بدون رصيد، جميعهم تقريبا من أصحاب المشاريع في القطاعين الرسمي وغير الرسمي. مع أنه لم تكن هناك معلومات متاحة للعموم عن عدد الأشخاص الموقوفين بسبب الشيك بدون رصيد إلا مؤخرا، قالت الحكومة في بيان في 22 مايو/أيار 2024 أن عددهم كان 496 شخصا.[2] هؤلاء الأشخاص مسجونون ليس لأنهم رفضوا سداد ديونهم الناجمة عن الشيكات، وإنما لأنهم عجزوا عن ذلك لظروف مختلفة (مثلا تأثير جائحة “كوفيد 19” على أعمالهم، والتأخير الكبير في مدفوعات العملاء). وفقا للجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، هناك حالات احتيال حقيقي، لكنها قليلة العدد نسبيا. لا يُفرّق القانون التونسي بين حالات الاحتيال والعجز عن السداد.

Play Video

خطر التعرّض إلى السجن والتحديات التي يواجهها أصحاب المشاريع متناهية الصغر والصغرى والمتوسطة في الحصول على قروض كلها أسباب أدّت إلى مأسسة “شيك الضمان” في القطاع التجاري. تواجه المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تُمثل 90% من الشركات في تونس، صعوبات كبيرة في الحصول على تمويل من القطاع البنكي، خاصة عندما تفتقر إلى ضمانات لكفالة قرض. يقدم شيك الضمان لهؤلاء حلا بديلا عن الائتمان البنكي.وفقا للجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، يعيش آلاف الأشخاص مختبئين في تونس لأنهم مطلوبون للسلطات بسبب شيكات بدون رصيد، بينما فرّ آلاف الآخرين إلى الخارج. تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تفاقم هذه المشكلة. واليوم، في وقت تمرّ فيه تونس بأزمة اقتصادية حادّة، مع نسبة تضخم عالية ونقص في السيولة وديون خارجية كبيرة، تأثرت المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمؤسسات متناهية الصغر بذلك بشكل كبير.أعربت الحكومات المتعاقبة عن استعدادها لتغيير التشريعات الحالية المتعلقة بالشيكات للحؤول دون دخول أصحاب المشاريع إلى السجن بسبب الديون، لكن هذه الإصلاحات لم تتحقق بعد. علي الكعلي، وزير الاقتصاد والمالية والاستثمار من سبتمبر/أيلول 2020 إلى أغسطس/آب 2021 في حكومة هشام المشيشي، أعلن على التلفزيون التونسي أثناء توليه منصبه أنه يؤيّد تغيير القانون لإدخال تبعات غير جزائية للشيكات دون رصيد، وأكّد أن هذه كانت أولويّة لوزارته في ذلك الوقت. كان مجلس نواب الشعب، البرلمان التونسي، ينظر في تعديل المجلّة التجارية لإلغاء تجريم الشيكات المرتجعة، قبل أن يجمّد الرئيس قيس سعيّد أعمال المجلس في يوليو/تموز 2021 ثم يحلّه في مارس/آذار 2022. أعرب الرئيس سعيّد أيضا عن رغبته في تغيير القانون لإلغاء تجريم إصدار شيكات بدون رصيد، وفي عديد المناسبات وجّه وزيرة العدل ليلى جفال إلى تقديم مشروع قانون لهذا الغرض.[3]فضلا عن حرمان المدين من حريته، يتسبب الشيك المرتجع في آثار مدمّرة على أسرته، التي تتدهور ظروفها المعيشية بسبب دخوله السجن أو فراره إلى الخارج وعيشه مختبئا لتجنب السجن. كما تتسبب المديونيّة في عواقب جسدية ونفسية وخيمة للمدين وأقاربه.تميل المحاكم من جانبها إلى التعامل مع قضايا الشيكات بدون رصيد بشكل سريع، فتفرض دفع المبلغ بأكمله، بالإضافة إلى رسوم أخرى، دون تقديم أي بدائل للسجن. ونادرا ما ينظر القاضي في الظروف التي أدّت إلى المأزق المالي الذي وقع فيه صاحب الشيك أو يقترح خطط سداد. يُصدر القاصي قرارا منفصلا بشأن كل شيك دون رصيد، والعقوبات السجنيّة تكون تراكميّة، مما يؤدي إلى الحكم على الأشخاص لعدة عقود في حال وجود شيكات متعددة تعذر سدادها. بالإضافة إلى ذلك، نادرا ما يحظى المدينون بتمثيل قانوني فعال، إما بسبب نقص الموارد أو بسبب الاستسلام في حال العجز عن سداد الدين. إذا سدّد مدين ديونه قبل نطق المحكمة بحكم، تتوقف الملاحقة.السجن بسبب الشيكات بدون رصيد يتسبب أيضا في نتائج عكسيّة لأنّه نادرا ما يؤدي إلى سداد ديون الدائن، وحتى في الحالات التي يتمّ فيها السداد يكون ذلك عموما بسبب الضغط على عائلة المدين للحصول على الأموال، ويتسبب في توقف الكثير من أصحاب المشاريع عن العمل. كما أنّه يكلّف أموالا على الدولة، من خلال مصاريف المحاكم والسجون، ويتسبب في تراكم القضايا ويُساهم في اكتظاظ السجون. في فرنسا، اعتُبر إلغاء تجريم إصدار شيك بدون رصيد في 1991 نجاحا بعد سنتين فقط من تطبيقه لأنّه أدى إلى انخفاض في عدد الشيكات غير النظامية والشيكات من دون رصيد بفضل آلية حظر مصرفي وتدابير وقائيّة لتجنّب عدم تسوية الشيكات بدون رصيد. موريتانيا، التي كان يعتبر فيها استخدام “شيك الضمان” أمرا شائعا، أصلحت قانونها التجاري في 2020 لإلغاء تجريم إصدار شيكات بدون رصيد بغية تعزيز حماية حقوق الإنسان وتحسين مناخ الأعمال.في تونس، حتى أكبر منظمة لأصحاب الأعمال، وهي “الاتحاد العام للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية” (الأوتيكا أو منظمة الأعراف)، التي عارضت لفترة إلغاء تجريم إصدار الشيكات بدون رصيد، غيّرت موقفها في 2023 وأوصت باعتماد آليات وقائية لتجنب عدم سداد الشيكات الصادرة بدلا من السجن كتدبير قسري.يتعين على تونس إلغاء الفصل 411 من المجلة التجارية، الذي يسمح بالسجن بسبب الديون المنجرة عن شيكات، واعتماد تشريعات تتماشى مع المعايير الدولية، وتوفير بدائل للسجن وسبل مستدامة تتيح للدائنين استرجاع ديونهم. يتعين على السلطات التونسية أيضا اعتماد قانون يسمح للأفراد بتقديم إشهار الإعسار الشخصي عندما لا يتمكنون من سداد ديونهم، بناءً على أفضل الممارسات الدوليّة. وفي انتظار التنفيذ السريع لهذه التدابير، ينبغي للسلطات الاستمرار في تطبيق العفو الرئاسي، المُعلن في 10 فبراير/شباط 2022، على الغرامات التي تفرضها الدولة على مُصدِري الشيكات بدون رصيد، وتمديده إلى ما بعد الموعد النهائي المقرّر في ديسمبر/كانون الأول 2023.يتعين على السلطات إطلاق سراح المسجونين بسبب شيكات غير مسدّدة لمجرّد أنهم عجزوا عن سدادها، والسماح بإعادة تأهيلهم، ودعمهم للتوصل إلى خطّة لتسوية ديونهم. يتعين على السلطة القضائية تقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمدينين وأسباب الصعوبات المالية التي يواجهونها في جميع القرارات التي يتم اتخاذها، وتشجيع التسويات خارج المحاكم بين المدينين والدائنين أو تنفيذ خطط السداد. ينبغي لـ”الهيئة الوطنية للمحامين بتونس” والمنظمات المتخصصة في المساعدة القانونيّة تقديم مساعدة للأشخاص المدينين الذين لا يستطيعون توكيل محام.يتعين على “البنك المركزي” وغيره من الأطراف الاقتصادية الفاعلة دعم الحلول التي تجعل الشيكات أداة أكثر أمانا، وتعزيز وصول الشركات الصغرى والمتوسطة والشركات متناهية الصغر إلى تمويل. ينبغي للمانحين والمؤسسات المالية الدولية تقديم مساعدة فنية إلى تونس لتبني إصلاحات تؤدي إلى إلغاء تجريم الشيكات المرتجعة، ووضع قوانين إعسار للأفراد والمؤسسات من شأنها تخفيف ديون الأفراد الذين يعجزون عن تسوية شيكاتهم بدون رصيد. إلى الحكومة والبرلمان التونسيينإلغاء الفصل 411 والأحكام الأخرى في المجلة التجارية التي تنصّ على سجن مُصدري الشيكات بدون رصيد دون أي تمييز بين من يرفض السداد ومن هو عاجز عنه.اعتماد تشريع يتماشى مع المعايير الدولية ولا يؤدّي إلى السجن بسبب الديون، أي تشريع لا يعتبر بشكل تلقائي الشيكات غير المسدّدة احتيالا، بل يأخذ في الاعتبار واقع استخدام الشيك كوسيلة تمويل في قطاع التجارة التونسي، ويوفّر بدائل عن السجن، ووسائل مستدامة للدائنين لاسترداد مستحقاتهم. ينبغي أن يفرض التشريع على السلطة القضائية تقييم ما إذا كان عدم السداد مقصودا أو هو ناتج عن عجز فعلي.اعتماد تشريع يسمح للأشخاص بتقديم إعلان إعسار شخصي عندما يعجزون عن سداد ديونهم بدل سجنهم. ينبغي أن يقتدي هذا المخطط بأفضل الممارسات الدولية؛النظر في تمديد العفو الرئاسي عن الغرامات المنجرة عن الشيكات بدون رصيد للدولة لتخفيف العبء على المدينين وتسهيل سداد الدائنين.إلى وزارة العدلإطلاق سراح الأشخاص المسجونين ظلما بسبب إصدار شيكات بدون رصيد لأنهم لم يكونوا قادرين على سداد ديونهم والسماح بإعادة تأهيلهم من خلال وضع خطة لسداد الديون؛توجيه السلطة القضائيّة المعنيّة بالنظر في دعاوى الديون إلى تقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمقترضين وقدرتهم على السداد، والعمل مع الدائنين والمقترضين لوضع خطة سداد استنادا إلى القدرة المالية للمقترضين. ينبغي لأيّ خطة سداد أو مصادرة الأصول أو حجز على الأجور أن تحمي الحقوق الاقتصادية الأساسية للمقترض وقدرته على توفير حاجياته الأساسية؛توجيه السلطة القضائيّة إلى فرض عقد اجتماع مع المقترض وتمكينه/ا من فرصة للاعتراض على المزاعم المقدّمة من الدائن أو تقديم دفاع.إلى البنك المركزي التونسيدعم الإصلاحات الرامية إلى إلغاء تجريم الشيكات المرتجعة؛اقتراح حلول لضمان اعتبار الشيكات وسيلة سداد ودعم وضع واستخدام طرق سداد أخرى آمنة وموثوقة؛السماح لعدد أكبر من الأفراد من ذوي الدخل المنخفض بالوصول إلى نظام ائتمان منظم بحيث يقلّ احتمال لجوئهم إلى أنظمة إقراض غير رسميّة.إلى الشركاء الدوليين والمؤسسات الماليةحث تونس على إلغاء الفصل 411 وغيره من الأحكام الواردة في المجلة التجارية، التي تتسبب في الواقع في سجن المدين؛دعم المنظمات غير الحكوميّة الموجودة في تونس والمتخصصة في المساعدة القانونيّة لتقديم مساعدة مجانية للمقترضين الذين عجزوا عن تحمل تكاليف التمثيل القانوني.تقديم مساعدة لتونس لتنفيذ إصلاح يهدف إلى إلغاء تجريم إصدار شيكات بدون رصيد بما يتماشى مع القانون الدولي، وإنهاء عقوبة السجن بسبب الديون، وتقليص الآثار السلبيّة على النشاط الاقتصادي وعلى حقوق المدينين والدائنين.تقديم مساعدة فنيّة لتونس لوضع إجراءات خاصة بالإعسار للأفراد تسمح بتخفيف عبء الديون بشكل فعال، وتمكين الفرد غير القادر على سداد ديونه من أن يكون منتجا اقتصاديا، بما في ذلك المعايير التي تفرض على السلطات المعنيّة تقييم قدرة الفرد على السداد. في هذا التقرير، وثّقنا 12 حالة لأشخاص حوكموا في قضايا شيكات مرتجعة أو بدون رصيد، منهم أشخاص مسجونون وآخرون يعيشون مختبئين في تونس أو في المنفى. قابلنا أيضا ثلاثة محامين تونسيين مثلوا في كثير من الأحيان أشخاصا أصدروا شيكات بدون رصيد، وقاض، وكذلك خبيرين اثنين في قطاع الأعمال في تونس، وخبيرين اثنين في القطاع البنكي، وباحث في الاقتصاد السياسي.أجرينا ما مجموعه 20 مقابلة، أغلبها مباشرة، في الفترة ما بين مايو/أيار 2022 ويناير/كانون الثاني 2024 في مناطق تونس وقابس وبنزرت، وبعضها عبر الهاتف. قابلنا سبعة مدينين يعيشون مختبئين في تونس، منهم أربعة نساء، وعائلات ثلاث أشخاص مسجونين، ومدينين اثنين يعيشان في المنفى.لا يوجد الكثير من البيانات المتاحة للجمهور عن استخدام الشيكات كأداة إقراض وعواقب الملاحقات القضائية للشيكات غير المسددة في تونس، لكنّ التقرير يعتمد أيضا على تحليل للقوانين والممارسات التجارية الوطنية.استفدنا أيضا من خبرة الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهي جمعية مهنيّة لأصحاب المشاريع أنشِأت في 2020 وتدعو إلى إلغاء تجريم الشيكات غير المسددة في تونس، من بين أنشطة أخرى.أجريت جميع المقابلات بالعربية أو الفرنسية. شرحت “هيومن رايتس ووتش” الهدف من المقابلات للأشخاص الذين تمت مقابلتهم، وحصلت على موافقتهم على استخدام المعلومات التي قدّموها في هذا التقرير.في بعض الحالات التي طلب فيها الأشخاص الذين قابلناهم عدم ذكر أسمائهم أو حيث اعتقدنا أنّ ذكر أسمائهم قد يعرّض أمنهم إلى الخطر، استخدمنا أسماء مستعارة وحجبنا معلومات قد تساعد على تحديد هويتهم.وجهت هيومن رايتس ووتش رسائل، مرفقة بهذا التقرير، إلى وزارة العدل في يناير/كانون الثاني 2023 والإدارة العامة للسجون والتأهيل في فبراير/شباط 2024 طلبت فيها معلومات لتضمينها في هذا التقرير أو عقد اجتماعات مع المسؤولين، لكنها لم تتلق أيّ ردّ حتى نشر التقرير. رسميّا، السجن بسبب الديون غير موجود في تونس. لكن هناك أكثر من 496 شخصا يقبعون في السجن حاليا بسبب إصدار شيكات مرتجعة أو بدون رصيد، وفقا لأرقام رسميّة. في الواقع، يُعتبر السجن بسبب إصدار شيكات بدون رصيد في تونس شكلا مقنعا وممارسة طويلة الأمد للسجن بسبب الديون.في 22 مايو/أيار 2024، قال مكتب رئيس الوزراء في بيان إنّ 496 شخصا يقبعون في السجن بسبب شيكات بدون رصيد، منهم 292 أدينوا و204 في الإيقاف التحفظي.[4] غير أنّ الجمعيّة الوطنيّة للمؤسسات الصغرى والمتوسّطة تعطي تقديرا أعلى بكثير يصل إلى 7,200 شخص.[5] وفقا لهذه الجمعيّة، هناك عدّة آلاف من الأشخاص الآخرين الذين يعيشون مختبئين في تونس أو في المنفى ومطلوبين للسلطات بسبب شيكات بدون رصيد.[6]لا يخلو استخدام الشيكات من مخاطر جزائيّة، إذ أنّ إصدار شيك بدون رصيد يُعاقب بالسجن حتى خمس سنوات وغرامة مالية كبيرة بموجب المجلة التجارية التونسية، التي لا تفرّق بين من يُصدر شيكا بدون رصيد بنيّة الغش، ومن يُصدره عن حسن نيّة لكنه ببساطة يعجز عن سداده.غالبا ما يُستخدم الشيك كنوع من الضمان من قبل من أصدره. ويُستخدم كمُقدّم عن السلع والخدمات على أساس أنه لن يُصرف على الفور، وعلى أنّ يُسدّد صاحب الشيك المبلغ للدائن نقدا أو بالشيك أو بتحويل بنكي أو بطرق أخرى في مرحلة لاحقة، وفقا لجدول زمني متفق عليه بين الطرفين. “شيك الضمان” هذا يُستخدم كأداة لتمويل الأشخاص والشركات التي ليس لديها سيولة لإتمام العملية وغير المؤهلة للحصول على قروض من البنوك أو غيرها من المؤسسات التي تفرض ضمانات كبيرة في تونس. وهذا أمر شائع بين المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي غالبا ما تعتمد على المعاملات بالشيك في جميع عملياتها.[7]عندما يرفض البنك صرف الشيك بحجة عدم كفاية الرصيد، ويعجز مُصدِر الشيك عن تمويله خلال ثلاثة أشهر، يُعلم البنك وكيل الجمهوريّة، الذي يتعيّن عليه الشروع في إجراءات جنائيّة ضدّ مُصدِر الشيك المرفوض. وقد ينتهي الأمر بهذا الشخص خلف القضبان، ليس لأنه غير مستعدّ لدفع المبلغ المحدد في الشيك والرسوم المنجرّة عنه (رسوم البنك والفائدة والغرامة)، وإنما لأنه عجز عن ذلك.للسجن عواقب وخيمة على المدينين وأقاربهم على حدّ سواء، ويتسبب في ضرر اقتصادي أوسع، غالبا ما يشمل الدائنين أنفسهم.الاستخدام المفرط للشيكات في تونس يرتبط ارتباطا وثيقا بوضع الاقتصاد الكلّي للبلاد والبيئة الاجتماعية والاقتصاديّة التي تعمل فيها المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.[8]لمحة عامة عن الاقتصاد التونسيمنذ أطاح التونسيون بالرئيس السلطوي زين العابدين بن علي في 2011، واجهت البلاد تراجعا في النموّ، بالإضافة إلى عدم استقرار سياسي وتقاعس الحكومات المتعاقبة عن حماية الحقوق الاقتصاديّة للجميع. منذ 2020، تسببت جائحة “كورونا” والحرب الروسيّة الأوكرانيّة في تفاقم المصاعب الاقتصاديّة.[9]يُمثل الدّين العام لتونس حوالي 80% من الناتج المحلّي الإجمالي في 2022.[10] ووفقا “للمعهد الوطني للإحصاء”، بلغت نسبة البطالة 15.8% في الربع الثالث من 2023. في نفس الفترة، بلغت نسبة البطالة في صفوف القوى العاملة التي تتراوح أعمارها بين 15 و24 سنة 39.1%، ولدى خرّيجي التعليم العالي 24.6%.[11]تعتمد تونس بشكل متزايد على التمويل الخارجي لسدّ الفجوة بين الإيرادات والنفقات. وفقا لـ “صندوق النقد الدولي”، فإنّ مسار ديون تونس “غير مستدام ما لم يُعتمد برنامج قوي وموثوق للإصلاح” من قبل السلطات.[12]في أكتوبر/تشرين الأول 2022، توصّل صندوق النقد الدولي وتونس إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن “تسهيل الصندوق الممدّد” لحوالي 1.9 مليار دولار على مدى 48 شهرا، لكن يبدو أنّ الرئيس قيس سعيّد رفض الاتفاق في نهاية المطاف.[13] في 6 أبريل/نيسان 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بشروط القرض، معتبرا أنّ “الإملاءات من الخارج، التي تؤدي فقط إلى مزيد من التفقير، غير مقبولة”.[14] اتفاق صندوق النقد الدولي مشروط بسلسلة من الإصلاحات – منها خصخصة بعض المؤسسات المملوكة للدولة، وخفض فاتورة أجور الوظيفة العموميّة، والرفع التدريجي لدعم السلع الأساسيّة والطاقة، وإصلاح الجباية – التي يتوقع الصندوق التزاما حازما وفوريا بشأنها من قبل السلطات التونسيّة.احتمال الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي يُثير بالفعل مخاوف،[15] لأنّ شروطه وتدابير التقشف المقترحة قد تُقوّض الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة للتونسيين وتُفاقم انعدام المساواة.[16] لكن دون إصلاحات، تظلّ تونس في وضع اقتصادي محفوف بالمخاطر، رغم أنّ الأزمة الاقتصاديّة المباشرة تبدو وكأنها قد هدأت.بالنسبة لميزانيّة 2024، توقعت تونس زيادة بـ70% في الاقتراض الخارجي، لكن دائنيها يتضاءلون، حيث أنّ العديد من المانحين القدامى، مثل “الاتحاد الأوروبي” ووكالات التنمية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، يشترطون التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي أولا.[17]ركّز سعيّد، الذي انتُخب في 2019، أكثر على تنفيذ خارطته السياسيّة منذ يوليو/تموز 2021، بما في ذلك تفكيك المؤسسات الديمقراطيّة في تونس، واعتماد دستور يمنحه صلاحيات واسعة، وانتخاب برلمان جديد بصلاحيات محدودة،[18] بدل معالجة الأزمة الاقتصاديّة بشكل فعّال.[19]وضع المؤسسات الصغرى والمتوسّطةفي هذا السياق الاقتصادي الصعب، تعمل في تونس حوالي 800 ألف مؤسسة متناهية الصغر ومؤسسة صغرى ومتوسطة،[20] ومنها مؤسسات تُشغّل أقلّ من 200 شخص وتُمثل أكثر من 90% من الشركات.[21] وفقا لأرقام المعهد الوطني للإحصاء، تُمثل المؤسسات الصغرى والمتوسطة 50% من الناتج المحلّي الإجمالي في تونس، وتؤمّن أكثر من 70% من وظائف القطاع الخاص الرسمي.[22]رغم دورها المركزي في الاقتصاد الوطني ومساهمتها الكبيرة في خلق الوظائف، تواجه هذه الشركات العديد من الصعوبات، بما في ذلك البيروقراطيّة والاستخدام المحدود للرقمنة ونقص الوصول إلى التمويل. وفقا لاستطلاعات أجراها “البنك الدولي”، فإنّ 43.9% من الشركات اعتبرت أن نقص الوصول إلى التمويل كان عائقا رئيسيا في 2020، مقارنة بـ21.9% في 2013.[23] بحسب رئيس “الجمعيّة التونسيّة للمستثمرين في رأس المال”، فإنّ نصف المؤسسات الصغرى والمتوسّطة التونسية تواجه صعوبات مالية خطيرة.[24] قال البنك الدولي إنّ المؤسسات الصغرى والمتوسّطة التي يمكنها الحصول على تمويل عادة ما تحصل على ائتمان قصير المدى، ويرجع ذلك في جزء منه إلى نقص السيولة طويلة المدى في القطاع البنكي.تأثرت هذه المؤسسات بشكل كبير بالركود الاقتصادي الذي صاحب جائحة كورونا. وفقا لتقديرات الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، فإنّ عدد الشركات الصغرى والمتوسطة التي أفلست في أربع سنوات، بين 2019 و2023، بلغ 200 ألف شركة.[25] أشارت دراسة لـ”بنك التنمية الأفريقي” إلى أنّه في نهاية 2020، شهدت 65% من المؤسسات الصغرى والمتوسطة تراجعا كبيرا في إيراداتها بين عامي 2019 و2020 .[26]الشيكات كأداة ائتمان في بيئة اقتصادية صعبةالشيك، الذي يُستخدم عادة كوسيلة دفع فورية ومباشرة، كثيرا ما يُستخدم في تونس كضمان لدفعة مستقبليّة متفق عليها إما في شكل مبلغ واحد أو أقساط.وفقا لعبد القادر بودريقة، الخبير المالي والأستاذ في جامعة قرطاج، تنتشر هذه الممارسة على نطاق واسع في تونس بين الأفراد (سواء الذين لديهم حسابات بنكيّة أو الذين ليس لديهم)[27] والشركات عندما لا تستطيع الحصول على قروض بنكيّة.[28]بعض الذين يستخدمون شيكات الضمان هم أشخاص بلا حسابات بنكيّة، وبالتالي لا يمكنهم الحصول على تمويل من البنك. في تونس، 37% من السكان كان لديهم حساب بنكي في 2021، منهم 29% من النساء.[29]لتمويل حاجة ما، يُمكن لأي شخص لا يملك حسابا بنكيا تقديم شيك موقع من أقاربه أو أطراف ثالثة كضمان. أوضح بودريقة أنّه من المعتاد تداول الشيكات لفترة تصل إلى 24 شهرا[30] وغالبا دون تسمية المستفيد. في هذه الحالة، غالبا ما يكون المستفيدون من ذوي الدخل المنخفض، الذين قد يحتاجون إلى أموال لتغطية نفقاتهم الشخصيّة أو تمويل نشاط مدرّ للدخل.قد يلجأ الأفراد والشركات الذين لديهم حسابات بنكيّة إلى شيك الضمان لأنهم لا يستطيعون الحصول على ائتمان من البنك بسبب ضعف قدرتهم على التمويل الذاتي، أي أنهم لا يدرّون دخلا كافيا لعمليات الشركة، أو بسبب وصولهم إلى سقف الديون.في القطاع التجاري، يُعدّ استخدام الشيك كضمان للدفع على أقساط (في شكل دفع متأخر) هو الأكثر شيوعا بين المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهو مستخدم في جميع القطاعات، من الزراعة إلى البناء، وفي المبيعات وتنظيم الفعاليات، في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي.في التجارة، بشكل محدد أكثر، تتمّ العمليات عادة بين المزوّد والمشتري/العميل. يرغب العميل في شراء سلع أو خدمات لكنه لا يستطيع الدفع نقدا، لذلك يعطي للمزود شيكا أو أكثر كضمانة ليتم صرفها بعد فترة من الزمن.الاتفاق بين المزوّد والمشتري هو اتفاق غير رسمي وقائم على الثقة. يُفضّل المشتري الشيك على وسائل الدفع أو الضمان الأخرى لأنّه يتطلب فقط الحصول على دفتر شيكات. والمزودون يعتبرونه أكثر ضمانا من أدوات المعاملات المالية الأخرى مثل الكمبيالات وذلك بسبب احتمال السجن المسلّط على المقترض في حال لم يوفر تمويلا للشيك.[31]قال عبد الرزاق حواص، الناطق باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة: “شبح السجن هو ما يعزّز الثقة بين المزود والعميل. بالتالي، يوفر الشيك ضمانة دفع قوية”.[32]عادة ما ينطوي تمويل الشيكات على نسب فائدة مرتفعة، تصل أحينا إلى 40%. في الواقع، تفرض الممارسة التجاريّة في تونس على البائع عرض سعر البضاعة، وهو سعر يتمّ تخفيضه إذا دفع العميل نقدا. قال بودريقة إنّ هذا الفارق هو سعر فائدة مقنّع يُغطي الموارد وتكاليف المخاطر بالنسبة للمزود.[33]رغم أنّ الشيك يُستخدم أساسا في المعاملات التجاريّة بين المزودين والمشترين، إلا أنه يُستخدم أيضا كوسيلة لضمان القروض النقديّة غير المرتبطة بالعمليات التجاريّة. في هذه الحالة، يُقرض الأفراد المال باستخدام شيكات المقترض كضمان، وعادة ما يفرضون نسب فائدة مرتفعة. تُشكّل هذه الممارسة جزءًا من النظام البنكي الموازي. في هذا التقرير، تناولنا فقط استخدام الشيكات في العمليات التجارية البحتة. تشريع إشكاليهناك ملحوظة مدوّنة في الصفحة الأخيرة من جميع دفاتر الشيكات في تونس هذا نصّها:

- الإعلانات -

“إنّ الصكّ [الشيك] هو وسيلة دفع حيث يُوجب إصداره توفير رصيد سابق وكاف وقابل للتصرّف فيه لدى البنك المسحوب عليه وإنّ إصدار صكّ بدون رصيد ينتج عنه جنحة خطيرة تستوجب عقوبة التحيّل: 5 سنوات سجن مع خطيّة هامة ومع عقوبات أخرى تكميليّة، منها على سبيل الذكر تحجير مسك صيغ صكوك لمدّة عام”.[34]هذه العقوبة الثقيلة– السجن خمس سنوات – بسبب الشيكات غير المدفوعة منصوص عليها في الفصول 410 و411 و412 من المجلة التجاريّة التونسية. تطبيق هذه الأحكام يرقى في الممارسة إلى مصاف السجن بسبب الديون، رغم أن السجن بسبب الديون مخالف للقانون الدولي لحقوق الإنسان.تنصّ المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، وتونس طرف فيه، على أنّه “لا يجوز سجن أي إنسان لمجرّد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”، بما في ذلك عدم سداد الدين.[36]يساوي القانون التونسي بين عجز المدين عن السداد والتحيّل، دون التمييز حالة بحالة بين من هو عاجز عن دفع ديونه في الوقت المحدد لأسباب اقتصادية قاهرة مختلفة ومن استخدم الشيك بقصد الاحتيال.تنصّ الصفحة الأخيرة من دفتر الشيكات أيضا على ما يلي:”وكلّ عمليّة إصدار صكّ بدون رصيد يقع تبليغها مباشرة إلى وكيل الجمهوريّة قصد التتبعات العدليّة. ويقع توقيف هذه التتبعات إذا أثبت الساحب خلاص الصكّ أو توفير الرصيد الكافي ودفع خطيّة في الآجال القانونيّة (الفصول 410، 411 و412 من المجلة التجارية وما تبعها) “.[37]عند تقديم شيك بدون رصيد كاف، يصير البنك ملزم قانونا بإعلام مُصدِر الشيك في نفس اليوم بأن لديه ثلاثة أيام لتوفير المال المطلوب، قبل البدء في فرض رسوم عليه. وبعد هذه الأيام الثلاثة، وخلال أيام العمل الأربعة التالية، يُرسل البنك إشعارا رسميا إلى مُصدر الشيك عبر محضر. بالإضافة إلى دفع الشيك، يتعيّن عليه أيضا دفع رسوم محضر الإشعار، التي تتراوح بين 80 و100  دينار تقريبا (25 و32 دولار) ونسبة فائدة قيمتها 10% من مبلغ الشيك.[38] وبعد سبعة أيام عمل، يتعيّن على الشخص الذي أصدر الشيك بدون رصيد دفع غرامة للدولة تتراوح قيمتها بين 20 و40 % من قيمة الشيك إضافة إلى المبلغ الأساسي.إذا لم يتم دفع للمبلغ الأساسي الشيك بدون رصيد والغرامة التي تتراوح بين 20% و40% والرسوم الإضافية الأخرى بعد مرور 90 يوما، يتعيّن على البنك إشعار وكيل الجمهوريّة، الذي يُلزمه القانون باتخاذ إجراءات قانونية ضدّ مُصدِر الشيك بشكل تلقائي. تسقط الإجراءات فقط إذا تمّ سداد الشيك والغرامة والرسوم الأخرى بشكل كامل قبل انتهاء المحاكمة.أحكام السجن المتعلقة بالشيكات المرتجعة تكون تراكميّة. إذا عجز المدين عن تسوية ديونه وأدين بإصدار عدة شيكات بدون رصيد، فإنه يقضي عقوبة تعادل مجموع الإدانات المختلفة. قابلت هيومن رايتس ووتش عائلة سجين محكوم عليه بالسجن 122 عاما وتسعة أشهر بسبب عشرات الشيكات غير المدفوعة.الغرامات التي تتراوح بين 20 و40% من قيمة الشيك بدون رصيد، ونسبة الفائدة على قيمة الشيك وغيرها من الرسوم، تُشكّل عبئا إضافيا على الشخص العاجز عن سداد ديونه، خاصة عندما يكون لديه عدة شيكات غير مدفوعة يتعين عليه سدادها. حتى إذا تمكن الشخص المدين من سداد المبلغ المستحق للدائن، ولم يدفع الرسوم الأخرى، تستمر الملاحقة وقد ينتهي به الأمر خلف القضبان.نصّ “المرسوم رقم 10/2022” المؤرخ في 10 فبراير/شباط 2022، الصادر عن الرئيس قيس سعيّد بموجب الصلاحيات الاستثنائية التي منحها لنفسه في 22 سبتمبر/أيلول 2021، على عفو رئاسي عن الغرامة المستوجبة للدولة التونسية لكل من أصدر شيك دون رصيد قبل صدور المرسوم، ودفع قيمة الشيك، وكذلك الرسوم البنكيّة المتعلقة به أو رسوم الإشعار بالاحتجاج، قبل يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، وهي عادة تتراوح بين 80 و150 دينار تونسي (بين 25 و46 دولار تقريبا). ثم صدر مرسوم ثان في 30 ديسمبر/كانون الأول ومدّد الآجال إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2023.تم تحديث نظام الإفلاس في تونس باعتماد “قانون الإجراءات الجماعيّة” الصادر في 29 أبريل/نيسان 2016[42] المتعلق بإعادة هيكلة الشركات والإفلاس. كان الهدف من هذا القانون الجديد، الذي بسّط إجراءات الإفلاس، يتمثل في تشجيع إنقاذ الشركات وإلغاء تجريم الإفلاس بغية تحسين ثقة الدائنين وتشجيع بعث المشاريع، وفقا لوثائق البنك الدولي.[43]غير أنّ هذا القانون لم يتناول تجريم الشيك بدون رصيد. عندما يُصدر شخص شيكا لصالح شركة مسجلة ويُرفض صرفه، فهو يتحمّل فقط مسؤوليّة جنائيّة فرديّة عن ذلك.[44]إضافة إلى ذلك، تفتقر تونس إلى قانون خاص بالإفلاس الشخصي (أو إجراء الإفلاس الشخصي)، ما من شأنه أن يوفر مساعدة للمدينين الذين يواجهون صعوبة اقتصاديّة، بما في ذلك أصحاب الأعمال في القطاع غير الرسمي.عالقون في حلقة مفرغة من الديونتُظهر المقابلات التي أجرتها هيومن رايتس ووتش أنّه بعد أن يرفض البنك الشيك الأول، غالبا ما يواجه المدين تكاليف متصاعدة من الغرامات والرسوم، وفي بعض الأحيان يُصدر شيكات إضافية لا يستطيع سدادها. قد يواجه أيضا تكلفة الاستعانة بمحام والضرائب المستحقة على الشركة حتى لو كانت متوقفة عن النشاط. غالبا ما تؤدي مشاكل الديون هذه إلى إغلاق الشركة بالكامل، مما يترك المدين، وأحيانا عائلته بأكملها، دون مصدر للدخل.بعد مواجهة الملاحقة القضائية بسبب الشيك بدون رصيد، اضطرّ المدينون التسعة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش إلى التوقف عن أنشطتهم التجارية كأصحاب أعمال صغيرة، وباتوا يعيشون في خوف مستمر من الاعتقال. اضطر اثنان منهم إلى العمل بأجرة يوميّة لتوفير أبسط الاحتياجات الأساسية لعائلاتهم.في غياب بدائل مثل خطط السداد، قد يلجأ بعض المدينين إلى استخدام الشيكات مرّة أخرى، لكن هذه المرة موقّعة من قبل أقاربهم. استخدم أحد الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش شيكات زوجته للاستمرار في عمله كتقني زراعي بعد ارتجاع العديد من شيكاته.عادة ما تكون عائلة المدين أو أصدقاؤه هم الذين يحاولون إنقاذه، فيعرضون جزءًا من أصولهم للبيع أو يحصلون على قروض، وفي بعض الحالات يلجؤون إلى إصدار شيكات أيضا.تعمل “زينب” (48 عاما) طاهية ولديها مشروعها الخاص في لافايات وسط تونس العاصمة. كانت تدفع لمزوديها بالمعدات والمكوّنات نقدا وبالشيك.[45] قالت إنّ العمل صار بطيئا لعدة أعوام، وأزمة كورونا كانت ضربة قاسية لها. في مطلع 2020، رُفِض أول شيك لها. بعد فترة قصيرة، رُفِضت شيكات أخرى. قالت إنّ بعض مزوديها حاولوا صرف الشيكات قبل الموعد المتفق عليه، لكنها أثناء الإغلاق الناتج عن جائحة كورونا لم تتمكن من جني المال لخلاص عشرات الشيكات. وبينما كانت ديونها تتزايد بسبب الرسوم الناجمة عن الشيكات المرتجعة، وجّه لها وكيل الجمهورية اتهامات.في 7 فبراير/شباط 2023، اعتُقلت زينب بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد ووُضعت في سجن منوبة بتونس العاصمة. باعت والدتها وشقيقتاها جميع أثاثها ومصوغهنّ لدفع جزء من الديون التي سُجنت من أجلها– حوالي مائة ألف دينار (حوالي 31.500 دولار). خسرت زينب مشروعها ومنزلها نتيجة لذلك، وانتقلت إلى العيش مع والدتها، وصارت عائلتها هي التي ترعاها، ولا تزال خاضعة للمحاكمة من قبل السلطات بسبب شيكات أخرى بدون رصيد.قالت زينب إنها حاولت الاتفاق على خطط سداد مع دائنيها، لكن دون جدوى. قالت: “رفض المزودون أي اقتراح تقدمت به. بعضهم كان يعتقد أنني أحاول الاحتيال عليهم، بينما حاول آخرون الاستفادة من خلال وضع شروطهم الخاصة”.قضى “رشيد”، الذي كان يملك شركة لنقل مواد البناء في إحدى المدن الساحلية التونسية، شهرا في السجن بسبب شيكات بدون رصيد، قبل أن تحصلت شقيقته، وهي معلمة في القطاع العام، على قرض بنكي (قرض استهلاك) لدفع حوالي 8 آلاف دينار (حوالي 2,500 دولار) لأحد مزوّدي شقيقها، الذي وافق بعد ذلك على التوقيع على شهادة تثبت خلاص بعض الشيكات التي سُجن رشيد من أجلها.[46]وفقا لحواص، ما أن يتمّ رفض الشيك الأول، يواجه صاحبه خطرا أكبر يتمثل في تراكم المزيد من الديون، لأنّ الشيك المرتجع يقضي على ثقة المزوّدين في المقترض، فيسارعون إلى صرف شيكات أخرى قد تكون في حوزتهم من المقترض، بصرف النظر عن قدرته على تمويلها وبالاعتماد على ضغط البنك والتهديد بالسجن لضمان السداد. يخشى المزودون الانتظار حتى تاريخ السداد المتفق عليه لأنّ المقترض قد يكون حينها في السجن أو قد هرب للاختباء.مجيد هذلي: محكوم بالسجن 122 عاما وتسعة أشهر بسبب شيكات مرتجعةجليلة هذلي هي أم لثلاثة: سوار (20 عاما) ومريم (9 أعوام) وسيف (26 عاما). زوجها مجيد هذلي (58 عاما)، مقاول بناء حُكم عليه في 2016 بالسجن 122 عاما وتسعة أشهر بسبب شيكات مرتجعة.يقبع مجيد في السجن منذ أبريل/نيسان 2015. مريم بالكاد تعرف والدها. تكتب له سوار رسائل وقصائد وظهرت في عدّة برامج تلفزيونيّة للتنديد بالحكم الطويل عليه بسبب الديون والمطالبة بإطلاق سراحه.

في 2010، تعاقد مجيد مع وزارة التربية لإعادة تأهيل مبنى في حيّ القصبة بتونس العاصمة، حيث تقع العديد من الوزارات، بما في ذلك مكتب رئيس الحكومة. في بداية 2011، بعد الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السلطوي زين العابدين بن علي في 2011، احتل المتظاهرون ساحة القصبة احتجاجا على الحكومة التي خلفته، فاضطرّت شركة مجيد هذلي إلى وقف أشغالها. وفقا لجليلة، واجهت الشركة تأخيرات كبيرة، فضلا عن أضرار لحقت بمعداتها، لكنها أكملت المشروع في 2013.قالت لـ هيومن رايتس ووتش إنّ وزارة التربية لم تصرف لمجيد القسط الثالث المستحق للمشروع، والذي يبلغ حوالي 400 ألف دينار (حوالي 127 ألف دولار)، وهو ما كان سيسمح له بالوفاء بالتزاماته التجاريّة.مثل العديد من أصحاب المشاريع الآخرين في تونس، حصل مجيد هذلي على المواد من المزوّدين من خلال شيكات لاستخدامها لاحقا كضمانات في الدفع بالتقسيط. بسبب الظروف، وجد نفسه عاجزا عن سداد ديونه، وتمّ رفض حوالي 50 شيكا، بقيمة إجمالية تبلغ 300 ألف دينار (حوالي 95 ألف دولار).في أبريل/نيسان 2015، حكمت محكمة منوبة في البداية على هذلي غيابيا بالسجن لمدة إجمالية تصل إلى 300 عام، وفقا لزوجته. ثم في 2016، حكمت عليه المحكمة نفسها بالسجن 122 عاما بعد أن قدّمت عائلته شهادات خلاص جزء من الشيكات. قالت زوجته إنّ بعض المزودين وافقوا على التوقيع على هذه الشهادات لمساعدته.حاول مجيد هذلي الحصول على قرض بنكي لخلاص ديونه، لكن البنك رفض بسبب الشيكات المرتجعة. لم تُغلق شركته أبوابها بعد اعتقاله، وكانت توظف عشرات الأشخاص، منهم محاسب وسكرتيرة وعدة مهندسين. بدلا من ذلك، نُقلت ملكيتها إلى أحد زملائه، حتى قبل الحكم عليه.بعد اعتقال هذلي بسبب الشيكات المرتجعة، لم تتمكن عائلته من تحمل تكاليف محام. رفع محام عيّنته المحكمة في 2014 دعوى ضدّ وزارة التربية بشأن المبلغ المستحق للشركة، لكن حتى يونيو/حزيران 2024 مازال هذلي في السجن في انتظار تحديد جلسة لهذه القضيّة.سُجن في البداية في سجن المرناقية بتونس العاصمة، ثم نُقل إلى سجن الناظور في بنزرت في فبراير/شباط 2023.جليلة، التي لم تكن تعمل عندما كان زوجها حرّا، وجدت عملا في مخبز. سوار الآن طالبة جامعيّة في صفاقس، جنوب تونس العاصمة، ولم تعد قادرة على زيارة والدها بشكل متكرر.قدّمت الأسرة ما لا يقلّ عن عشرة مطالب للحصول على عفو رئاسي، تم الأخذ بالاعتبار باثنين منها وخفضت عقوبته بعدة عقودّ. لا يملك مجيد هذلي، الذي أصيب بالسكري خلال فترة سجنه الطويلة التي دامت تسع سنوات، سوى أمل ضئيل في استعادة حريته. قالت جليلة: “هو يعتقد أنه سيموت في السجن”.[47] تدهور مستوى المعيشةالسجن أو التهديد بالسجن بسبب الشيك بدون رصيد يمنع الشخص المعني من كسب دخل يُسدّد به دينه. كما أنه يؤثر على عائلة المدين ودائرته المهنيّة، ويضع آخرين في وضع محفوف بالمخاطر.في كثير من الحالات، يؤدّي احتجاز صاحب المشروع إلى توقف النشاط التجاري، بما في ذلك فصل الموظفين. وفي الوقت نفسه، فإنّ شبح السجن يدفع الناس إلى الاختباء أو الفرار من البلاد، وبالتالي يجعلهم، وأحيانا معهم آخرين، عاطلين عن العمل.إذا كان الشخص المدين هو المعيل الوحيد للعائلة، فإن السجن أو التهديد به قد يدمّر الأسرة بأكملها اقتصاديا.تابعت هيومن رايتس ووتش 12 حالة لأشخاص عجزوا عن تمويل شيكات لسداد ديون. من بين هؤلاء الـ12، ثلاثة مسجونين حاليا، وسبعة مختبئين في تونس خوفا من القبض عليهم من قبل السلطات، واثنين فرّا إلى الخارج. ومن بين المختبئين أو المنفيين، قضى ثلاثة منهم فترات سجن قصيرة بسبب الشيكات بدون رصيد. توقف ثمانية من الأشخاص التسعة عن أي نشاط تجاري بعد محاكمتهم، ويواجهون مشاكل اقتصادية. كان اثنان من الذين يعيشون مختبئين في تونس المعيلين الرئيسيين لعائلتيهما، ويعملان الآن بأجرة يوميّة لدعم أسرتيهما. ومن بينهم جميعا، واحد فقط من المنفيين استأنف نشاطه التجاري، لكن خارج البلاد.كانت “سيرين” وشقيقتها “أمينة” تُديران شركة لتنظيم الفعاليات. قالتا إنهما توقفتا عن العمل منذ 2015 بسبب عجزهما عن سداد ديون ناجمة عن تنظيم فعالية لم تر النور لأسباب خارجة عن إرادتهما.قالت “سيرين”:اضطررت للعيش مع والديّ، ومعي طفلين. ابني مريض بالقلب، ولم أتمكن منذ عامين من أخذه إلى طبيب القلب لإجراء فحص له. الطبيب الخاص مُكلِف، وأنا لا أستطيع الذهاب إلى المستشفى لأنني أخشى [الاعتقال].من المفترض أن تلتحق ابنتي بالروضة، لكنني عاجزة عن توفير رسوم شهرية بين 150 و180 دينار (حوالي 48 و57 دولار). في السنة المقبلة ستلتحق بالقسم التحضيري، ولن يكون أمامي أي خيار سوى تسجيلها.[48]في كثير من الحالات، يؤثر خطر السجن بشكل مباشر على التمتع بحقوق الإنسان، بما في ذلك الوصول إلى الخدمات الأساسيّة، مثل الرعاية الصحية، والسكن، والتعليم، والخدمات الإداريّة. كما يؤثر على تنقل الأشخاص داخل تونس وخارجها.وفقا للجمعيّة الوطنيّة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، لا تبحث الشرطة بشكل نشط عن المتهمين بإصدار شيكات بدون رصيد لإيقافهم، لكنّهم يظلون مهدّدين بذلك إذا تمّ توقيفهم في نقطة تفتيش أو أثناء أيّ دوريّة مراقبة عادية للشرطة في الشارع.تتفاقم المشاكل الناجمة عن الديون بسبب العيوب الموجودة في الخدمات العامة ومنظومة الضمان الاجتماعي في تونس، التي لا تضمن بشكل كاف حقوق الناس الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.بالإضافة إلى التأثير على الأسرة، قد تصير الديون أيضا عبئا على العائلة الموسّعة للشخص المدين. غالبا ما يتدخل أفراد الأسرة للمساعدة على سداد جزء من الدين، وإيواء أقاربهم الذين فقدوا منازلهم، أو توفير احتياجاتهم اليومية. وأحيانا يتم بيع أصول العائلة لمحاولة سداد أو تقليص الدين، أو يضطر أحد أفراد العائلة إلى الحصول على قرض لمساعدة المدين ماليا.كانت “زينب” (48 عاما) تملك محلّ مرطبات لكنها اضطرّت إلى إغلاقه أثناء جائحة كورونا، مما أثقل كاهلها بالديون. هي الآن بلا دخل، وتعتمد كليا على مساعدة أسرتها.بعد الثورة [2011]، بدأ الوضع الاقتصادي في التدهور، لكن جائحة كورونا جعلتنا ننهار. اضطررت للتخلي عن متجري بعد صيف 2020. وكنت قد قدّمت شيكات للمزوّدين لكني لم أتمكن من سدادها. في البداية، حاولت العمل من المنزل قليلا، لكني في الأخير توقفت. لم أعد أملك معدّات الطهي للقيام بذلك، فقد بعتها.[49]اعتُقلت زينب في 7 فبراير/شباط 2023 بعد ارتجاع بعض شيكاتها، ثم أفرِج عنها في 27 من نفس الشهر بعد أن جمعت عائلتها ما يكفي لإطلاق سراحها.لما دخلت السجن، باعت والدتي وشقيقتاي كل أثاثي ومصوغهنّ لسداد جزء من الدين، ما مجموعه مائة ألف دينار (31,500 دولار). واحدة من شقيقتيّ باعت سيارتها […]. واليوم عدت للعيش مع والدتي، وهي وشقيقتاي يغطيّن جميع نفقات معيشتي.[50]تمكّن “رشيد”، وهو سائق شاحنة وصاحب مشروع سُجن في 2016 بسبب شيكات بدون رصيد، من استعادة حريته بفضل مساعدة ماليّة من أسرته. قال: “حصلت أختي، وهي معلّمة في القطاع العام [موظفة عمومية]، على قرض بنكي حتى أتمكن من دفع ثمانية آلاف دينار (حوالي 2,500 دولار) للمزوّد. ولذلك وقّع على شهادات تُثبت أنّ بعض الشيكات تم خلاصها”.[51]هذا ما مكّن “رشيد” من مغادرة السجن بعد شهر، لكن بعد فترة وجيزة صار مطلوبا مرة أخرى بسبب شيك آخر بدون رصيد. قال إنه غير قادر على إيجاد عمل مستقر، ويجد فقط عملا يوميا في القطاع غير الرسمي، وبالكاد يكسب ما يكفي لإعالة أسرته. قال: “وصلت إلى طريق مسدود، وأفكر في مغادرة البلاد بالقارب إلى أوروبا”.أظهرت دراسات أجريت في سياقات أخرى أنّ الديون قد تكون لها عواقب سلبيّة على صحة الشخص المدين، وأحيانا أفراد عائلته، مما يفاقم الصعوبات التي يواجهونها.[52]تؤكّد دراسة للبنك الدولي حول الإعسار الشخصي صدرت في 2014 أنّ الإفراط في الاستدانة يؤدّي إلى “مشاكل نفسيّة وبدنيّة خطيرة للمدينين” بسبب القلق والعجز عن إدارة الديون، وذكرت أنّ “صُنّاع السياسات في جميع أنحاء العالم خلصوا إلى أنّ تخفيف الألم والمعاناة طويلة الأمد عن هؤلاء المدينين هو هدف نبيل في حدّ ذاته”.[53]من بين الأشخاص الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش، قال مستثمر مدين يعيش مختبئا وأحد أقارب مستثمر آخر مسجون إنهما واجها مشاكل نفسيّة بسبب مشكلة الديون.العيش في المنفىنظرا لخطر السجن بسبب إصدار شيكات بدون رصيد، اختار الآلاف من أصحاب الأعمال المنفى، وفقا للجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.[54] يختار العديد منهم الجزائر أو المغرب أو ليبيا، وهي بلدان يمكنهم دخولها دون تأشيرة. تحدثت هيومن رايتس ووتش مع صاحبَي مشاريع في المنفى. أحدهما كان يملك مصنع نسيج في جهة الوطن القبلي شمال تونس، ويعيش الآن في المغرب دون عمل، بينما كان الآخر يملك شركة لبيع الخشب في تونس العاصمة، وهو الآن في الجزائر، حيث استأنف نشاطه التجاري. قالا لـ هيومن رايتس ووتش إنهما فرّا من تونس لأنه لم يكن لديهما حلّ مستدام لسداد الديون، ولم يكن لديهما أي وسيلة أخرى لتجنّب السجن.يعيش “بلال”، الذي كان يملك مصنعا لإنتاج النسيج ومحلات ملابس، في المغرب منذ 2023. في تونس، سُجن من ديسمبر/كانون الأول 2022 إلى مارس/آذار 2023 بسبب سلسلة من الشيكات بدون رصيد. قال “بلال” إن مشاكله الماليّة بدأت أواخر 2018، لما رفض البنك شيكا كان قد كتبه لأحد مزوّدي الأقمشة. زعم أنّ المزوّد كان قد صرف الشيك قبل الموعد المتفق عليه بينهما. هذه الحادثة أضرت بشركته، وجائحة كورونا في 2020 فاقمت من وضعها، مما دفع “بلال” إلى غلق المصنع والمحلات مؤقتا.قال “بلال”: “كانت الجائحة بمثابة التسونامي الذي لا يُمكنك أن تفعل شيئا بشأنه: ليس بإمكانك بيع منتجاتك أو تسوية ديونك أو الإيفاء بطلبات البنك. بلغت ديوني 400 ألف دينار (126 ألف دولار)”.[55]لما سُجن “بلال”، عملت عائلته على إيجاد حلول وضمان الإفراج عنه.قال: “باع أخي بعض أصول الشركة التي أملكها، بخسارة كبيرة طبعا، لكن هذا مكّنه من جمع ما يكفي من المال لسداد أغلب الديون والحصول على شهادات خلاص. في ذلك الوقت، كنت في مأزق بسبب شيكات غير مدفوعة تبلغ قيمتها 120 ألف دينار (37,800 دولار). تمكّن شقيقي من جمع 80 ألف دينار (25 ألف دولار)”.[56]وافق القاضي على إطلاق سراح “بلال” لأنّ ما تبقى من الديون كان مستحقا “للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” في تونس. بعد ذلك، أمرت المحكمة بمصادرة معدات التصنيع الخاصة به لسداد هذا الجزء من الديون.قال “بلال”: “لما خرجت من السجن، شعرت بالاشمئزاز. لقد أسست مشروعا تجاريا وارتكبت خطأ. لكن هذا ليس سببا لأدخل السجن”.[57]قال “بلال” إنه كان يوظف أكثر من 200 عامل. بينما تمكن بعضهم من العثور على عمل بسرعة في مصانع أخرى، وجد بعضهم الآخر أنفسهم عاطلين عن العمل فجأة بسبب إغلاق مشروع “بلال”.ترك “بلال” أسرته في تونس، بما في ذلك أطفاله. وفي المغرب، ليس لديه عمل ولم يجد حتى الآن طريقة للمساعدة في إعالة أسرته. في ظل هذه الظروف، لا يستطيع أيضا سداد ديون مقرضيه.كان “سفيان” يملك شركة لبيع الخشب، لكنه واجه صعوبات مالية في 2014 فتوقف عن العمل. وفي 2016، قرّر الخروج من تونس لتجنب السجن، فسافر إلى الجزائر. كان في ذلك الوقت مدينا بمبلغ 200 ألف دينار (حوالي 63 ألف دولار) لأحد المزودين، من بين ديون أخرى. حاول “سفيان” تسوية ديونه خارج المحكمة، لكنه فشل في الوصول إلى اتفاق مع المزود، فغادر البلاد.قال: “لم أستطع بيع ما لم يكن ملكي بالكامل وتبديد أصول عائلتي بالكامل لخلاص المزوّد”.[58]في الجزائر، استأنف نشاطا تجاريا في مجال الإطعام فتمكن من دفع ديون بقيمة 180 ألف دينار (حوالي 56,500 دولار) مستحقة لمزودين مختلفين آخرين في تونس، أي حوالي نصف إجمالي ديونه.خوفا من السجن، يرفض “سفيان” العودة إلى تونس حيث تعيش أسرته. في الجزائر، ورغم نشاطه التجاري، إلا أنّ وضعه محفوف بالمخاطر. لم يتمكن من تجديد جواز سفره التونسي منتهي الصلاحية وهو في الجزائر بسبب الإجراءات الجنائية المتخذة ضدّه في تونس. وفي غياب جواز ساري المفعول، منعته السلطات الجزائرية من تجديد إقامته في يناير/كانون الثاني 2023 وأمرته بمغادرة البلاد. وبعد تغيير في الإجراءات التونسية، تمكّن سفيان أخيرا من تجديد جوازه في القنصلية التونسية في الجزائر في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن أمر مغادرة الجزائر مازال يواجهه ويواجه أعماله.[59]تقويض الحق في المحاكمة العادلةفي المحاكم التونسيّة، هناك عادة قاض واحد في كل دائرة ينظر في قضايا الشيكات المرتجعة، ومن المعمول به أن يحكم القاضي على الفور. إذا تمّت محاكمة الشخص على عدة شيكات، فإن القاضي يحكم في كل قضيّة على حدة. تصل العقوبة في كل جريمة إلى السجن لمدة خمس سنوات، لكن يُمكن للقاضي أن يمارس سلطة تقديريّة على أساس مبلغ الدين المستحق عن كل شيك. العقوبات المفروضة على الشيكات المرتجعة تأخذ طابعا تراكميا.في أغلب الحالات، تكون محاكمات الشيك بدون رصيد سريعة. القاضي، الذي عادة ما تكون لديه وثيقة تتضمن لائحة بالشيكات التي يتعيّن دفعها ونسخة من الشيكات الموقعة، يسأل بشكل عام مُصدر الشيك عندما يمثل أمامه إن كان هو فعلا من أصدره، وما إذا كان الشيك قد صُرف في وقته. يُمكن لمُصدر الشيك تقديم شهادة خلاص واحدة أو أكثر للقاضي، ما سينجرّ عنه وقف فوري للإجراءات.أوضح القاضي عبد الستار الخليفي أنّ إصدار شيكات بدون رصيد يُعتبر جريمة رسميّة،[60] ولذلك فالقاضي مُلزم بإصدار حكم دون النظر في نيّة صاحب الشيك.[61]قال حواص، المتحدث الرسمي باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، إنه في حال لم يتم دفع الشيك، فإنّ القاضي لا يحاول النظر في الملابسات التي أدّت إلى الاستدانة، ويأمر على الفور باحتجاز مُصدر الشيك. قال: “الإفلاس [حتى عندما يُعلنه القاضي] ليس ظرفا مخففا في هذه الحالة”.[62]يُطلب من القاضي الحكم على الديون المستحقة للدائن بدلا من إيجاد حلول بديلة لدفعها، مثل خطة إعادة سداد أو غيرها من الحلول المقبولة للطرفين خارج المحكمة. ولأن النتيجة تكاد تكون حتميّة، فإن الأشخاص المدينين يفضلون عدم المثول أمام قاض لتجنب الاعتقال والبحث عن طرق غير رسمية لتسوية ديونهم.من بين الأشخاص الـ12 الذين تابعنا قضاياهم، ثلاثة فقط وكّلوا محامين للدفاع عنهم. في كثير من الأحيان، لا يوكّل الأشخاص المدينون محامين لأنهم لا يستطيعون تحمل التكاليف أو يفضلون استخدام ما تبقى لديهم من المال لسداد ديونهم، وقال بعضهم لـ هيومن رايتس ووتش إنهم يشعرون أن مصيرهم محتوم بالفعل.الأشخاص الأكثر فقرا ليس أمامهم خيار. وفقا لخبير أممي معني بالفقر المدقع: “بالإضافة إلى نفقات المساعدة القانونيّة، هناك تكاليف أخرى عديدة مرتبطة بالوصول إلى العدالة وقد تُشكل عائقا كبيرا أمام الفقراء، الذين لا يستطيعون ببساطة تحمل هذه النفقات”.[63] قد تشمل هذه التكاليف النقل، والسكن، والإجراءات الإداريّة، إلخ.لكن حضور المحامي أمام القاضي قد يكون مهمّا، خاصة عندما يتعلق الأمر بطلب تأجيل الجلسة وإعطاء المدين مزيدا من الوقت لجمع المبلغ المطلوب.[64]يسمح القانون التونسي للأشخاص الموقوفين لدى الشرطة بالاتصال الفوري بمحام والحصول على مساعدة قانونية أثناء الإيقاف، لكن أعوان الشرطة كثيرا ما لا يُعلمون الموقوفين وعائلاتهم بالحق في التمثيل القانوني.[65] الاستثناءات الواردة في التشريعات الناظمة للمساعدة القانونية المجانية تُشير إلى أنّ الموقوفين بسبب شيكات بدون رصيد لا يستفيدون منها أبدا تقريبا، وفقا لحواص، رئيس الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.[66] صعوبة تحصيل الديونمن المفترض أن يُساعد حبس المدين على سداد الديون. أنصار هذه الطريقة يزعمون أنّها الأكثر فعاليّة لإجبار الأشخاص الذين ليس لديهم ضمانات على سداد ديونهم.[67]لكن في الواقع، كثيرا ما تكون هذه الممارسة غير فعّالة في معالجة حق الدائن في استرداد المبالغ المستحقة له. والحرمان من الحريّة هو بمثابة عقوبة مضاعفة للمدين الذي لم يرتكب أي أعمال احتياليّة لأنه يحرمه من مصدر للدخل، وبالتالي من الطريقة الأكثر جدوى لسداد ديونه.ألغت معظم الدول الأوروبيّة حبس المدين منذ نهاية القرن الـ 19 بعد اعتراف واسع بعدم فعاليته كآلية لتحصيل الديون.[68]وفقا لدراسة أعدّها البنك الدولي في 2017، “حتى حبس المدين ليس وسيلة مؤكدة لإجبار المدينين على السداد، وهناك مفارقة مأساوية واضحة في حبس المدينين من أجل حثهم على العمل على سداد مستحقات الدائنين. تمّ التخلي عن عقوبة السجن في معظم المناطق… لأنها كانت غير فعّالة في سداد مستحقات الدائنين بشكل جليّ”.[69]في 2020، قدّمت مجموعة من النواب التونسيين مشروع قانون لإلغاء تجريم إصدار شيكات بدون رصيد بحجّة أنّ التشريع الحالي قمعي وضار في العديد من الجوانب.[70] لكنّ هذا المشروع لم يُناقَش في مجلس نواب الشعب لأنّ الرئيس قيس سعيّد حلّه في مارس/آذار 2022.في ديباجة المشروع، قال النواب إنّ السجن في معظم الحالات لا يضمن سداد مستحقات الدائنين، بل هو يضرّ بالدورة الاقتصاديّة، حيث تتحمّل الدولة تكلفة سجن المدينين.اقترح مشروع القانون استبدال عقوبة السجن بقيود ماليّة وإداريّة لا تمنع المدين من العمل لسداد الدين، أو بعقوبات تكميليّة أخرى منصوص عليها في المجلّة الجزائيّة، مثل مصادرة الأصول. اقترح المشروع أيضا بدء اعتماد الشيكات الإلكترونية في العمليات بين الأفراد أو التجار لتوفير قدر أكبر من الأمن والشفافيّة، ودعا القضاة إلى النظر في طلبات الإفراج المشروط من الأشخاص المسجونين بسبب إصدار شيكات بدون رصيد.حتى منظمة الأعراف، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (الأوتيكا)، التي لطالما عارضت إلغاء تجريم الشيكات بدون رصيد، راجعت موقفها حيال الموضوع.في 2011، عارضت المنظمة إلغاء التجريم زاعمة أنّ مثل هذه الخطوة قد “تجعل الشيك يفقد قيمته وأهميته كوسيلة دفع”.[71] لكن في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، في جلسة أمام إحدى لجان مجلس نواب الشعب، وعلى إثر تقديم مشروع قانون لإلغاء تجريم الشيك بدون رصيد، أكد قادة الأوتيكا أنّ إلغاء عقوبة السجن على هذه الجريمة “ليس حلا لمكافحتها؛ بل على العكس من ذلك، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصاديّة (…) والأزمة التي تضرب المؤسسات الصغرى والحرفيين”.[72]لكن عندما سُئلت المنظمة مرّة أخرى في يوليو/تموز 2023 من قبل لجنة في البرلمان الجديد،[73] قال سمير ماجول، رئيس الأوتيكا، إنّ منظمة الأعراف صارت تعارض السجن بسبب إصدار شيكات بدون رصيد. وأشار إلى أنّ عقوبات السجن ثبت أنها غير ضرورية وتتعارض مع مبادئ التجارة. أوصت الأوتيكا باعتماد آليات وقائية لتجنب عدم دفع الشيكات، مثل اعتماد الشيكات الإلكترونية والشيكات ذات السقف، إلى جانب تحديث الإدارة.[74]بالنسبة لجمال القصيبي، رئيس “الجامعة الوطنية لمؤسسات البناء والأشغال العامة”، وهي عضو في منظمة الأعراف، هناك حاجة ماسة إلى بدائل عن سجن المدين وإصلاح القطاع البنكي.قال: “تمنح البنوك في بعض الأحيان دفاتر شيكات إلى أشخاص في وضعيات مالية سيئة لإخلاء مسؤوليتها، فالبنك يتأثر فقط إذا لم يُسدّد المقترض قرضه، وليس إذا تمّ رفض الشيك. يجب على البنوك أن تلعب دورها كوسيط”. يُمكن تحقيق ذلك من خلال رقمنة النظام البنكي لجعل العمليات أكثر أمانا، ومن خلال تحسين الوصول إلى القروض البنكيّة، وفقا للقصيبي.[75]في فرنسا، أعلِن إلغاء تجريم الشيكات المرتجعة بموجب “القانون رقم 91-1382” المؤرخ في 30 ديسمبر/كانون الأول 1991 المتعلق بأمن الشيكات وبطاقات الدفع،[76] بعد عامين من تطبيقه واعتباره “نجاحا لا جدال فيه (في ما يتعلق بأهداف المشرّع المتمثلة في تعزيز أمن مدفوعات الشيكات)” في تقييم أجراه “بنك فرنسا”.[77]ألغى القانون الفرنسي جريمة إصدار الشيك بدون رصيد، التي صارت الآن تعاقب أساسا بالحظر المصرفي، الذي يُشرف على تنفيذه النظام البنكي. أدّى القانون أيضا إلى تحسين حماية المستفيد من خلال تعزيز أمن معاملات الشيكات.لكن الأعمال التالية مازالت تعتبر جرائم جنائيّة: “سحب الأموال بعد إصدار الشيكات، بقصد الإضرار بحقوق الآخرين؛ الأمر بإيقاف الدفع غير القائم على أسس قانونية، بقصد الإضرار بحقوق الآخرين؛ تزوير وتزييف الشيكات وبطاقات الدفع؛ وانتهاك حظر إصدار الشيكات”.[78]في غضون عامين، أدّى القانون الجديد إلى تراجع نسبة الشيكات غير القانونية بنسبة 15.8%، وانخفاض في الشيكات بدون رصيد بنسبة 16.6%. أدى أيضا إلى انخفاض حاد في عدد حالات الحظر القضائي على الخدمات المصرفيّة (الحظر بأمر من المحكمة)، وفقا لنفس التقييم الذي أجراه بنك فرنسا.[79]اتخذت بلدان أخرى، مثل البلدان الثمانية المكوّنة لـ “الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا” (المعروف بالاختصار الفرنسي UEMOA)، خطوات لإلغاء تجريم الشيكات المرتجعة في 2011، بمبادرة من “البنك المركزي لدول غرب أفريقيا”،[80] بهدف تحديث أنظمة الدفع. موريتانيا، التي كان فيها استخدام “شيكات الضمان” أمرا شائعا، أصلحت قانونها التجاري في يناير/كانون الثاني 2020 بهدف تحديثه، وتعزيز حماية حقوق الإنسان وتحسين مناخ الأعمال، وفقا لتقرير صادر عن وزارة العدل الموريتانية.[81]عواقب سلبيّة على الشركاتبالإضافة إلى عدم فعاليته في تحصيل الديون من المدينين، يتسبب سجن المدين في الإضرار بالنشاط الاقتصادي، وغالبا ما يؤدي إلى إغلاق الأعمال التجاريّة وفقدان الوظائف، سواء سُجن أصحاب المشاريع أو قرروا الاختباء أو الهروب إلى المنفى.جميع الأشخاص الـ12 الذين تابعنا حالاتهم توقفوا عن نشاطهم الأصلي. ومن بين مشاريعهم، كان المشروع الذي كان يملكه مجيد هذلي الوحيد الذي استمر في العمل بضعة سنوات بعد اعتقاله، بما أنه تمّ تسليمه إلى زملائه. وجميع المستثمرين الآخرين إما عاطلين عن العمل أو يعملون في وظائف يوميّة غير رسميّة أو في المنفى.رغم أنّ جميع الشركات التابعة للأشخاص الذين قابلناهم توقفت عن النشاط، إلا أنّها لم تُغلَق أو تُحَلّ بشكل رسمي في حالة الشركات المسجلة. في الواقع، يتطلب إغلاق الشركة اتباع إجراءات إدارية معيّنة لدى السلطات، بالإضافة إلى دفع كلّ الرسوم المستحقة للدولة، مثل الضرائب ومساهمات الضمان الاجتماعي. نظرا للتكلفة العالية المحتملة لهذه العمليّة، فإنّ معظم أصحاب المشاريع الذين يواجهون بالفعل صعوبات ماليّة ومدينين بسبب شيكات بدون رصيد لا يُتابعون الإغلاق الرسمي لشركاتهم، حتى بعد التوقف عن النشاط بشكل كلي. وبذلك يستمرّون في مراكمة التكاليف المتعلقة بتسجيل شركاتهم، والتي سيتعيّن عليهم دفعها مستقبلا.حتى لو أعلنت الشركة إفلاسها، تظل الشيكات الصادرة أثناء العمل والتي رُفضت بسبب عدم كفاية الأموال مسؤولية جنائيّة فرديّة لمن أصدرها. وإذا رُفضت بالفعل من قبل البنك، فلا يُمكن إلغاؤها كجزء من إجراءات الإفلاس.[82]من بين الأشخاص الذين قابلناهم، طلب اثنان من البنك الحصول على قرض أو سحب على الحساب لتغطية ديونهم الناجمة عن الشيكات، لكنّ مطالبهما رُفضت بسبب الشيكات بدون رصيد.رغم أنّ استخدام الشيكات محفوف بالمخاطر، إلا أنّها تظلّ أداة عمل لا غنى عنها بالنسبة للشركات متناهية الصغر والشركات الصغرى والمتوسطة في تونس. ساهمت العوائق التي تحول دون وصول هذا النوع من الشركات إلى القطاع البنكي في مأسسة استخدام الشيكات كوسيلة لخلق السيولة وتمكين الأطراف الفاعلة الاقتصادية من الاقتراض على المدى القصير إلى المتوسط.بالنسبة للمزوّدين، فإنّ التهديد بالسجن في حال عدم السداد يجعل الشيك وسيلة تعامل أكثر أمانا من غيرها، مثل الكمبيالة، التي تكون محدودة الاستخدام. الكمبيالة هي وثيقة تجاريّة مكتوبة يُرسلها مزوّد السلع أو الخدمات إلى العميل ليدفع قيمتها بما يتماشى مع الشروط المحددة فيها، أي المبلغ وتاريخ الاستحقاق والطرف المستلم للدفع. في حال عدم سداد الكمبيالة، يُمكن الشروع في دعوى مدنيّة.وفقا لحواص، رئيس الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسّطة، فإنّ الكمبيالة، التي كانت تُستخدم كأداة تجارية على نطاق واسع منذ عشر سنوات، فقدت من قيمتها مقارنة بالشيك. كما لاحظ أنّ الدفع عبر الإنترنت وبالبطاقات يُستخدَم نادرا بين المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس.[83]بحسب أرقام صادرة عن البنك المركزي التونسي، في الفترة بين مايو/أيار 2020 وأكتوبر/تشرين الأول 2020، كانت الشيكات هي وسيلة الدفع الرائدة بفارق كبير من حيث حجم العمليات، والثالثة من حيث عدد العمليات، بعد الدفع بالبطاقات والتحويلات البنكيّة.[84]ضغط على المحاكم والسجونإضافة إلى كونه غير فعّال، فإنّ التجريم التلقائي للشيكات المرتجعة مُكلف للدولة التونسية، لأسباب ليس أقلها أنه يفرض أعباءً كبيرة على منظومتي القضاء والسجون.وفقا لمحاميين قابلناهم، فإنّ المحاكم مثقلة بقضايا الشيكات.وفقا للحكومة، كان عدد القضايا المنظورة في المحاكم بخصوص 496 شخصا مسجونين بسبب إصدار شيك دون رصيد 11,265 قضية، منهم الذين حوكموا بالفعل.[85]في تونس، من المفترض أن يكون لكلّ محكمة ابتدائيّة قاض واحد للشيكات. إلا أنّ بعض المحاكم، مثل تونس العاصمة، لديها عدّة قضاة، بسبب العدد الكبير من القضايا المعروضة عليها.أشار تقرير حول إلغاء تجريم إصدار الشيك بدون رصيد في فرنسا، صدر بعد عامين من إصلاح 1991، إلى أنّ أحد تأثيراته المباشرة كان تخفيف الازدحام في المحاكم نظرا للتراجع الكبير في عدد قرارات الحظر القضائية (قرارات حظر بأمر من المحكمة).[86]في تونس، يوجه الأشخاص المسجونون بسبب الشيكات المرتجعة، مثل بقية الموقوفين، ظروفا سيئة في سجون مكتظة. وفقا لأرقام رسميّة، في سبتمبر/أيلول 2021، كان هناك ما مجموعه 23,484 سجينا في تونس – أي أكثر من الطاقة الاستيعابية الرسمية لمنظومة السجون المقدّرة بـ 18,577 سجينا –، 54.9%منهم في الإيقاف التحفظي.وفقا لأرقام لوزارة العدل التونسيّة تعود إلى سنة 2016، يُكلِّف السجين الدولة التونسيّة ما متوسّطه 32 دينارا (10 دولار) يوميا، ما يعادل 11,680 دينار (3,700 دولار) سنويا.في تقرير نُشر في أبريل/نيسان 2014، دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تونس إلى تخفيف الاكتظاظ في النظام الجزائي والقضائي، لا سيما من خلال تطوير التشريعات التي تضمن إجراء تحقيق ومحاكمة عادلة، وتقليص عدد الأحكام بالسجن لفترات قصيرة.[87] يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان بشكل لا لُبس فيه الحرمان من الحريّة بسبب عدم الوفاء بالتزام تعاقدي. وفقا للمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، وتونس طرف فيه منذ 1969: “لا يجوز سجن أيّ إنسان لمجرّد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”، وهذا يشمل حظر الحرمان من الحرية لعدم سداد الديون، سواء من قبل الدائن أو الدولة. وفقا لتعليق عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، فإنّ عبارة ‘لمجرّد’ تعني تحديدا استبعاد الاحتيال، وأنّ الحماية التي توفرها المادة 11 “لا تنطبق في الحالات التي يملك فيها المدين الوسائل المالية للوفاء بالتزام تعاقدي”. وفقا للمادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجوز للدول أن تتخذ، في حالات الطوارئ، تدابير تنتقص من بعض التزاماتها. لكن المادة 11 تحديدا غير معنيّة بأي استثناء.على تونس أيضا التزام بضمان حصول سكانها على مستوى معيشي كاف. بموجب المادة 11″ للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، فإنّ “المستوى المعيشي الكافي” للفرد وأسرته يستوجب “ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية”. رغم أنّ خلق الديون وإنفاذها لا يتعارض بشكل مباشر مع هذا الالتزام، فإنّ الأدلة تُظهر أنّ حبس المدين، بما في ذلك خطر السجن بسبب الشيكات المرتجعة وأنواع معيّنة من إنفاذ الديون، له عواقب ضارّة على قدرة العديد من المدينين على تأمين الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لأنفسهم ولأسرهم، بما في ذلك الطعام والمأوى والرعاية الصحيّة.[90] في إطار الوفاء بالتزامها بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، يتعيّن على تونس أن تمنع وتخفف على الأقل الممارسات، بما في ذلك في القطاع التجاري في الحالة التونسيّة، التي تنتج عنها مثل هذه العواقب، وأن تكون يقظة لضمان عدم تورط الدولة في مثل هذه الممارسات من خلال مؤسسات مثل الشرطة والمحاكم. أجرت أبحاث هذا التقرير سلسبيل شلالي، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس، وحرّر التقرير إريك غولدستين، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شاركت حنان صلاح، المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأبحاث الأولية وراجعت التقرير. راجعته أيضا هاجر حرابش، مساعدة أبحاث أولى.قدّمت سارة سعدون، باحثة أولى ومناصرة في مسائل الفقر وعدم المساواة في قسم العدالة والحقوق الاقتصادية مراجعة متخصصة. أجرى كلايف بالداوين، مستشار قانوني أول، مراجعة قانونية. قدّم طوم بورتيوس، نائب مدير البرامج، مراجعة برامجية.ساعد كل من شربل سلوم، مسؤول أول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، وترافيس كار، مسؤول المنشورات الرقمية في هيومن رايتس ووتش، في إعداد التقرير للنشر.نُعرِب عن امتناننا إلى كل الذين تحدثوا إلينا أثناء الأبحاث رغم الصعوبات وأحيانا المخاطر، وأقارب الأشخاص المدينين والمسجونين، وكذلك الأشخاص المدينين والملاحقين الذين يعيشون في تونس والمنفى.تشكر هيومن رايتس ووتش أعضاء الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وشركاؤنا، وخاصة عبد العزيز حواص، الذي قدّم مراجعة خبراء للأبحاث وربط الصلة بين هيومن رايتس ووتش والعديد من الأشخاص الذين قابلناهم.نحن ممتنون لكل الخبراء الذين استفدنا من مساهماتهم في البحث، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر المحامين علي الحاج ونجاة ذهيبة وحنان الخميري، والقاضي عبد الستار الخليفي، والخبير المالي عبد القادر بودريقة، والباحث حمزة المدّب، ورجل الأعمال وعضو الأوتيكا جمال القصيبي. 

#لا #مفر

تابعوا Tunisactus على Google News

- الإعلانات -

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد