- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

محطّة الاستثناء الدّستوري، استجلاء العوامل واستشراف المآل

بقلم المنذر الرّزقي – باحث في العلوم السياسية – تونس, الثلاثاء 21 سبتمبر 2021. ما جاء في خطاب رئيس الجمهورية مساء الاثنين 20 سبتمبر 2021 المنقول مباشرة من سيدي بوزيد يحمل العديد من الرّسائل الهامّة الحقيقة بتعميق النّظر ولكنّها لا تكتسي صيغة القرارات. لذلك لا يمكن الجزم بأنّ شيئا تغيّر في الوضع الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد منذ زهاء الشّهرين إلى أن يأتي ما يخالف ذلك. ويبقى التمسّك بصوت الحكمة والمسؤولية والرّشاد واجب على الجميع حتّى تحقّق مرحلة الاستثناء الدّستوري أهدافها دون الخروج عن الدّستور وبما يحفظ الوطن من الانزلاق نحو المجهول.

وعليه يبقى ما حدث يوم 25 جويلية 2021، يوم الذّكرى 64 لإعلان النّظام الجمهوري في تونس (25 جويلية 1957)، دون ريب منعرجا تصحيحيا شعبيا لمسار انتقال ديمقراطي  ثوري انحرف عن الطّريق.

وهذا الحدث الاستثنائي لا يمكن أن يكون في قطيعة عن الثورة التي شهدتها تونس ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 ‏جانفي 2011 والتي مثّلت فعلا بطوليا شعبيا تلقائيا واسعا حرّكه إحساس شديد بفقدان الأمل في حياة تتيح الحدود الدنيا للكرامة الإنسانية في ظل نظام سياسي انعدمت شرعيته كليا منذ أن أصابه داء الغرور بالسلطة فسقط في فخّ الانفراد بها وعدم الاكتراث بانتظارات الشعب ‏وتطلعاته واحتياجاته.

هذا الفعل التلقائي الشعبي البطولي لم تحركه ولم تؤطره ولم تقده أية جهة حزبية من الجهات التي تصدرت المشهد السياسي خلال العشرية الأولى التي تلت 2011 والتي استأثرت بمقاليد إدارة شؤون البلاد على أساس انتخابات 2012‏ واستأثرت بالخصوص بمقاليد التأسيس لمنظومة جديدة هلّل المؤسسون بانتصابها في يوم مشهود احتضنه المجلس الوطني التأسيسي بتاريخ 27 جانفي  2014.

لكن لم تمر على هذا البناء الذي أعلن عن ميلاد الجمهورية الثانية سوى سبع سنوات لينتفض الشعب من جديد يوم 25 جويلية 2021  معبرا عن نفاذ صبره على هذه المنظومة و ‏سخطه على ما آلت إليه أوضاع البلاد على كافة الأصعدة(1) محملا المسؤولية في المقام الأول إلى الجهة السياسية التي اعتبرها الحاكم الفعلي للبلاد خلال هذه الفترة وهي حزب حركة النهضة، وكذلك‏ إلى مجلس نواب الشعب الذي اعتبره عنوان الفشل ونادى بحله.

تجاه هذا الوضع الخطير الذي بات يهدد أركان الدولة بادر رئيس الجمهورية إلى إعلان الحالة الاستثنائية استنادا للفصل 80 من الدستور الذي أعلن الالتزام به وعدم الخروج عنه.

منذ ذلك اليوم المنعرج في تاريخ الدولة التونسية تعيش البلاد في ظل الأحكام الاستثنائية ممّا أسال الكثير من الحبر وألهم العديد من الآراء والمواقف والشهادات المتماثلة أو المتباينة بحسب تقارب أو تباعد زوايا النّظر وأحيانا بحسب تنوّع الخلفيات الفكرية الرّابضة وراء أصحابها.

ولكنّ كلّ هذا الزخم من التحاليل على ما قد حمله من إنارة ووجاهة لم يسمح بالإجابة عن السّؤال الرّئيسي الذي بات يؤرق التونسيين في المقام الأوّل والمتعلّق بالاستشراف الموضوعي للمآل الطّبيعي لهذا الوضع الاستثنائي:

فهل سينجح الاستثناء الدّستوري في تصحيح المسار الإصلاحي الذي رفعته ثورة 2011 إذا سلّمنا بأنّ تونس ما بعد الثّورة قد التزمت فعلا بمسار البناء الدّيمقراطي؟

أم أنّه سيعيد البلاد إلى مربّع الفشل والانهيار إذا سلّمنا بأنّ تونس قد انتهت في أعقاب العشرية المنقضية إلى كارثة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة وغير مسبوقة؟

الإجابة على هذا السّؤال  الجوهري المزدوج تمرّ حتما عبر تفكيك ‏الوضع القائم في تونس قبيل 25 جويلية 2021 بتبيّن العوامل التي جعلت الاستثناء نهاية محتملة لمسار متعثّر (أولا)، ‏قبل استجلاء  طبيعة الاستثناء وما يمكن أن يحمله من آمال في الإصلاح (ثانيا)، والختم بعرض تصوّر أوّلي لمشروع خطّة عمل لمرحلة الاستثناء تمهيدا متواضعا لرسم متطلّبات العودة السّريعة والواثقة إلى المسار الطّبيعي السليم (ثالثا).

أوّلا – الاستثناء الدّستوري: نهاية محتملة لمسار متعثّر

‏ثورة، ‏فآمال، فاستعداد، فانتخابات ديمقراطية، فمجلس تأسيسي، فدستور، فمنظومة حكم جديدة، فانتخابات تشريعية ورئاسية في مناسبتين، فأداء مهزوز فوضع كارثي، فإحباط ويأس عميقان، فانتفاضة واسعة وعارمة حملت في طياتها سؤالا شعبيا مدوّ: ماذا فعلتم بأهداف ثورتنا أنتم الذين استأمناكم على العمل من أجل تحقيق كرامتنا؟

‏هذه الجملة البسيطة تلخص تحول الشعور الشعبي من مرتبة الحلم المتاح إلى حالة اليأس والإحباط. فهل كان للشّعب أن ينتفض بكلّ هذا الإصرار والعزم وهل كان لهذا التحوّل العميق أن يحصل لو التزم السّاسة بالعمل طيلة العشرية المنقضية على تحقيق التطلعات الشعبية ‏المشروعة للكرامة في معناها الواسع؟

الذي حدث على امتداد العشرية الأولى بعد الثّورة كان مخالفا للانتظارت، وشكّل زيغا عن المسار الدّيمقراطي المنشود شعبيا والذي اختصرته حناجر ثورة 2011 في مصطلح جامع : “الكرامة الوطنية”. ولا أعتقد أنّ هذا الزيغ قد جاء عفويا بل جاء محسوبا ومحبوكا لتوظيف التأسيس الجديد لجمهورية ثانية من أجل إرساء منظومة حكم عنوانها كسب المواقع والحضور والاسمترار والانتظار بدل الفعل والإنجاز والنّجاعة في الأداء وكأنّ الغاية المنشودة من وراء ذلك كانت التعفين التّدريجي للحياة السياسية ولإدارة الشأن العام مع مسك المواقع والسّيطرة على مفاصل الدّولة والانفراد بالقرارات المصيرية ولكن مع ملازمة الحذر تجنّبا لتحمّل المسؤولية فيما يتّصل بكافّة مظاهر الفشل والإخفاق(2). بذلك وخلافا لما كان منشودا شعبيا انحرف المسار الثّوري الإصلاحي عن طريقه، بل انقلب رأسا على عقب ليحمل لواء التوافق على اقتسام كعكة المزايا على حساب الذين هيّؤوا بدمهم وأرواحهم الأرضية الملائمة لتشييد صرح جديد أساسه الدّيمقراطية الأصيلة وتمثّلاته الشغل والحرّية والكرامة الوطنية.
فكان الفعل في إطار أشغال المجلس الوطني التأسيسي حيث تركّز العمل على مستوى رسم هندسة غريبة لمنظومة الحكم ليتجلّى ذلك لاحقا في مستوى أداء السّلط العمومية.

1- هندسة غريبة لمنظومة الحكم على مستوى صياغة الدّستور

‏لا مراء في أن عملية صياغة الدستور 2014 قد غلب عليها الحرص على القطع مع الطابع الانفرادي بالحكم المسيطر على دستور 1959 أكثر من الحرص على تأمين أسباب النجاعة في آداء السلط العمومية مع تنظيم العلاقة بينها على أساس التوازن الإيجابي الحركي الفعال فكان النتاج مثلما وصفه الأستاذ رافع بن عاشور مبيّنا أنّ “‏المشرع التأسيسي التونسي سعى إلى إقامة نظام سياسي يمكّن من تجنب الانحرافات الاستبدادية فوقع في المبالغة وفتح باب تنازع الاختصاصات التي ستنكبّ عليه المحكمة الدستورية”(3) .

هذا التفسير الذي ذهب إليه عدد من أخصّائييّ القانون الدّستوري(4) وجيه بالتأكيد ولاسيما بالنّسبة إلى عدد من مؤسّسي الجمهورية الثانية ولكنّ لا أعتقد أنّ الأمر يستقيم بنفس الدّرجة من البراءة مع كافّة المؤسّسين. فمسألة الحرص الشّديد على القطع مع مخاطر الاستبداد في دستور 1959 لا يمكن أن تفسّر لوحدها الغلو في تكبيل منظومة الحكم بهذا المستوى من الإحكام مّما يدفع إلى استبعاد الفعل على وجه الخطأ. فهل من قبيل الصّدفة أن تخرج منظومة الحكم التّونسية عن أصناف الأنظمة السياسية التقليدية؟(5)

‏لكن هذا التساؤل لا يمسّ في شيء من شرعية الدستور التونسي لسنة 2014 الذي يبقى نصا وضعيا ‏جاءت صياغته في سياق تاريخي معلوم، وكان من الطبيعي أن يحمل نفحات المرحلة والتزاماتها وأن يعمل عارضوه على ترجمة نداءات وتطلعات الشعب التونسي المصدر الشرعي الأوحد للثورة، إلى الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

فالمجلس الوطني التأسيسي صادق عليه بتاريخ 27 جانفي 2014 عبر مخاض صعب دام ما يقارب الثلاث سنوات وقد حاز إعجاب العديد من ‏أهل الذكر حيث ذهب بعضهم إلى اعتباره أحد أفضل دساتير العالم. وهذا لم يمنع البعض الآخر من إبداء تحفظه تجاه بعض مضامين هذا الدستور التي تشوبها نقائص وهنات لا تتحقق في ظلها النجاعة المطلوبة في إدارة الشأن العام بما يحقق الاستجابة المنشودة لإرادة شعب ثار وانتفض من أجل الكرامة الوطنية ‏باعتبارها الرمز الأساسي والمدخل الرئيسي لكافة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وتجدر الإشارة إلى أن الغاية من الرّجوع إلى نصّ هذا الدّستور وبحث بعض الجوانب في صياغته تتمثّل بالتحديد في استجلاء تنظيم السلطات العمومية و ضبط العلاقة بينها. فإن تأكّد وجود بعض ‏مواطن الاختلال التي أثرت سلبا في أداء هذه السّلطات لوظائفها فإن ذلك لا يعني التّقليل في شيء من الأوجه الإيجابية التي حققها هذا الدستور والتي لا تدخل ضمن اهتمامنا في سياق هذا البحث.

في هذا المستوى يتبدّى للملاحظ أن الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ التوازن بينها كان نسبيا ضعيفا في دستور الجمهورية الثانية. ‏فكأنّ الغاية الأساسية الواضحة والجلية للمؤسسين تمثّلت في وضع ثقل الحكم في باردو وإخضاع القصبة لسيطرته مقابل تهميش قرطاج(6). لكن ذلك لم يكن بشكل مباشر وبيّن مثلما يتيحه النظام البرلماني التقليدي الذي تأسّس على معادلة ثلاثية: أغلبية تَحْكُم وأقلية تعارض وشعب يُحَكّم، وإنّما بطريقة ملتوية ومعقدة تغازل الغموض وتغذّي التوتر و‏تخلّف انعدام الاستقرار في مستوى الممارسة دون أن تتضح للعيان الجهة السياسية المسؤولة عن ذلك.

أ- باردو: مركز ثقل الحكم

في ظلّ هذه المنظومة الجديدة تعود ممارسة السلطة التشريعية لمجلس نواب الشعب الذي يحظى  في جملة أعضائه (217 عضوا) بالشرعية الشعبية الكاملة عن طريق الاقتراع. وهو بالتالي مستقل عضويا عن باقي السلطات مع علويّته على أحد رأسي السلطة التنفيذية (رئيس الحكومة): أولا باعتبار صلاحية الحزب أو الائتلاف المرتب الأوّل في الانتخابات التشريعية في تعيين المرشح لرئاسة الحكومة لتشكيلها وعرضها على البرلمان لنيل الثقة، وثانيا باعتبار خضوع رئيس الحكومة لسيطرة البرلمان بموجب احتمال سحب ثقة البرلمان عنه في أيّ وقت وتحت أية ذريعة يعتبرها البرلمان كافية لإسقاط الحكومة، ‏والمناسبات في هذا المجال كثيرة بما يجعل رئيس الحكومة تحت السيطرة التامة والدائمة في علاقته بالبرلمان.

‏أما من الناحية الوظيفية فهو يشترك مع السلطة التنفيذية برأسيها في ممارسة الوظيفة التشريعية حتى وإن كانت لمبادرات رئيس الجمهورية أولوية النظر، ‏كما له سلطة شبه تقديرية عبر آلية الختم.

‏لكن في هذا الصدد بالذات لابد من الاهتمام بالمسار التشريعي صلب المؤسسة التشريعية حيث يضطلع مكتب المجلس بدور بالغ الأهمية يتمثل في ترتيب عرض مشاريع القوانين الواردة : أوّلا على اللجان القارّة، ثم عند استيفاء النظر فيها من اللجان، على الجلسة العامة(7). وهذا الهامش التنظيمي يسند المؤسّسة التشريعية هامشا تقديريا إضافيا للتأثير في المسار التشريعي.

‏علاوة على ذلك، تحظى المؤسسة التشريعية بصلاحية بالغة الخطورة في علاقتها برئيس الجمهورية تتمثل بالخصوص في إقالته مرورا بالمحكمة الدستورية(8).

‏بهذه الصورة تتصدر السلطة التشريعية دستوريا منظومة الحكم التي تتميز كذلك بتغذية التوتر بين قرطاج والقصبة لفائدة باردو.

‏ب – تغذية التوتر بين قرطاج والقصبة لفائدة باردو

في هذا المقام قد يصلح استحضار المثال العربي “فرّق تسد”.

لقد أسند ‏دستور 2014 السلطة التشريعية صلاحيات ذاتية كافية ‏لتتصدر منظومة الحكم دون أن تثار مسؤوليتها بشكل واضح ومباشر وقابل للمحاسبة(9).

‏ولم يكتف الدّستور بذلك بل أتاح زرع بذور التوتر في صفوف السلطة التنفيذية وبالتحديد بين رأسيها: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ‏وقد شملت بذور التوتّر الجانب العضوي والجانب الوظيفي على حد سواء بحيث جعل السلطة التنفيذية في وهن وضعف في علاقتها بالسلطة التشريعية بعيدا كل البعد عن مبدأ التوازن الذي يميز هذه الروابط في الأنظمة الديمقراطية.

كما عمد دستور 2014 ‏إلى توزيع السلطة التنفيذية إلى قسمين جعل على كل منهما ‏رأسا ‏مستقلا بذاته ظاهريا في أداء مهامه، ‏لكن هذا التوزيع جاء أعرجا على الصعيد العضوي بقدر ما جاء مريبا على الصعيد الوظيفي.

‏ّ* توزيع أعرج للسّلطة التنفيذية على الصعيد العضوي(10)

‏جعل الدستور رئيس الجمهورية يحظى بشرعية شعبية شاملة ومباشرة لا تضاهيها سوى شرعية 217 عضو مجلس نواب الشعب مجتمعين. وهو خيار في ظاهره وجيه يستند إلى المكانة الخاصة التي يحظى بها رئيس الجمهورية ضمن المنظومة الدستورية الجديدة في تونس، ويتناسب ومكانته الاعتبارية في قلوب التونسيين عموما.

‏مقابل ذلك أسند الدستور رئيس الحكومة شرعية مستقلة، وغير مباشرة ومشروطة لها بالغ الأثر في أداء وظائفه.

‏فهي شرعية مستقلة عن رئيس الجمهورية الذي لا يختار رئيس الحكومة وإنّما يعيّنه بترشيح من الجهة الفائزة في الانتخابات التشريعية(11) فيكون الرابط العضوي بينهما منعدما تماما.

‏كما أن رئيس الجمهورية لا يجوز له إقالة رئيس الحكومة دون أن يكون بدوره معرضا للاستقالة إذا سارت الأمور على غير ما ينتظر(12).

‏وهي أيضا شرعية غير مباشرة لأنها تأتي عن طريق التصويت على منح الثقة من البرلمان باعتباره هيئة بدورها منتخبة شعبيا.

‏وهي كذلك شرعية مشروطة لأنها تبقى خاضعة لمبدأ التوافق في مستوى الأغلبية البرلمانية المساندة وهو توافق ظرفي تحكمه معادلة مجهولة العوامل.

‏وعليه ليس بمثل هذا الاختلاف في الشرعية وبمثل هذه القطيعة العضوية بين رأسي السلطة التنفيذية يبنى  الانسجام والتكامل بينهما لغاية الأداء الناجح والفعال في المستوى التنفيذي.

‏* توزيع مريب للسّلطة التنفيذية على الصعيد الوظيفي

‏عند استعراض الصلاحيات التي أسندها دستور 2014 إلى كل من رأسي السلطة التنفيذية نكتشف دون عناء أن المشرع التأسيسي قد سعى إلى تعميق الفجوة وبث بذور الخلاف بينهما(13) في إطار “علاقة نزاع تغذّي المواجهة بين صلاحيات رئيس الحكومة وصلاحيات رئيس الجمهورية باعتبارهما رأسا السّلطة التنفيذية”(14).

‏تعميق الفجوة بين رأسي السلطة التنفيذية

‏لقد أسند الدستور رئيس الجمهورية وأحد رأسي السلطة التنفيذية صلاحيات محدودة تتناقض ومستوى الشرعية التي يتمتع بها ومع المكانة التي يحظى بها اعتباريا لدى الشعب التونسي. فكأنّ المشرع التأسيسي يسحب من رئيس الجمهورية بيده اليسرى ما أسنده إليه بيده اليمنى. لذلك نجده قد حصر صلاحياته أساسا في:

“ضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة(15)” .
“التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة، وتضبط هذه الوظائف العليا بقانون(16)“.
‏مقابل ذلك وّسّع المشرّع التأسيسي في صلاحيات الرأس الثاني للسلطة التنفيذية (رئيس الحكومة) سعيا لإرضائه وإعطائه حجما أرفع من الصلاحيات يمكن أن تستغلّها الأغلبية البرلمانية بصورة غير مباشرة في فرض سلطانها على السلطة التنفيذية. بذلك شملت صلاحياته على وجه الخصوص:
ضبط ر السياسة العامة للدولة، والسهر على تنفيذها (باستثناء القطاعات الرّاجعة بالنّظر لرئيس الجمهورية)،
إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء،
إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البتّ في استقالته، وذلك بالتشاور مع رئيس الجمهورية إذا تعلق الأمر بوزير الخارجية أو وزير الدفاع،
إقالة مجلس الوزراء،
إحداث أو تعديل أو حذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء، باستثناء الراجعة إلى رئاسة الجمهورية فيكون إحداثها أو تعديلها أو حذفها باقتراح من رئيس الجمهورية،
إجراء التعيينات والإعفاءات في الوظائف المدنية العليا. وتضبط الوظائف المدنية العليا بقانون،
التصرف في الإدارة، وإبرام الاتفاقيات الدولية ذات الصبغة الفنية،
رئاسة مجلس الوزراء،
دعوة مجلس الوزراء وضبط جدول أعماله،
ممارسة السلطة الترتيبية العامة(17).

‏وبذلك خيّل لرئيس الحكومة أنّه بات المهيمن على السلطة التنفيذية التي يسبح في فلكها كما يشتهي ولكن في الحقيقة ليست سوى هيمنة افتراضية لأن السلطة التشريعية تبقى المستفيدة الأولى من هذا الاختلال في توازن القوى بين رأسي السّلطة التنفيذية.

بثّ بذور الخلاف والغموض بين رأسي السلطة التنفيذية

ولكن هذا الاختلال لم يكف لفرض سلطان السلطة التشريعية على منظومة الحكم فكان لابد أن يوظف نص الدستور في تعميق ذلك فكان بثّ بذور الخلاف والغموض في توزيع هذه الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية(18).

‏وهذا الأمر يفسّر مواطن الغموض والحمل على تعدّد التأويل والدّفع إلى الخلاف الذي قد يفضي إلى التوتّر وربّما إلى الصّراع في مستوى عدد من الصّلاحيات ذات العلاقة باستعراض النّفوذ ولعلّ أهمّها:

رئاسة مجلس الوزراء،
التعيينات والإعفاءات في الوظائف المدنية العليا،

بناء على ما تقدم لم تكن الإخلالات الدستورية في مستوى صياغة البنود الخاصة بمنظومة الحكم عفوية بل كانت قصدية في عمومها والغاية واضحة وجلية وتتمثّل في استخدام  ذريعة تجنّب استبداد رئاسة الجمهورية فاستبدلت الاستبداد بآخر، استبداد خفي للمؤسسة التشريعية على منظومة الحكم(19) ولكن بطريقة تقوم على المناورة والمكر والمخاتلة والتعامل مع الفاعلين السياسيين ‏كل على هواه ولكن ما غاب عن واضعي هذه المنظومة صلب دستور الجمهورية الثانية أنّ من الفاعلين السياسيين في تونس، وهم كثر، من لا هوى يعلو لديهم على هوى الوطن الذي لن يتحقّق مجده في ظلّ توازن صوريّ هش للسّلطات يغذي الفرقة بينها ليغرق الشّعب في دهاليز المحن.

وحتّى لا نغالي في القسوة عند تقييم صياغة بنود منظومة الحكم ضمن دستور 2014 سنحاول بحث تأثيرها في مستوى الأداء التطبيقي لهذه المنظومة منذ الانتخابات التشريعية والرّئاسية لسنة 2014 من خلال استجلاء كيفية دوران دواليب الدّولة على نهج هذه المنظومة. ومنذ البداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الانتخابات لم تثمر أغلبية لفائدة أيّة جهة سياسية فجدّ حادث لم يكن في الحسبان تمثّل في زيجة بين خطّين متوازيين قيل أنّهما لا يلتقيان لكن إرادة النّاخبين، في قراءة إبداعية، فرضت عليهما متعة الفعل السياسي المشترك لكن دون أن ينجحا، رغم نظرية التوافق المزعومة، في تجنيب الشّعب مظاهر “الخلاف بين السّلطات وتعطيل المؤسسات”(20)

وبقينا بعد الانتخابات التشريعية والرّئاسية لسنة 2019 بعيدا عن مشهد الأغلبية المسيطرة على دواليب الدّولة فكيف كان الأمر في مستوى أداء السّلط العمومية عملا بمنظومة الحكم في دستور 2014.

فهل كان الفعل رشيدا مثلما بشّر به المؤسسون؟ أم جاء انعكاسا تطبيقيا وفيّا للبناء الفكري الذي حمله؟

2 – أداء منظومة الحكم انعكاس تطبيقي لهندسة دستورية غريبة (“الإناء بما فيه يرشح”)

عند الانتقال من مستوى وضع التراتيب الدّستورية بما في ذلك من تداول ونقاش وتفاعل وتمثّلات نظرية استباقية إلى مستوى التطبيق وما في ذلك من واقع حيّ بارتداداته الآنية التي لا تهمل ولا تمهل ولا تخضع لعلم الاستشراف نكتشف البون الشاسع الذي يفصل النّظرية مثلما نتخيّلها ونستحسنها عن التطبيق مثلما يفرضه الواقع السياسي والحيّ والنّابض والمتحرّك. هنا تكمن الحكمة في الرّجوع إلى أصناف الأنظمة السياسية ذات الأساس الدّيمقراطي القائمة على الفصل بين السّلط والتوازن بينها، وبحث آثارها التطبيقية على الشعوب التي اعتمدتها، ثمّ اختيار الصّنف الأقرب لانتظارات شعبنا وليس لحسابات أحزابنا ولا تحت وقع تجربة سيّئة مررنا بها. والإبداع هنا يكون في اختيار التنظيم الذي تتحرّك دواليب الدّولة في إطاره بأكبر قدر من النجاعة بما يكفل أعلى درجات الكرامة الوطنية.

بيد أنّ مؤسّسي الجمهورية الثانية في تونس اختاروا الإبداع فهندسوا منظومة حكم على غير أصناف منظومات الحكم المتعارف عليها في العالم فكانت النّتيجة أن لا فصل حقيقي بين السّلطات وأن لا توازن فعلي بينها بما أدخلنا سريعا نسبيا في أزمة خانقة انتهت بنا إلى إعلان الاستثناء الدّستوري.

وهذا الإبداع الدّستوري الهجين كان له وقعه السّلبي على أداء كلّ من السّلطتين التشريعية والتنفيذية الذي جاء متعثّرا ومخيّبا وهوما تترجمه وتيرة الأزمات.

أ – السّلطة التشريعية: أداء في غير حجم الإمكانات

لقد سبق أن بيّنا كيف جعل الدّستور السّلطة التشريعية المحور الرّئيسي لمنظومة الحكم سواء بإعطائها فرصة السّيطرة على رئيس الحكومة أو بتمكينها من صدّ رئيس الجمهورية علاوة على أدوات الفعل الأصلية التي تملكها والمتمثّلة في أداة التشريع وأداة الرّقابة : فكيف تبدّى أداؤها؟

نستعرض فيما يلي البعض من مظاهر ضعف الأداء بالنّظر إلى الصّلاحيات التي أتاحها الدّستور، وهي تتوزّع بين ما تمّ التغاضي عنه، وما تمّ التركيز عليه، وما تمّ التّهاون في تطويره.

التقصير في إعمال إمكانات رهيبة أتاحها الدّستور

لقد أسند الدّستور السّلطة التشريعية إمكانية ما لا يقلّ عن ثلاث أدوات فعل ضدّ رئيس الجمهورية وهي:

عزل رئيس الجمهورية في حالة ارتكابه لخرق جسيم للدّستور من خلال اللجوء إلى المحكمة الدّستورية(21).
الدّفع بعدم دستورية ردّ رئيس الجمهورية لمصادقة المجلس على مشروع قانون في صيغة معدّلة وذلك باللجوء إلى المحكمة الدّستورية(22)
رفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية وذلك بصورة غير مباشرة وبالتحديد من خلال رئيس الحكومة(23).

لكنّ هذه الأدوات بقيت معلّقة في غياب المحكمة الدّستورية نتيجة عدم المبادرة بإرسائها ‏فعليا رغم التنصيص الدستوري على أنهّ يتم ذلك في اجل أقصاه سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية. والخلل في هذه المسألة يتحمل مسؤوليته مجلس نواب الشعب في الدّورة الأولى من مدّته الأولى: 2014-2015  الذي لم يحترم الآجال الدّستورية التي ما كان لها أن تتجاوز تاريخ 25 أكتوبر 2015 باعتبار أنّ الانتخابات التشريعية قد انتظمت بتاريخ 26 أكتوبر2014. ولئن بادر مجلس نوّاب الشّعب إلى إصدار القانون الأساسي المتعلّق بالمحكمة الدّستورية في أواخر 2015(24) فإنّه فشل في تعيين أعضاء المحكمة الرّاجعة له وظيفة تعيينهم، وبقيت عملية إرساء المحكمة الدّستورية معلّقة دون إنفاذ وظلّت بالتالي وظائفها معطّلة بسبب قصور آلية التوافق على تأمين تراض أصحاب القرار البرلماني حول أربعة أسماء لعضوية المحكمة الدّستورية.  ألم تكن آلية الانتخاب أكثر ملاءمة من آلية التوافق ما دام الأمر يتعلّق بقرار يصدر عين هيكل جماعي (مجلس نواب الشعب) بعيدا عن الترضيات المحسوبة التي تقوم على التقاسم الحسابي للمصالح والمواقع التي لا تكون أحيانا قابلة للقسمة البسيطة التي يتطلّبها التوافق؟

هذا ما تسبّب في إعاقة الفصل في بعض الاختلافات المتّصلة بتأويل النّصّ الدستوري فيما يتعلّق بمسألة أداء بعض وزراء حكومة هشام المشيشي الثانية اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية. فأعاد مجلس نوّاب الشّعب مسألة إرساء المحكمة الدّستورية على السّطح بعد حوالي سبع سنوات من التناسي أو النّسيان وبادر إلى تعديل القانون الأساسي المتعلّق بالمحكمة الدّستورية وعرضه على ختم رئيس الجمهورية ليصطدم برفض هذا الأخير لأسباب ضمّنها رسالة الردّ لقراءة ثانية(25) وتقع منظومة الحكم التي أرساها دستور 2014 على حداثته في أزمة مؤسساتية دستورية حقيقية بسبب خطإ  بدائي ولكنّه جسيم كان الأولى المبادرة إلى الاجتهاد المشترك من أجل رفعه في المقام الأوّل.

وهذا الخطأ البدائي ذاته جعل تطبيق الفصل 80 من الدستور الذي لجأ إليه رئيس الجمهورية، محفوفا بالمخاطر في غياب المحكمة الدّستورية رغم الالتفاف الشعبي الأغلبي حول مبادرته باتخاذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في ظل الأوضاع التي آلت إليها البلاد والمخاطر الجديّة المحدقة بها.

فهل للدّستور معني في غياب المحكمة الدّستورية؟

من الناحية المبدئية الدّستور كلّ غير قابل للتجزئة في قراءته وتأويله(26) وهو ما يستوجب إعماله بشكل شامل دون استثناء لأيّ جزء من تراتيبه. والانتقال من وضع دستوري قائم إلى وضع دستوري مستحدث قد يتطلّب أحيانا اعتماد التدرّج في إطار تراتيب انتقالية ينصّ عليها الدّستور الجديد ذاته ولا يجوز البتّة التخلّف عن تطبيقها حرفيّا وفق الآجال الدّستورية.

أمّا من النّاحية العملية فإنّ التجربة الدّستورية التّونسية انطلاقا من اعتماد دستور 2014 و إلى اليوم (7 سنوات) تدفع إلى الاعتقاد أنّ تطبيق الدّستور لا يتأُثر بعدم إرساء أحد مؤسّساته (المحكمة الدستورية). وإذا كان هذا الاعتقاد مخطئا نظريا فإنّه لم يمنع المؤسّسة التشريعية من الصّمت في شأنه وقبوله ضمنيا حتّى وإن كان ذلك بصورة وقتية دامت زهاء السّبع سنوات ولم يشوّش عليها سوى بروز الحاجة إلى من تؤول له دستوريا أهلية الفصل النّهائي في تنازع الاختصاصات بين السّلط(27)،  وهي بطبيعة الحال المحكمة الدّستورية(28).

ضعف أداء السّلطة التشريعية يلوح كذلك عبر مظاهر المغالاة في توظيف سلاح المناورة السياسية.

المغالاة في توظيف سلاح المناورة السياسية

الأدوات الدّستورية المتيحة للمناورة السياسية تكاد تكون خفية ولكنّها بالغة التأثير في سير الأحداث على النّهج الذي يرسمه الماسك الفعلي لهذه الأدوات. وتبقى الغاية النّهائية في مثل هذه الحالات السّيطرة الكاملة على المنظومة السياسية ولكن الأهم هو أن يحدث ذلك من خلف السّتار دون أن يبرز اللاعب الحقيقي للأنظار.
وللتدليل على ذلك نلتجئ للدّستور في مستوى منظومة الحكم حيث نكتشف كيف عمد المؤسّسون إلى اعتماد أسلوبين على غاية من الدّهاء السياسي:

أوّلهما إسناد رئيس الجمهورية صلاحيات بارزة نظريا تجاه السّلطة التشريعية ولكنّها غير قابلة للتطبيق عمليا مثلما هو الشّأن بالنسبة إلى حلّ مجلس نوّاب الشّعب باعتبارها صلاحية مشروط تطبيقها بقبول إلزامية الاستقالة إذا أعيد انتخاب نفس الأغلبية،
وثانيهما إسناد رئيس الحكومة صلاحيات واسعة نظريا ولكن مع إخضاعه بشكل مطلق لسلطان السّلطة التشريعية بما يحوّل هذه الصلاحيات إلى يد هذه الأخيرة لتمارسها بشكل غير مباشر ولكنّه فعّال.

بذلك تتولّى السّلطة التشريعية “شيّ القسطل بيد القطة”. فالدّستور أسندها صلاحيات خفية تستفيد منها بعيدا عن الأنظار ولا تتحمّل أيّة مسؤولية عن أيّة مضاعفات سلبية في ممارسة هذه الصلاحيات التي لا تعود لها إطلاقا رسميا.

هذا ما أفلحت فيه السّلطة التشريعية ليترك آثاره العميقة في مستوى الحياة السياسية بوجه عامّ ويلقي بضلاله على قبّة البرلمان بوجه خاص.

علاوة على ذلك تميّزت السّلطة التشريعية في مستوى الممارسة بإهمال تطوير أدائها بما يواكب منزلتها الجديدة صلب منظومة الحكم المستحدثة.  

إهمال تطوير الأداء

في هذا السياق ينبغي التذكير بأنّ مجلس نوّاب الشعب الذي يمارس السّلطة التشريعية طبقا لدستور 2014 قد بات من منظور دستوري مركز الثقل الأوّل لمنظومة الحكم حتّى وإن كانت مقترحات القوانين التي يعرضها النّوّاب بقيت في مرتبة ثانوية مقارنة بمبادرات رئيس الجمهورية، ومبادرات الحكومة.

وإذا كان مجلس النوّاب في منظور دستور 1959 قد اعتبره بعض المختصّين “صندوق تسجيل” ضمن المسار التشريعي قبل(29) 2011   فأيّة أدواة فعل استحدثتها السّلطة التشريعية ضمن منظومة حكم 2014 للارتقاء بأدائها التشريعي الذّاتي من مرتبة التسجيل إلى مرتبة الفعل التشريعي؟

والإجابة تكمن في الإحصائيّات التي تتعلّق بالنشاط التشريعي لمجلس نوّاب الشعب خلال دورة برلمانية واحدة. فعند الرّجوع إلى إحصائيات منظّمة بوصلة نجد أن الجهد التشريعي ضعيف جدّا حتّى لا نستخدم التّوصيف الذي استخدمته المنظّمة وهو “ينذر بالخطر”(30). ويكفي في هذا الصّدد الاستئناس بالرّقم 1 (مقترح قانون عرضه النوّاب) من 42 (مشروع قانون صادق عليها المجلس). فحجم الجهد التشريعي الذي يدخل ضمن الوظيفة الرّئيسية لهذه السّلطة يبقى هزيلا دون ريب.

وإهمال تطوير نوعيّة الأداء لم يقف عند النشاط التشريعي بل شمل جلّ أوجه الحياة البرلمانية مع استثناء وحيد نختم به هذا الباب. فماذا نلاحظ في مستوى مفاصل هذه المؤسّسة الجماعية بطبعها والتي تتطلّب على هذا الأساس أرفع درجات الدقّة في تنظيم الأشغال حتّى ترتقي إلى مستوى الاشتغال الفاعل والنّاجع؟ نلاحظ مشهدا فوضاويا يسيئ للمحترمين والمحترمات من الأعضاء، ويعرض صورة تثير النّفور والاشمئزاز من الفعل السياسي المجبول أصلا على خدمة الآخر.

لكن قبل التقدّم أكثر في مزيد استجلاء مواطن الضعف في أداء المؤسّسة لا بد من محاولة رصد مكمن المسؤولية لأنّ في المسؤولية يكمن أصل الدّاء.

في هذا الباب ينبغي التأكيد على أنّ مجلس نوّاب الشعب يخضع تنظيمه لنظام داخلي يبلغ عدد فصوله 166 فصلا تتوزّع على 45 صفحة وذلك حسب الطّبعة المتداولة. وهو ما يستدعي الإطلاع عليه  حتّى نعلم إن كان هو المسؤول على الفوضى البرلمانية التي باتت تعكّر صفو المشاهد يوميّا.

كما ينبغي أن نتّفق على أمرين أساسيّين:

أوّلهما أنّ مجلس نوّاب الشّعب يمارس السّلطة التشريعية بتفويض مباشر من الشّعب يتمّ عن طريق الانتخاب.

ثانيهما أنّ مجلس نوّاب الشّعب يمارس السّلطة التشريعية من خلال هيكل وحيد ودون سواه وهو الجلسة العامة وذلك عن طريق الاقتراع على القرارات التي تعرض عليها للنقاش والتصويت من أجل البت النّهائي في شأنها.

‏استنادا إلى ما تقدّم تنحصر قرارات مجلس نوّاب الشّعب التي يتّخذها باسم الشعب وبتفويض منه في القرارات التي تصدر عن جلسته العامّة طبق الإجراءات المنصوص عليها بالدّستور أوّلا ووفق الإجراءات المبيّنة في نظامه الدّاخلي. وعليه تبقى سائر القرارات التي يمكن أن تقرّها مختلف هياكل المجلس مشاريعا تحتاج لمصادقة الجلسة العامّة حتّى تتحوّل إلى قرارات برلمانية ملزمة للمؤسسة التشريعية.

وتستثنى في هذا الإطار القرارات ذات الطّابع الإداري البحت التي تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية لرئيس مجلس نواب الشّعب بوصفه رئيس إدارته وآمر صرف ميزانيته.

بعد هذا التذكير يمكن أن نتقدّم في استعراض مواطن الضعف نختزلها في التنظيم  والتسيير:
يتّضح ضعف التنظيم من خلال نوعية الإجراءات التنظيمية المعمول بها مقارنة بما يجري في عديد الدول الديمقراطية وهو ما يفسر الإخلالات العديدة بالنظام الداخلي والتي تلوح جليّة خلال سير الجلسات العامة. وهذه الإخلالات ناتجة بالأساس عن ضعف الأحكام الرّدعية الداخلية، وغياب سلك أمني برلماني خصوصي ‏يسهر على تطبيق مقتضات النّظام الداخلي في فضاء المجلس وصلب سائر هياكله والتدخّل من أجل فرضه بالقوّة عند الاقتضاء.

وإذا كان ضعف التنظيم يعود بالأساس إلى كيفية صياغة النظام الداخلي لمجلس نوّاب ‏الشعب والذي يتضمن جملة من النقاط التي أشرنا إلى البعض منها فإن سوء التسيير يتمثل في التطبيق غير السوي لتراتيب تغيب عنها الدقة التي يفرضها المنطق الإجرائي العام.

وقد برز سوء التسيير بالخصوص خلال المدّة النيابية 2019-2024 ‏مثلما تؤكده شهادات عديد النواب الذين انتموا إلى المجلس خلال المدتين، ومثلما يوحي به تكرّر حملات سحب الثقة من رئيس البرلمان نتيجة ضجر جمع من الأعضاء من رداءة الأداء (31)، ومثلما يثبته ارتفاع وتيرة الحوادث التي ميزت العلاقة بين النواب مما حوّل قاعة الجلسات العامة أحيانا إلى حلبة عنف كلامي يتميّز بالاعتداءات اللّفظية المشينة والتي كثيرا ما تنزلق إلى اعتداءات جسدية مهينة أمام ذهول رئاسة المجلس  الغريب وقصورها المريب عن ردع المخالفين لنواميس التعامل ‏الحضاري بين البشر، حتّى لا نقول قواعد التعامل بين ‏نخبة أنابها الشعب لتمثيله وحماية حقوقه بالحجة والبرهان عبر نقاش منظم وفقا لقواعد محددة مسبقا، نقاش يختم بتصويت نزيه يتحدد وفقه القرار الجماعي وتنتهي معه الاختلافات.

وسوء التسيير برز من خلال المبالغة في التعيينات الحزبية على حساب الإدارة التقنية التي عملت منذ الاستقلال دون ألوان سياسية سواء في أوج سيطرة اللّون الواحد، ‏أو في مرحلة التعددية الحزبية حتى وإن اعتبرها البعض صورية (32).
‏سوء التسيير برز كذلك ‏في كيفية إدارة هياكل المجلس الخاضعة لقيادة رئيسه وهي: مكتب المجلس، وندوة الرؤساء، والجلسة العامة.

ولعل العنوان الأبرز والمشترك لتأمين السير الطبيعي لهذه الهياكل المحورية صلب السلطة تشريعية هو “الإعلام” أو بالأحرى إعلام أعضاء هذه الهياكل بما يكفيها للاضطلاع بالدّور الموكول لها ضمن هذه الهياكل لتؤمن هذه الأخيرة وظائفها التي عهدتها لها المؤسسة التشريعية استنادا إلى جلستها العامّة.

نكتفي في هذا الصّدد بالوقوف عند غياب عامل الإعلام الموضوعي عن عملية تسيير هذه الهياكل ممّا جعلها معيبة وعرّضها للطّعن في نزاهة الأشغال ومصداقية القرارات. والمقصود بإعلام الأعضاء بالخصوص هو:

‏إعلام الأعضاء بطريقة تترك أثرا كتابيا،
‏إعلام الأعضاء بمواعيد الانعقاد في آجال مسبقة ومعقولة لاسيما في الحالات الاستعجالية الاستثنائية،
‏إعلام الأعضاء يتطلب وجوبا إدراج مشروع جدول أعمال الاجتماع وإرفاقه بملف الوثائق الخاصة بكل نقطة من مشروع جدول الأعمال المقترح،
‏إعلام الأعضاء ‏بعد كل اجتماع بمحضر تأليفي للاجتماع يلخّص موقف كل عضو من النقاط المدرجة في جدول الأعمال و يضبط القرارات النهائية المتخذة في شأنها مع بيان نتائج التصويت في غير حالات الاجماع،
‏إعلام الأعضاء يُختم بإعداد محضر جلسة كامل للاجتماع يمضيه رئيس المجلس وكاتبه العام ويحفظ في أرشيف الهيكل مرفقا بتسجيل الاجتماع (صوتا وصورة). ويبقى هذا المحضر الكامل بمعيّة التسجيل مرجعا أساسيا للاستشهاد في حالة الاختلاف حول قرارات الهيكل.

بهذه الصورة تكون إدارة أعمال هذه الهياكل جلية شفافة لا يمكن أن يشوبها الطعن ‏أو التشكيك من أيّ كان ولاسيما من أعضائها.

أما في غياب شرط الإعلام تغيب أبسط معايير الإدارة السليمة ‏في تسيير أعمال الهياكل الأساسية في البرلمان ويفتح مجال الاجتهاد الموضوعي حينا والتعسفي أحيانا ومعه يبقى منسوب ‏التوتر وسوء الظن مرتفعا، وهو ما ميّز للأسف أداء البرلمان. أمّا الاستثناء الوحيد الذي شهد “تطويرا” ملحوظا على صعيد أداء البرلمان فيتمثّل في الحصانة البرلمانية.

الحصانة البرلمانية

هي الحلقة الأخيرة في بحث أداء المؤسّسة التشريعية التي لا تشكّل مظهرا من مظاهر الضعف والوهن بل عنوان الانتهازية : إنّها الحصانة البرلمانية.

الفصل 68 من الدستور(33)  قد حصر الحصانة البرلمانية في الآراء والمقترحات والأفعال المرتبطة بالوظائف البرلمانية دون سواها في حين أن النظام الداخلي لمجلس النوّاب في بابه الرابع أتاح للجلسة العامة للمجلس اتخاذ قرار ‏رفض سحب الحصانة عن النائب دون اعتبار طبيعة الأفعال المنسوبة إليه ومدى ارتباطها بأداء الوظيفة البرلمانية.

وقد تشكّل هذه الصياغة تعويما مقصودا وغير مبرّر للمسألة على خلاف نصّ الدّستور الّدّقيق والأسلم والذي يعلو نصّ النظام الدّاخلي قيمة قانونية بطبيعة الحال.

وثانيهما في مستوى التجربة البرلمانية للجمهورية الثانية حيث لم تسجل أية عملية رفع حصانة عن ‏أي عضو بالبرلمان لمدة سبع سنوات. فهل يعقل هذا إحصائيا؟

نستشفّ ممّا تقدّم أنّ الحصانة البرلمانية تستجيب في الأصل في سائر الأنظمة الدّيمقراطية لهاجس واحد لا أكثر: وهو حماية عضو البرلمان من سائر الضغوطات التي قد تمارس عليه في ارتباط حصري بآداء وظيفته البرلمانية. أمّا في الحالة التونسية التي نصّ عليها الدّستور وشوّهها الّنظام الدّاخلي للمجلس فالحصانة البرلمانية تؤمّن، علاوة على وظيفتها التقليدية (حماية الأعضاء في كلّ ما يتّصل بممارسة الوظيفة البرلمانية رأيا وقولا)  وظيفة مستحدثة باتت إبداعا جديدا يجعل الصّفة البرلمانية حصنا آمنا للمارقين عن القانون.

وحتّى نحيط بأكبر قدر من الإحاطة بمستوى أداء السّلطة التشريعية فلا بد من لمحة وجيزة بخصوص النّظام الانتخابي الذي صاغه المجلس التأسيسي ذاته(34)  بعد أن استكمل صياغة الّدّستور. فالأداء ينجزه الأعضاء داخل المجلس سواء كانوا فرادى أو مجموعات أو تحالفات، والأعضاء تفرزهم الانتخابات في ظل القواعد والشّروط التي يضبطها النظام الانتخابي.

والتجربتان الانتخابيتان البرلمانيتان في صيغتيهما الأولى 2014 والثانية 2019 قد أثمرتا في الحالتين مشهدا برلمانيا يكاد يكون فسيفسائيا(35) أنهكته في المدتين السياحة البرلمانية تحت مبررات تبقى أخلاقيا مرفوضة قطعا.

ولكن هذه التركيبات المتنافسة لم تعجز ‏عن إنتاج تحالفات حاكمة سواء في 2014 أو في 2019 ولكنها لم تحقق في الحالتين على حدّ السواء الصّمود والاستقرار والاستمرارية بالدرجة المرجوة لإسناد عمل الحكومة وحملها على تحقيق الأهداف المرسومة لتتواصل الرجّات والهزّات والتوترّات الداخلية مع المحافظة‏ على انسجام سطحي هشّ وهمي مريب يوحي بعدم الاكتراث بمعاناة المواطن اليومية وبتردّي حاله وإحساسه العميق بالغبن والإحباط والمرارة تجاه مشهد سياسي عام وبرلماني على وجه الخصوص بات في قطيعة تامّة مع انتظاراته.

دون الدخول في التفاصيل فإن الهشاشة النسبية التي ميزت هذه التحالفات الحاكمة أو الداعمة للحكومة تعود بالأساس إلى الاختلافات الجوهرية التي تميز مكوناتها في مستوى البرامج الانتخابية وكذلك في مستوى المواقف المعلنة بعيدا عن النتائج الانتخابية إلى درجة أن جمهور الناخبين ‏على اختلاف انتماءاتهم يصاب بالدّهشة والذهول عندما يكتشف الائتلافات الحاصلة  بعد استماعه إلى خطابات من صنف “النهضة والنداء خطان متوازيان لا يلتقيان” (36)2014 ، أو بعد مشاهدته أحد قيادات حزب قلب تونس يقسم بأغلظ الأيمان في لقاء تلفزي ‏مباشر أن “لا تحالف  برلماني بين حزب حركة النّهضة وحزب قلب تونس” (37) 2019.

فعندما تكون التحالفات الحاكمة بهذه الهشاشة لا يمكن للبرلمان أن يفرض على السلطة التنفيذية ‏وبالتحديد على الحكومة خطّ عمل متناسق وموحد ووتيرة تنفيذ تستجيب ولو نسبيا لتطلعات الناخبين.

وبإيجاز شديد ‏ليس بمثل هذه التحالفات الهشة يستطيع البرلمان قيادة البلاد بكافة مؤسساتها في معركة البناء فكانت النتيجة غرق البرلمان في معارك جانبية لا طائل من ورائها للمجموعة الوطنية.
‏هكذا نكون قد استكملنا النظر في أداء السّلطة التشريعية باعتبارها المكوّن الأبرز ضمن منظومة الحكم التي أفرزها دستور 2014 لنتأكّد أن الضعف والوهن والتعثّر قد طبع أداءها بشكل تصاعدي نحو الأسوء منذ انطلاق عمليّة الممارسة إلى حين دقّت طبول الاستثناء الدّستوري بغاية الإنقاذ، فهل تكون الصّورة أفضل في مستوى أداء السّلطة التنفيذية؟ 

ب – السّلطة التنفيذية: أداء متعثّر تحكمه المناورات وتتلقّفه الأزمات

مثلما سبق بيانه اختار واضعو دستور الجمهورية الثانية 2014 سلطة تنفيذية ثنائية القيادة: رئيس الدولة ورئيس حكومة مع ترجيح كفة رئيس الحكومة من الصلاحيات على حساب رئيس الدولة رغم استناد هذا الأخير على شرعية انتخابية تضاهي شرعية البرلمان بكافة أعضائه من خلال اعتماد طريقة انتخابه انتخابا عاما حرّا مباشرا على دورتين.

‏قد تكون نوايا واضعي الدستور تهدف إلى القطع مع رئاسة دولة مهيمنة على السلطة التنفيذية من جهة وعلى السلطة التشريعية من جهة ثانية، لكن النتيجة، وهو ما يهمنا في هذا السياق، ومثلما وقف عليه الملاحظون، كانت دون ريب زرع بذور الخلاف والتنازع بين رئيسي السلطة التنفيذية بما يتيح للسلطة التشريعية الاستفادة سياسيا من ذلك عند الاقتضاء وتوسيع هامش المناورة لديها على حساب السلطة التنفيذية على وجه الخصوص وعلى حساب سائر مكونات النظام السياسي بوجه عام.

‏فرئيس الدولة الذي يتمتع بشرعية شعبية مباشرة لا تضاهيها شرعية أية ‏شخصية سياسية أخرى منتخبة يجد نفسه محدود الصّلاحيات في قيادة جهاز تنفيذي يستأثر فيه رئيس الحكومة بصلاحيات أوسع رغم أنّه يحظى بشرعية غير مباشرة ومشروطة يستمدّها رأسا من البرلمان الذي يملك في قبضته بهذه الّصّورة أحد رأسي السّلطة التنفيذية ليجعل منه أداة مناورة مهمّة في تعامله مع الرأس الأوّل للسّلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية.

في ظلّ هذا التّوضيب الدّستوري الأعرج لمنظومة  الحكم ماذا عساه أن يكون أداء السّلطة التنفيذية؟

رئيس الحكومة رهينة السّلطة التشريعية وضحيّة الأزمات

رغم سلطاته الدّستورية الواسعة على الصّعيد العملي يجد رئيس الحكومة نفسه في قبضة السّلطة التشريعية وتحت سلطانها المطلق فإمّا أن ينصاع لها مغمض العينين فيباشر مهامّه كموظّف سام في خدمتها دون سواها ويسلّم أمره لها فيكون أداؤه امتدادا خفيا لإرادة السّلطة التشريعية وبالتّالي أداء أخرقا على مقاسها بعيدا عن انتظارات الشعب ومصالح الوطن التي أقسم على خدمتها.  وإمّا أن يرفض الانخراط المهين في دور الدمية المُحرّكة ويختار الخروج من خشبة مسرح الرّداءة عبر مسلكين لا ثالث لهما : مسلك المواجهة أمام أنظار الشّعب في جلسة برلمانية علنية من خلال طلب ثقة البرلمان وهو يعلم مسبقا أنّه لن ينالها(38) ، أو مسلك الاستقالة الذّاتية في إطار علاقته الطّبيعية مع رئيس الجمهورية وشريكه الحقيقي في إدارة السّلطة التنفيذية وبعيدا عن مظاهر التشفّي البرلماني(39).

فإن تسلّل رئيس الحكومة بشكل أو بآخر خارج ربقة الارتهان التشريعي فإنّه يقع من حيث لا يدري أحيانا ضحيّة الأزمات التي كانت وتيرة حدوثها مرتفعة نسبيا إذا اعتبرنا مثل البعض “أنّ دستور 2014 يشكّل أحد أفضل دساتير العالم”(40).

وتعدّد الأزمات الحكومية يترجم قبل كلّ شيء فشل منظومة الحكم، باعتبار إخلالات هندستها(41) ، في تحقيق الاستقرار الحكومي الشرط الأساسي للأداء النّاجع. فالمخاوف والصّعوبات من طريقة توضيب منظومة الحكم ‏ليست مجرّد هواجس نظرية منقطعة عن الواقع بل تأكدت بشكل جلي في المستوى التطبيقي حيث ساهمت في إثارة أزمات سياسية حقيقية متفاوتة الخطورة عرقلت سير دواليب الدولة وأعاقت مصالحها وكلّفت مخازن الدّولة ‏هدر مال وفير وقد تبدّى ذلك على السّواء خلال المدة 2014- 2019  والمدة الجارية 2019 -2024.

خلال المدة الأولى 2014 -2019 نكتفي بالإشارة إلى أزمتين وهما:

الأزمة التي واجهتها ‏حكومة السيد الحبيب الصّيد وانتهت بإقالة هذه الحكومة برمتها من خلال سحب الثقة منها‏عن طريق مجلس نواب الشعب بتاريخ 30 جويلية 2016.
الأزمة التي واجهتها حكومة السيد يوسف ‏الشاهد والتي انتهت ‏بتمرّد رئيس الحكومة على رئيس الدولة استنادا إلى أغلبية برلمانية غير طبيعية‏ ‏صلب نفس البرلمان. كان ذلك بتاريخ 12 نوفمبر 2018.

واستمرّت الأزمات  خلال المدة 2019- 2024 :

  أزمة ‏حكومة السيد الحبيب ‏الجملي حيث فشلت أصلا في نيل ثقة البرلمان بتاريخ 11 جانفي 2020 بعد عناء المفاوضات وتمدّدها الزمني، ورغم أن السيد الحبيب ‏الجملي ‏كان مرشح الحزب المرتّب الأوّل في الانتخابات التشريعية والمتصدّر للأغلبية البرلمانية(42).
أزمة حكومة السيد الياس ‏الفخفاخ مرشح رئيس الجمهورية بعد ستة أشهر فقط من نيل الثقة البرلمانية ‏فقد استبق سحب الثقة بالاستقالة بتاريخ 15 جويلية 2020 على خلفية ‏شبهة ‏تضارب مصالح.
أزمة حكومة السيد هشام المشيشي ‏مرشح رئيس الجمهورية والتي نالت ثقة البرلمان بتاريخ ‏2 سبتمبر 2020 ولكنها دخلت في أزمة مفتوحة مع رئيس الجمهورية في جانفي 2021 ‏نتيجة تحالف خفي وغير طبيعي أخلاقيا مع الأغلبية البرلمانية من أجل السّيطرة على أجهزة الدّولة فانتهى بها المطاف إلى الشلل التام.

وقد انتهت ‏هذه الأزمة العلنية بسقوط منظومة الحكم بعد أن فشلت في صون كرامة الشعب التونسي الماديّة والمعنوية  ليخرج يوم 25 جويلية 2021 ويطالب بحلّ البرلمان بعد أن خيّب آماله فاستجاب رئيس الجمهورية لرسالة الشّعب مستندا للفصل 80 من الدستور وأعلن اتخاذ التدابير الاستثنائية، و‏إقالة رئيس الحكومة وتجميد نشاط البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه.

رئيس الجمهورية ومسؤولية حماية الوطن

في ضوء الوضع اليائس الذي يجد رئيس الجمهورية فيه نفسه على خلفية التوضيب الدّستوري لسنة 2014 يكتشف عمليا أنّ هامش التحرّك ضيّق جدّا: فإمّا التحرّك في إطار المناورة السياسية وما قد تجلبه من تقارب أو تباعد بين الفاعلين صلب منظومة الحكم بحسب تماثل أو تنافر الحسابات والمصالح أو الانكماش بالتزام العزلة الوظيفية الذاتية والبقاء تحت طائل الإقالة إن لزم الأمر.

رئيس الجمهورية أمام خيار المناورة أو القبول بالعزلة

أسلوب المناورة ليس علما صحيحا بل هو منهج يعتمده من تغيب عنه صلاحيات الفعل والتأثير الرّسمية فينزع نحو جلب الأغلبية ‏الحزبية في البرلمان إلى صفّه باستخدام أدوات متنوعة لا ينصّ عليها الدّستور. بهذه الطريقة يتمكن من فرض سيطرته على الحكومة بإسقاطها مستخدما لائحة اللّوم بشكل غير مباشر ولكن مع استخدام جرعات محسوبة من المكر والدّهاء السياسي لا تستحضر بالضّرورة مصلحة البلاد والعباد، وتتصدّر الحراك السياسي الحسابات الضيقة للأحزاب والأفراد واللّوبيات.  هذا السّيناريو تحقّق مع حكومة السّيد الحبيب الصّيد ليس عند إسناد الثقة حيث تمّ الأمر بكلّ سلاسة : رئيس الجهورية المنتخب آنذاك (المرحوم الباجي قائد السّبسي) وهو رئيس حزب نداء تونس الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان يكلّف السيّد الحبيب الصّيد بتشكيل حكومة  وعرضها على البرلمان لنيل الثّقة ‏وهو ما تمّ فعلا والحال أنّ السيّد الحبيب الصّيد لم يكن ينتمي إلى الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية (حزب نداء تونس) وقد برّر المرحوم الباجي قائد السّبسي أنذاك رغبته في عدم تركيز الحكم لدى جهة سياسية واحدة بجمعها السّيطرة على الّسلطتين التنفيذية والتشريعية في آن واحد(43) . واستمرّت هذه الحكومة من 04/02/2015 إلى 30/07/2017  بمساندة الائتلاف الحزبي الحاكم أنذاك(44).

لكّن الأمور تغيّرت بعد زهاء السّنة والنّصف واعتمد رئيس الجمهورية الحسابات الحزبية وحتّى العائلية للإطاحة بنفس هذه الحكومة من خلال المناورة الخفية بالتنسيق مع الجهات الفاعلة داخل البرلمان وسحب البساط من تحت أرجلها تحت ذريعة بناء حكومة وحدة وطنية والحال أنّ الملابسات التي أحاطت بعملية الإطاحة تؤكّد أنّ سحب الثقة قد سبقته حملة شعواء على الرّجل وفريقه بحبك وتدبير يخرج عن السياقات الرّسمية ويتدنّى إلى أرذل مستويات التهديد والوعيد.

وهذا الخيار تكون فيه إرادة رئيس الجمهورية مقيدة بموازين القوى داخل البرلمان من ناحية وبالحسابات السياسية للأطراف البرلمانية الفاعلة ومدى ملاءمتها لحسابات رئيس الجمهورية من ناحية ثانية. لذلك نلاحظ أنّ رئيس الجمهورية ذاته (المرحوم الباجي قائد السّبسي) عندما اعتمد نفس المنهج لإسقاط حكومة السيّد يوسف الشاهد الثانية (سبتمبر 2017) قد باءت مساعيه بالفشل لأنّه أخطأ الحساب في التعويل على نفس الأطراف الفاعلة في البرلمان التي راوغته في هذه المرّة واختارت مساندة رئيس الحكومة والتخلي عن رئيس الجمهورية  الذي بقي في وضعية تسلّل سياسي انتهت إلى عزلة تقنية شبه تامة  كان مآلها الوفاة قبل نهاية المدّة الرّئاسية بأشهر قليلة.

رئيس الجمهورية وخيار الوطن

لقد أكّدت العهدة الرّئاسية الأولى أن منهج المناورة لا يمكن أن يشكّل مسلكا قويما في خدمة مصالح المجموعة الوطنية. وهو ما استوعبه جيّدا رئيس الجمهورية الذي باشر العهدة الرّئاسية الثّانية مستندا إلى شرعيّة شعبية استثنائية (45) تبيّنت بالخصوص في الدّورة الثانية. فقد اختار أسلوب المجاهرة في التفاعل مع الجميع ولا سيما في مستوى الاضطلاع تجاه الشعب وباسمه بمهام جسيمة وفارقة خصّه بها الدّستور دون غيره من السّلط والمؤسسات باعتباره رئيس الدّولة ورمز وحدتها وهي ليست أقل من:

ضمان وحدة الدّولة واستقلاليتها ،
ضمان سلامة تراب الدّولة،
السّهر على ضمان الدّستور واحترام تشريع البلاد،
رعاية مصالح البلاد والالتزام بالولاء لها،
اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية.

وتأمين هذه المهام(46) بالنّسبة إلى رئيس الجمهورية ليست خيارا مطروحا عليه وإنّما واجب مفروض بقوّة القسم الدّستوري الذي أدّاه فيكون بالضّرورة مسؤولا على أيّ تقصير منه في أداء هذا الواجب تجاه الوطن.

وعندما يتعطّل أداء منظومة الحكم نتيجة إخلالات دستورية قد لا تكون مقصودة، ويتفطّن إلى ذلك رئيس الجمهورية ويستشعر المخاطر النّاجمة عن هذه العطالة المؤسّساتية وحتّى في ‏غياب محكمة دستورية تأخر البرلمان عن إرسائها في الآجال التي حددها الدستور لأسباب سياسية معلومة، يكون رئيس الدّولة الطرف الوحيد الملزم دستوريا بحماية الدستور والمخول له تقدير مدى توفّر الأسباب الموضوعية لإثارة الفصل 80 من الدّستور واتخاذ التدابير الاستثنائية سواء في قراءة حرفية أو في قراءة موسعة ‏وذلك حسب ما تفرضه طبيعة الخطر الدّاهم ودرجة التهديدات المرتبطة به ومصادرها الدّاخلية والخارجية وما يستوجبه درءها من إجراءات استثنائية ووقتية لا يحدّ مجال تطبيقها سوى سلامة التّراب ومناعة الوطن ولا يحدّ مدّتها سوى زوال الخطر واختفاء التهديدات التي شرّعت الاستثناء أصلا.

عند ذلك يكون رئيس الجمهورية أمام واجب اتخاذ خيار الوطن الذي يملي عليه إثارة الفصل 80 من الدستور ‏فيتحمل بذلك مسؤوليته في ‏مواجهة هذه المخاطر واتخاذ الإجراءات الاستثنائية الكفيلة بدرئها ليس في حدود الإجراءات التي يحددها الفصل 80 التي تبقى غير حصرية.

وخيار الوطن لجأ إليه رئيس الجمهورية يوم 25 جويلية 2021 في ظل تفاقم عطالة الحكومة ‏‏وشلل البرلمان ‏وانخرام الوضع الاقتصادي والمالي وتردي الوضع الاجتماعي ‏واتساع دائرة الغليان الشعبي الذي أخذ ينتشر في البلاد منذرا برجة اجتماعية عنيفة ‏لاحت يومها مظاهرها وكادت تأتي على الأخضر واليابس ‏لو لم يتمّ اللجوء للفصل 80 من الدستور الذي شكل صمام النّجاة والتصحيح والتدارك قبل فوات الأوان.

‏فهذا الخيار بات حتميا في غياب حلول دستورية أخرى(47) للإنقاذ من كارثة أمست جاثمة على الجميع جرّاء 10 سنوات صرفتها الطبقة السياسية المؤثرة في خدمة الذات أحزابا وأفرادا ولوبيات تحت قناع الديمقراطية والحقوق والحريات موهمة الشعب بالتقدّم على المسالك الإنسانية التي لم تستخدمها إلاّ لغاية المتاجرة بالأوهام أما الحقيقة فهي مغالطة وبهتان.

وحتّى نلخّص ما تقدّم نقول أن الفرصة التاريخية الحقيقية قد أتاحتها الثورة التّونسية في مطلع 2011 لهذا الشّعب حتّى يسلك طريق البناء الدّيمقراطي السّليم بأعمدته الضّرورية : الشغل والحرية والكرامة الوطنية. وسرعان ما استأثرت مجموعة من الطّبقة السياسية بزمام الحكم ملتزمة بتحقيق أهداف الثّورة ولكنّها فشلت في ذلك بل إنّها زاغت عن الطّريق ليخرج الشعب من جديد ويفتك منها مقود القيادة ويأتمنه عند رئيس الدّولة ائتمانا مشروطا ضمنيا بالنجاعة التي لا تترجمها إلاّ الأرقام.
ورئيس الدّولة لم يجد طريقا للإنقاذ سوى إعلان الاستثناء من أجل الإصلاح، فكان خيار الوطن وهو خيار بدوره مشروط  بإرساء بناء ديمقراطي أصيل يحمل في طيّاته أسباب مناعته وباستئصال داء الفساد استئصالا جذريا نهائيا.
وما يجدر تأكيده في هذا السياق هو أنّ خيار الوطن كلّ لا يقبل القسمة : مدخله إثارة الاستثناء وجوهره العمل النّاجع من أجل رفع دواعيه والعودة السّريعة بكافّة دواليب الدّولة إلى وضع الدّوران العادي. وعليه فإنّ إعلان النّوايا مهما علا شأنها ومهما جمّعت حولها لا تحقّق في حدّ ذاتها خيار الوطن الذي لا تكتمل أركانه إلا متى حقّق المقاصد التي حملها ضمنيا إعلان النّوايا. عندها فقط يكون الخيار المعتمد خيار الوطن لأنّه يبقى خيارا مشروطا بالإنجاز على أساس النوايا المعلنة وما خلّفته من آمال.

خيار الوطن دعم للدّيمقراطية ودحر للفساد

يتّجه التذكير في هذا الإطار بأنّ الديمقراطية ليست معادلة رقمية، ولا هي وصفة مستوردة ‏تسقط على الشعوب، ولا هي مجموعة مبادئ وقيم وقواعد ونصوص نتبجح باستعراضها وتحليلها يمينا ويسارا لنيل ألقاب التقدير الأجوف في عيون من نتسابق من أجل إرضائهم.

إنّها ‏نمط حياة جماعية يتحقق عن دراية وقناعة واختيار من أجل تحقيق سعادة الفرد والمجموعة على السواْء. إنّها نمط لإدارة الشأن العام يحتاج للتبني والتّفعيل من الشعب ذاته بكلّ شجاعة ومسؤولية. إنّها باختصار شديد ممارسة يومية تشمل كافة أوجه حياة الشعوب من أجل تحويلها إلى الأفضل بالضرورة.

أما إذا حصل العكس فثمّة حتما خلل ما‏ يقيم الدليل على أن ما تم التسويق له على أنه ديمقراطية لا يعدو أن يكون مجرّد مغالطة أريد إخراجها في شكل ديمقراطي.

فلو أرسى الساهرون على البلاد منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ديمقراطية أصيلة مثلما يدّعون، ‏ولو أمنوا أسباب ممارستها دون زيغ أو تزييف مثلما يروّجون، لما  انحدرت كافة المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أسفل السافلين بسبب داء عضال استشرى في الوطن فخنق العباد وأفلس البلاد : إنه الفساد.

فهل يكون الفساد نتاج طبيعي للدّيمقراطية الأصيلة؟

والإجابة تكون بالنّفي قطعا لأنّ البناء الدّيمقراطي الأصيل لا يمكن البتّة أن يثمر الفساد لأنّ الفساد ينمو ويترعرع خارج الأنظمة الدّيمقراطية الأصيلة التي تحمل بالضّرورة في طيّاتها أدوات دحره وأسباب المناعة ضدّه(49).

فالمنظومة التي تحمي الفساد بأيّ شكل من أشكال الحماية لا يمكن نعتها بالدّيمقراطية لأنها لا تستهدف في الحقيقة إسعاد المجموعة الوطنية بل تستهدف أساسا خرابها وبؤسها بعيدا كلّ البعد عن رفع مظالم الماضي وتحقيق أسباب النّماء العادل عنوان الكرامة الوطنية التي اصطبغت بها ثورة 2011 ليحفظها التّاريخ “ثورة الكرامة” التّونسية.

وهكذا نستخلص من كلّ ما تقدّم أنّ منظومة الحكم ضمن دستور 2014 تتميّز بالغرابة، وهذه الغرابة تكمن في نزوع مهندسيها إلى إحكام وصادها وترسيخ تكبيلها. وبقطع النّظر عن النوايا الدّفينة والمخطّطات السّرية التي قد يكونوا استندوا إليها، فقد  حكموا عليها بالتكلّس الذّاتي تنظيميا وبالعطالة إجرائيا. ولكنّ هذه المنظومة تضمّنت نقطة مضيئة حتّى وإن كانت غير مستكملة، شكّلت بصيص الأمل للنّجاة دستوريا من شراك منظومة الحكم. بصيص الأمل حمله الفصل 80 الذي أتاح الخروج الشّرعي من مأزق انهيار الدّولة بإثارة الاستثناء الذي شكّل الفرصة الأخيرة لإزاحة الوهن الذي بات جاثما على نفوس التّونسيّين وإصلاح ما أفسده بعضٌ مؤثّرٌ من الطبقة السياسية لم تكن له لا ناقة ولا جمل في ثورة الكرامة.

لكنّ إعلان حالة الاستثناء لا يشكّل هدفا في حدّ ذاته بل فاتحة تصحيح وإصلاح من أجل إعادة ترتيب البيت على أسس قويمة تقتلع معها دواعي “الخطر الدّاهم” وعوامله وأسبابه جذريا وتعود على إثر ذلك وفي أفضل الآجال المعقولة دواليب الدّولة إلى دورانها الطّبيعي. فالدّخول في الاستثناء كسب لمعركة واحدة، أمّا الانتصار في الحرب فيتطلّب الخروج المظفّر منه.

ثانيا: الوضع الاستثنائي وأمل التصحيح

الاستثناء ليس إبداع دستوري تونسي(49) بل هو منهج طوارئ تعتمده سائر الدّساتير كصمام أمان لإنقاذ البلاد من الشدائد التي قد تواجهها بحيث يوظّف بصورة محدّدة زمنيا وإجرائيّا لإعادة ترتيب دواليب الدولة من أجل تدارك عافيتها ورجوعها للاشتغال السليم بطريقة طبيعية تستجيب في المقام الأول والأخير لخدمة انتظارات الشعب والاستجابة لتطلعاته في حدود الإمكانات الموضوعية للبلاد.

لكنّ الأوضاع أو الحالات التي تقتضي إثارة الوضع الاستثنائي يصعب رصدها وحصرها واستعراضها بالكامل في نصّ الدّستور لذلك اختار المشرّع التّأسيسي لدستور الجمهورية الثانية مصطلح “الخطر الدّاهم” لتحديد احتمال اللجوء للاستثناء الدّستوري. وهو نظريا مصطلح واحد ولكنّه حمّال للمعاني ممّا يتيح تعدّد القراءات وبالتّالي ظهور الاختلافات التطبيقية.

وإذا كان بالإمكان الاتفاق على الامتداد التطبيقي لمفهوم “الخطر الدّاهم” فإنّ الوضع الاستثنائي يتميّز بالجمع بين تحقيق الآمال من جهة وإثارة المخاوف من جهة أخرى. وهو يستدعي في جميع الحالات عودة حتمية وسريعة للحالة الطبيعية.

1- ‏الوضع الاستثنائي بين النظرية والتطبيق

دخلت الجمهورية التونسية مرحلة الاستثناء الدستوري بموجب القرار الرئاسي المؤرخ في 25 جويلية 2021. ‏وجاء الإعلان بالخصوص على إعمال الفصل 80 من الدستور نتيجة الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مختلف ولايات الجمهورية بذلك التاريخ ردّا على تردي الأوضاع في البلاد ورفضا لأداء الطبقة السياسية آنذاك مع التأكيد على البقاء في إطار الدستور.

‏في هذا الإطار اتخذ رئيس الجمهورية جملة من التدابير الاستثنائية تمثلت في:

إعفاء رئيس الحكومة السيد هشام المشيشي،
تجميد عمل واختصاصات المجلس النيابي لمدّة 30 يوما،
رفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضاء مجلس نواب الشعب،
تولي رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة ويعيّنه رئيس الجمهورية”(50)

‏ جاءت هذه التدابير حسب نص البلاغ الصّادر عن رئاسة الجمهورية “بعد استشارة كلّ من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، وعملا بالفصل 80 من الدستور…حفظا لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها وضمان السير العادي لدواليب الدولة”.

وقد أثارت عملية اتخاذ هذه التدابير تباينا واسعا في التقييم حدا بالعديد من أخصائي القانون الدستوري ومن قيادات الأحزاب السياسية إلى توصيف ‏القرار الرئاسي بالانقلاب على مؤسسات الدولة. ‏ في حين اعتبره عدد آخر بأنه استجابة طبيعية لنداءات شعبية من أجل إسقاط المنظومة السياسية القائمة بحكم سوء إدارتها للشأن العام على امتداد العشرية المنقضية وهو ما يعطي القرارات الرئاسية شرعيتها التي تفوق شرعية الدستور ذاته.

وهذا الاختلاف في تقدير أوتقييم المبادرة الرئاسية بإثارة الفصل 80 من الدّستور بتاريخ 25 جويلية 2021 يبقى شرعيا وطبيعيا لسببين أساسيين:

السبب الأول يتّصل بالصّياغة غير الدّقيقة للفصل ‏80 ذاته(51) ، والسّبب الثاني يعود إلى تمسّك رئيس الجمهورية بالبقاء في الإطار الّدستوري رغم درايته العميقة بالعيوب التي يتضمّنها دستور الجمهورية الثانية.
فبالنّسبة إلى السبب الأوّل المتعلّق بغياب الدقّة عن صياغة الفصل 80 من الدّستور(52) فإنّه يتجلّى من خلال الملاحظات التالية:

جهة المبادرة: رئيس الجمهورية،
سبب المبادرة: “خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة”،
أركان المبادرة:

1- قيام السّبب: تعود السّلطة التقديرية فيه لرئيس الجمهورية،
2- استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نوّاب الشعب (استشارة شكلية غير ملزمة بنتيجتها)،
3- إعلام رئيس المحكمة الدّستورية (إجراء شكلي في حالة وجود المحكمة الدّستورية أمّا في غيابها فينعدم آليا)،
4- إعلان التّدابير في بيان إلى الشّعب،

الغاية من التدابير:

“ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال” (الغاية واضحة)،

وسائل تحقيق الغاية:

• القاعدة: انعدام التقييد (لا شيء يحدّد لرئيس الجمهورية الوسائل التي يمكنه اعتمادها لتحقيق الغاية )،
• الاستثناء: 1- حلّ مجلس نوّاب الشّعب، 2 – تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة (إجراء لا يعني رئيس الجمهورية).
• إجراء هلامي عام: ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. (الاعتبار المبني للمجهول غير دقيق حيث لا يفيد الفعل باستثناء طلب البت من المحكمة الدّستورية في استمرار الحالة الاستثنائية، محكمة دستورية تأخّر إرساؤها لسبع سنوات عن الآجال الدّستورية).

مدّة الحالة الاستثنائية:

“بعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه.” (في غياب المحكمة الدّستورية تبقى مدّة سريان التدابير الاستثنائية مقيّدة بعامل وحيد يخضع للسّلطة التقديرية لرئيس الجمهورية وهو إقرار زوال الخطر الدّاهم).

وانطلاقا من هذه الملاحظات التي تفيد، في غياب الدقّة عن صياغة الفصل 80 من الدّستور، أنّ باب التأويل حتّى وإن توسّع فإنّه يضيق مبدئيا أمام الاعتقاد الجازم بأنّ رئيس الجمهورية قد اعتمده على وجه انقلابي. وهنا يمكن الاستناد بالأساس إلى القرائن التّالية:

الدّستور أخصّ رئيس الجمهورية دون سواه بصلاحية تقدير وإعلان الحالة الاستثنائية،
الدّستور امتنع عن تحديد التدابير الاستثنائية التي يجوز لرئيس الجمهورية اتخاذها وهي بالتّالي تبقى مرتبطة بماهية الخطر الدّاهم وبتقدير رئيس الجمهورية للوسائل الكفيلة بمقاومته وإزالته.
الدّستور استثنى إجراء حلّ البرلمان في هذا الإطار استبعادا لفرضية يكون فيها البرلمان مصدر الخطر الدّاهم (وهي فرضية الحال) وهنا جاء إجراء التجميد بدل الحلّ وهو الإجراء الأقرب لمقاصد المشرّع التأسيسي من خلال الامتثال لعدم حلّ البرلمان مع حماية البلاد من الخطر الدّاهم الذي بات يشكّله باعتماد إجراء التجميد. وإجراء رفع الحصانة عن كاّفة أعضاء البرلمان يؤكد التوجّه نحو المقاومة القانونية لمكامن الخطر الدّاهم صلب البرلمان(53).

وبناء على ما تقدّم فإنّ غياب الدقّة الكافية عن صياغة الفصل 80 من الدّستور كان وراء الاختلاف في توصيف المبادرة الرّئاسية.

أمّا السّبب الثاني في ذلك فيكمن في تمسك رئيس الجمهورية باحترام الدستور وبضرورة إدراج مبادرته الإنقاذية صلب الدّستور ذاته على وجه الإصلاح والتصحيح منحازا في كلّ ذلك إلى الاستجابة للإرادة الشعبية وخدمة الرّاية الوطنية دون سواها. وهذا في حدّ ذاته كفيل بدحض القراءة الانقلابية في بحث مبادرة رئيس الجمهورية يوم 25 جويلية 2021.

في هذا الإطار يعلم الجميع أن الدستور يشكل في المطلق تعبيرا عن إرادة الشعب ممّا يجعل اعتماده وتطبيقه يتمّ باسمه أخذا بمبدأ الديمقراطية التمثيلية.

كما هو معلوم أن الشعب إذا عبر عن إرادته بشكل مباشر في لحظات فارقة من التّاريخ فإن ‏شرعيته تعلو شرعية الدستور الذي يتراجع إلى المرتبة الثانية في كل ما يناقض إرادة الشعب صاحب الشرعية الأصلية.
ولكن من المعلوم كذلك أن أدوات قياس الإرادة الشّعبية المباشرة تبقى إلى حد الآن في أغلب المجتمعات نسبية لم تبلغ بعد درجة الدقّة التي تخوّل الاستناد الموضوعي إليها في تحديد مستوى الشّرعية الشّعبية التي يمكن أن تتيحها لجهة أو لأخرى في مسائل وقضايا يسعى كلّ طرف سياسي إلى الاستئثار بالشرعية الشّعبية للاحتجاج بها كعنصر دعم وتأييد لمقولاته وتوجّهاته حتّى تبدو على الأقل متماهية مع الإرادة الشّعبية.

لذلك وخارج العمليات الانتخابية وعمليّات الاستفتاء الشّعبي وبدرجة أقل عمليات صبر الآراء المحكمة، يصعب عمليا القياس الدّقيق لإرادة الشّعب وعليه يجدر تنسيب وجاهة الاستناد إليها حتّى وإن تشكّل أحيانا مؤشّرات جدية لا يجوز تجاهلها.

فإن سلّمنا بأن الأحداث التي شهدتها شوارع الجمهورية يوم 25 جويلية 2021 قد شكّلت تعبيرا تلقائيا صادرا عن التّونسيين. فهو، حتّى إن كان نسبيّا في مستوى دقّة قياسه، يضلّ تعبيرا كاف بحكم شرعية مصدره  وانتشار رقعته ومخاطر تداعيات استمراره لإعلان التعليق الكامل للدّستور، واتخاذ التدابير الاستثنائية المطلقة التي كان يفرضها ذلك الوضع والإعلان عن تنظيم مؤقت للسلطة العمومية خلال مرحلة محدّدة.

عندها كان بالإمكان الحديث عن انقلاب إنقاذي استجابة لإرادة الشّعب وحماية للبلاد من الانزلاق نحو المجهول.

ألم يكن ذلك بإمكان رئيس الجمهورية صنعه وهو الذي كان يحظى وبدون منازع بأكبر رصيد ثقة لدى الشعب التّونسي؟ (54) عندها كان يمكن الحديث عن انقلاب ومحرّكاته وآفاقه.

لكنّ رئيس الجمهورية آثر أن يجعل من الدّستور الحصن الواقي للوطن فتمسّك به وتحرّك استنادا إليه بتفعيل فصله الثمانين مع قراءته قراءة حتّى وإن اعتبرها البعض بالغة التوسّع فإنّها تبقى حصيفة، وتطبيقه تطبيقا يقدّم الغاية الجوهرية على سائر الاعتبارات : إزالة الخطر الداهم المهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، والمعطّل للسير العادي لدواليب الدولة، إزالة هذا الخطر حيثما كان وبكافة الوسائل القانونية.

هذا ما ينبغي أن تحفظه الذّاكرة اليوم بمعزل عن النقاشات النظرية العفوية التي تأخذ بالقواعد والمبادئ العامّة دون تنزيلها تنزيلا معمّقا على الوقائع التي تشكّل المحرّك الرّئيسي للتّاريخ الإنساني .
لكن، بقطع النظر عن كل هذه الفرضيات لاقت مبادرة رئيس الجمهورية استحسانا ورضاء شعبيا واسعا فكيف كانت إدارته ‏لهذه المرحلة إلى حدّ الآن؟ (55) هل حقّقت الآمال أم أثارت المخاوف؟

2- ‏الوضع الاستثنائي بين تحقيق الآمال وإثارة المخاوف(56) 

رغم تباين الآراء المسجّلة في مدى شرعية الدخول في هذا الوضع الاستثنائي المعلن تشكّل شبه إجماع على أنّ ما حصل هيّأت له رداءة أداء منظومة الحكم القائمة وحتّمته الإرادة الشعبية التي لا يمكن إلا التفاعل الإيجابي معها.

‏ولكن مع ذلك تعالت الأصوات بضرورة إحاطة إدارة الوضع الاستثنائي بجملة من الضمانات حول طبيعة ومآل هذه المرحلة التي يجب أن تنتهي في مدة معلومة إلى إعادة دواليب الدولة إلى سيرها الطبيعي. ‏وقد شكّلت هذه الأصوات الرأي الأغلبي داخليا وخارجيا(57).

وبالتوازي مع هذه التفاعلات الفكرية حول طبيعة آداء الدّولة خلال المرحلة الانتقالية انطلق رئيس الجمهورية في الفعل في إطار الاختصاصات التي خوّلها له الاستثناء في انتظار تقديم الضمانات المنشودة بالصيغة‏ المطلوبة وهو ما أكّده بوضوح.
فمن الأداء ما يحقّق الآمال نسبيا ومنه ما يثير المخاوف. واعتماد صيغة النسبية في توصيف تحقيق الآمال تهدف إلى التّوصيف الموضوعي لما يجري في ضوء الانتظارات القائمة وبالخصوص في ضوء حجم الإصلاحات المطلوبة لرفع أسباب الخطر الّدّاهم الذي دفع إلى إعلان حالة الاستثناء الدّستوري. لكنّ هذه النّسبية في تقدير تحقيق الآمال لا تنكر التقدّم على هذا الدّرب بشيء من الاحتشام النّاتج عن محدودية الآثار المأمولة في مستوى النّتائج وبالخصوص في مستوى ديموماتها بمعزل عن الظواهر الظرفية، وذلك في غياب خطّة عمل شاملة معلنة مسبقا، وفي غياب إجراءات تطبيق معلومة للجميع، وفي غياب جهاز تنفيذ مكتمل ومنسجم ومسؤول.

‏أ- أداء يحقّق الآمال نسبيا

يمكن استعراض أداء رئيس الجمهورية في إدارة المرحلة الاستثنائية بشكل يحقّق الآمال نسبيا من خلال ثلاثة محاور رئيسية : المحور الاتصالي والمحور الإداري و المحور الاجتماعي.

المحور الاتصالي

‏يمكن اعتبار المحور الاتّصالي من المحاور التي سجّلت تحسّنا نسبيا في الأداء ولكنّه يبقى في حاجة للتطوير النّوعي الذي تفرضه المرحلة التي تشهد تركيزا متزايدا من الرّأي العام على مؤسّسة رئاسة الجمهورية لرصد المعطيات الجديدة المستفيضة والدّقيقة والثّابتة لاسيما في ظل تفاقم ظاهرة الإشاعة الكيدية.

فقد كثف رئيس الجمهورية نشاطه الاتصالي في مطلع المرحلة الاستثنائية على الصعيدين الداخلي والخارجي حرصا على توضيح أسباب مبادرته بإثارة المرحلة الاستثنائية وتصوره لكيفية إدارتها والغايات التي ينشد تحقيقها من ورائها.

‏واهتمامه بالجانب الاتصالي يعكس انشغاله الكبير بالتجاوب مع المساندة الشعبية ودعمها وكذلك بكسب ثقة ومساندة واطمئنان الأشقاء والأصدقاء في الخارج والمنظمات والأحزاب والشخصيات الوازنة في الداخل.

ولم يتأخر في هذه اللقاءات المباشرة أو الهاتفية عن تأكيد التزامه بالدستور وبالاستجابة ‏للإرادة الشعبية وتمسكه بالمسار الديمقراطي وبالطبيعة المؤقتة للمرحلة الاستثنائية وبالعودة قريبا إلى السير العادي لدواليب الدولة.

وفي المقابل تراوحت رسائل الجهات المقابلة الخارجية بين المساندة المطلقة دون التدخل في الأمر باعتباره شأنا داخليا تونسيا (الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، المملكة المغربية‏، جمهورية مصر العربية، دولة الإمارات العربية المتّحدة، دولة البحرين، المملكة العربية السعودية، دولة فلسطين)، والمساندة شبه المشروطة (قطر) والاستنكار دبلوماسيا (تركيا)، والمساندة المبدئية بقدر الالتزام بالدستور وبالمسار الديمقراطي ‏وباعتماد خارطة طريق لهذه المرحلة (الولايات المتحدة الأمريكية، ‏الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا).

‏أما الجهات الداخلية فقد أكدت انحيازها إلى إرادة الشعب ومساندتها لمبادرة الرئيس ولكنها أكدت أيضا على ضرورة مرافقة هذه المبادرة برسائل طمأنة في شكل التزامات بعدم المساس بالحقوق والحريات والالتزام بخارطة طريق تضبط كيفية إدارة المرحلة مع ضبط جدولها الزمني.

وشكّلت الزيارات الميدانية (شوارع العاصمة، بعض المقرّات الوزارية، المطار، بعض الأسواق، بعض مراكز التلقيح، بعض المؤسسات الصناعية وغيرها …) بدورها في هذه المرحلة عنصرا إيجابيا يدخل في باب تحقيق الآمال من خلال التعبير عن إدراك معاناة المواطن والحرص الفعلي على التخفيف من وطأتها.

وهذا التحسّن النّسبي في الأداء الاتصالي لرئاسة الجمهورية خلال هذه المرحلة الاستثنائية لا يحجب بعض النّقائص التي يمكن تداركها بالخصوص من خلال:

توجيه بيانات تلفزية دورية ومباشرة للشّعب خارج لقاءات العمل التي تجمع رئيس الجمهورية بضيوفه من الّدّاخل أو الخارج، ودون اعتبار الرّدود الحينية  بمناسبة اللّقاءات المباشرة مع الشّعب،
شرح القرارات الرّئاسية خلال هذه المرحلة في بلاغات تجنّبا للتأويلات وانتشار الشّائعات،
تكثيف اللقاءات الصّحفية بالإعلاميين مواكبة لتقدّم إدارة المرحلة الاستثنائية ورفع ما تطرحه من تحدّيات،
تكليف ناطق رسمي متخصّص بكلّ ما يتّصل بالإعلام حول إدارة المرحلة الاستثنائية بحيث يكون أفضل مصدر للخبر اليقين للإعلاميين ويمثّل قناة التواصل الموثوقة بينهم وبين ورئيس الجمهورية،
فتح قنوات الاتصال مع الأطراف الدّاخلية غير المساندة من أجل إقناعها بشرعية المرحلة الاستثنائية وبطابعها الإصلاحي والعمل على تشريكها فيها. ‏

المحور الإداري

‏في إطار هذا المحور بادر رئيس الجمهورية إلى اتخاذ جملة من الخطوات العملية تمثّلت بالخصوص في إدخال تحوّلات نوعية في مستوى تحمّل المسؤوليات صلب الإدارات العمومية في كافّة المستويات شملت تسيير عدد من الوزارات ومراكز الولايات علاوة على حركة التعيينات الواسعة التي شملت القطاع الأمني، علاوة على تعليق نشاط بعض المؤسّسات الوطنية(58)

وتدخل هذه الخطوات في إطار الحرص على التطوير النّوعي لأداء المرفق العام خلال هذه المرحلة الدّقيقة.

لكن هذه المبادرات قد غابت عنها البيانات التفصيلية التي اعتاد المتابع ‏للشأن العام أن يجدها من أهل القرار بما يجنب التأويلات والإشاعات بأصنافها.

‏ولعله من المفيد إنارة الرأي العام بالحد الأدنى من المعلومات في هذا الشأن بما يطمئن على المنهج المعتمد في هذه ‏المرحلة ‏حتى وإن كان يقدر طبيعتها الخصوصية.

المحور الاجتماعي

‏يتّصل هذا المحور بكلّ ما يخصّ  المشاغل الأساسية في حياة المواطن وهو محور نشاط رئيسي في هذه المرحلة باعتبارها كانت المحرك الرئيسي للغليان الشعبي على امتداد السنتين ‏الأخيرتين وانفجار يوم 25 جويلية 2021. فكان للرئيس أن يهتم بشكل خاص بمعيشة المواطن وصحته ‏لذلك انخرط بشكل قوي في بحث سبل مقاومة غلاء الأسعار ‏التي باتت تخنق المواطن على كلّ الواجهات: مواد غذائية، مواد البناء، أدوات مدرسية، دواء، سكن، كلفة القروض البنكية الخ.

فعلى ‏هذا الصعيد وجه رئيس الجمهورية الدعوة إلى الفاعلين الرئيسيين في ‏هذه المجالات من أجل الضغط على الأسعار: فشهدت هذه المواد بعض التخفيضات الظرفية لكن دون أن تخفف الوطأة الثقيلة على المستهلك ‏من بين عامة المواطنين بشكل دائم.

‏بعد هذه الخطوة استهدف رئيس الجمهورية آليات ومنظومات أخرى لها شديد الأثر على معادلات ضبط الأسعار وهي مسالك التوزيع، ومجموعات التخزين ليخضعها للمتابعة والمراقبة بما يمكن أجهزة الدولة من السيطرة النظامية على الأسعار في سائر القطاعات. ولكنّ هذه المقاربة النظامية لا تتيح حلولا سريعة للمشكلات بقدر ما تتطلب الجهد والصّبر والمثابرة وتوفير الإمكانات المادية والبشرية والاستعانة بأنظمة قانونية مستحدثة تقضي على ظاهرة الاحتكار ‏والاستثراء الوحشي على حساب المواطن المسكين. والمهمّ في هذا الباب هو كشف مواطن الخلل وإطلاق عملية الإصلاح ولا ريب في أنّ النتائج الإيجابية ستتحقّق ما دام الجهد موصول والعزائم صادقة والفعل لا ينقطع واليقظة مستمرّة.

بالتوازي مع مقاومة الأسباب الأصلية لغلاء كلفة الحياة بشكل عام اهتمّ رئيس الجمهورية بالأزمة الصحية المتصلة بمقاومة جائحة كورونا التي بلغت ذروتها عند إعلان المرحلة الاستثنائية بل قد يكون تذبذب الفعل في مواجهتها وتضارب الآراء والقرارات في مقاومتها ‏قد شكل القطرة التي أفاضت كأس صبر المواطن.

‏في هذا الباب تركزت جهود الدولة على اعتماد خطة مزدوجة تقوم من ناحية على توفير المستلزمات الصحية الضرورية لمواجهة الجائحة عن طريق المساعدات الدولية التي كانت مكثفة بما يؤكد أن شبكة العلاقات العربية والدولية التي تحظى بها تونس جيدة رغم هشاشة وضعها السياسي الداخلي. وتركّزت من ناحية أخرى على  إعادة النظر في إستراتيجية التلقيح بما يحقق نتائج متميزة كان لها الأثر الجيد على مستوى تراجع نسبة انتشار الفيروس. والأرقام تؤكد وحدها النقلة النّوعية التي شهدتها الحملة التّونسية في مقاومة جائحة كورونا (59) وما حقّقته من نجاح في بضعة أسابيع فقط ليستعيد المواطن الأمل بعد أن فقده وصار يستغيث في كاّفّة الاتجاهات. هذا الباب شكّل أحد أهم الأولويات التي ركز عليها رئيس الجمهورية اهتمامه باعتبارها تهدد حياة المواطن في المقام الأول، فجاءت النتيجة مستجيبة للآمال والجهد متواصل دون انقطاع.

وإذا كان الأداء خلال هذه المرحلة الاستثنائية قد حقّق الآمال ولو بصورة نسبية في مستوى المحاور التي تمّ استعراضها، وأثبت بالخصوص أن الإصلاح ممكن وأن القدرات التونسية حقيقية ورفيعة الأداء وبإكانها العطاء الغزير كلّما تتاح لها الفرصة، فإنّ هذا الأداء شكّل مصدرا للحيرة والمخاوف في مستوى المحور العدلي.

‏ب- أداء يثير المخاوف في مستوى المحور العدلي

بداية لا بدّ من الاتفاق حول مفهوم “المحور العدلي” في هذا المقال. فهذا المحور يتصل بكل المساعي والمبادرات والمتابعات والإجراءات الهادفة إلى إنفاذ قوانين الدّولة التّونسية على كافّة الذّوات المادية والمعنوية التي تثبت إدانتها بمخالفة هذه القوانين بمعزل عن كافّة أشكال الحماية أو الحصانة التي قد تتمتّع بها بعض الفئات مهما كانت طبيعتها.

لقد أسال أداء الدّولة في هذا المحور الكثير من الحبر وأثار العديد من ردود الفعل باعتباره في ترابط وثيق مع محور الحقوق والحريّات الذي يعلو كلّ الاعتبارات ويحظى ب”قدسية” كونية باعتباره أساس كلّ بناء ديمقراطي.

فهذا المحور بطبيعته يضع أجهزة الدّولة المعنية بالفعل الميداني في وضعيّة بالغة الدقّة حيث تكون هذه الأجهزة مطالبة بالنّجاعة في التعامل مع المشتبه فيهم مع مراعاة حقوقهم وحرّياتهم المكفولة بالدّستور. وهو أمر صعب عمليا ومحفوف بالمزالق التي من شأنها أن تثير المخاوف وتوسّع دائرة التوجّس والحيرة تجاه المرحلة الاستثنائية فيما يتّصل بالحقوق والحرّيات(60).

لكنّ ذلك لا يمكن أن يلهينا البتّة عن المقصد الرّئيسي من المحور العدلي  وهو مقاومة كافّة أشكال الفساد الذي أنهك البلاد بعد أن استشرى فيها ‏وأصبحت عملية اقتلاعه بجذوره تكاد تكون أمرا مستحيلا دون أن تخلّف آثارا جانبية قد تطال أحيانا غير المعنيين به(61).

لذا وجب التذكير أن تونس تمرّ في المرحلة الحالية الاستثنائية دستوريا بظروف خصوصية تجعل رئيس الجمهورية مخولا دستوريا لاتخاذ التدابير الكفيلة بمواجهة الخطر الداهم ودحضه.

في هذه الحالة حتى وإن لم ينص الفصل 80 على ذلك فإن رفع الخطر الداهم ‏قد يقتضي اختصار بعض الإجراءات المتصلة بالحقوق والحريات وتطويعها حتى لا يعرقل احترامها الكامل، مثل ما هو الشأن في الوضع العادي لسير دواليب الدّولة، عملية رفع هذا الخطر(62).

‏لكن اعتماد هذا المنهج الاستثنائي في احترام الحقوق والحريات إن صحّ الأخذ به وحظي بالقبول الذي يكسبه الشرعية، يستدعي بالضرورة:

التشاور والاتفاق مسبقا مع المنظمات والهيئات الوطنية ذات الاختصاص بما يطمئن الجميع على توقّي الجهاز التنفيذي مغبّة الانزلاق في متاهة الفردانية والشخصنة عند التعامل مع هذه الحقوق والحريات خلال المرحلة الاستثنائية.
إعلام كافة المواطنين بالمنهجية ‏الاستثنائية المعتمدة في كفل هذه الحقوق والحريات.

‏ بهذه الصّورة يمكن أن يتحقّق التعاون بين الجهات الحقوقية والجهات الٌقضائية والجهات الأمنية خلال هذه المرحلة بالذّات من أجل إيجاد الصّيغ المثلى لوضع معادلة خاصّة تحفظ حقوق المشتبه فيهم وحريّاتهم في ظل مراعاة حقوق الوطن عليهم.
لقد ‏سبق التأكيد على شرعية الحرب على الفساد وعلى الفاسدين لكن شرعية هذه الحرب التي يساندها جميع التونسيين لا يمكن أن تكون مطلقة بل مقيدة بالقانون الذي تستمد منه قوتها حتى لا تتحول إلى “عملية قنص للسّاحرات” فتكون عواقبها وخيمة على الوطن حاضرا ومستقبلا.

هذا الأمر الذي يظلّ مبدئيّا ولا يتزعزع ‏في جوهره يمكن أن يناقش في إجراءات تنفيذه بما يطمئن جميع التونسيين أن حقوقهم وحرياتهم مكفولة بالدّستور وبالقانون بشكل كامل زمن الاستثناء.

أما ما تتناقله بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من شهادات شخصية وأخبار حول إخضاع عدد من التونسيين بصورة تعسّفية إلى إجراءات من نوع المنع من السفر، والإيقاف التحفظي، والوضع في الإقامة الجبرية ‏مما أثار استنكار عدد من المنظمات الحقوقية وطنيا ودوليا فإنه إن ثبت فعلا، يشكل انزلاقا خطيرا في مستوى التنفيذ في باب التسرع في إطلاق هذه الحرب قبل استكمال ضبط إطارها الإجرائي الخصوصي بما يحفظ حقوق الجميع ويصون صورة تونس كدولة يعلو فيها صوت القانون حتى في مرحلة الأزمات وبالتحديد في هذه المرحلة التاريخية.

‏وتجنّبا للشائعات والأخبار المغرضة التي يمكن أن يحقنها في المسامع البريئة بارونات الفساد ورعاتهم وأتباعهم يتعيّن التعامل مع هذه الحرب بأكبر درجات الشفافية تجاه الرّأي العام بإطلاعه بشكل دوري على الإجراءات المتخذة والعمليات المسجلة ميدانيا، ومبرراتها، وآثارها القانونية ومآلها القضائي.

‏إنّ حرب الدولة على الفساد معركة طويلة المدى يخوضها التونسيون جميعا، و نجاحها يرتبط بانخراط الجميع فيها ومؤازرتهم اللامشروطة لها، ‏وترتبط شرعيتها بشفافية إدارتها ضمن حدود الحقوق التي يكفلها الدستور وفي نطاق الاحترام الكامل للقانون إلى أن ترفع كافة الأضرار التي لحقت الدولة ومواطنيها وترتقي مقاومة الفساد لتصبح أحد مكونات الفكر المواطني التونسي.

والمخاوف لا تنحصر فقط في ملابسات ما يجري اليوم ولاسيما بعض مزالقها ولكنّها تشمل كذلك ما غاب استكمال فعله إلى حدّ الآن في إطار مبدأ المحاسبة العادلة. وهنا يكفي الإشارة العابرة إلى مسألتين هامّتين لارتباطهما بأحد دواليب الدّولة المدعوّة للعودة إلى الدّوران الطّبيعي بعد العلاج، والقصد هنا المؤسّسة التشريعية وبالتحديد مجلس نوّاب الشّعب المجمّد حاليا.

المسألة الأولى تتعلّق بالأعضاء المجمّدين والمرفوعة عنهم الحصانة والذين منهم من تعلّقت بهم شبهات خرق للقانون، ومنهم من صدرت في شأنهم أحكام قضائية في إطار قضايا حق عام، ولكن بقوا في الحالتين، بحقّ أو بغير حقّ، تحت جناح الحصانة.

فهؤلاء جميعهم مواطنون تونسيّون يتمتّعون بقرينة البراءة إلى حين استيفاء كافّة درجات التقاضي معهم، وباعتبار وضعيّتهم الخصوصية كمنتخبين لتمثيل الشّعب، فمن الطّبيعي أن يعلم الشعب الذي انتخبهم من هم بالتحديد، وما هي التهم الموجّهة ضدّهم، وما هي النتائج النّهائية لمسار مقاضاة كلّ منهم. هذا واجب وليس خيارا للسّلطة العمومية اليوم.

بهذه الصّورة تتوقّف الشّائعات وعمليّات البيع والشراء التي تورّمها، وتدفع إلى التعميم أو الاستثناء حسب الحالة وحسب النّوايا، فتتّضح الرؤية ويتبيّن المذنب من البريء وينال كلّ ذي حقّ حقّه.

ومن الطّبيعي أن يتطلّب هذا العمل وقتا معقولا للفصل النّهائي لكن ذلك يستلزم ضبط المقاربة المعتمدة في شأنه والإعلان عنها وإخضاعها لمبدأ الشفافية الذي ينبغي أن يسوس مرحلة الاستثناء.

أمّا المسألة الثانية فتتّصل بالأحزاب السياسية الممثّلة في مجلس نوّاب الشّعب والمعنية بنتائج “التقرير العام حول نتائج مراقبة تمويل الحملة الانتخابية للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والانتخابات التشريعية لسنة  2019  ومراقبة مالية الأحزاب”(63). فهذه الأحزاب، وبعيدا عن مدى ثبوت ما نسب إليها في هذا التقرير من “قرائن قويّة ومتظافرة حول تعاقد  … مع شركات أجنبية قصد كسب التأييد تتقاطع مدد تنفيذها مع الفترة الانتخابية”، وفي حالة البت القضائي النّهائي في شأنها بتوصيف الأفعال التي تضمّنها التقرير المذكور على أنّها جريمة انتخابية وفق منطوق الفصل 163 من القانون الانتخابي(64) ومع مراعاة الفصل 80 من نفس القانون(65)، تبقى معرّضة للعقوبة القصوى التي ينصّ عليها هذا القانون، وهي عقوبة بالغة الخطورة من حيث حجم الخطية التي تفرضها (بين 5 أضعاف و50 ضعف قيمة التمويل الأجنبي)، ومن حيث الانعكاسات السّياسية كذلك وهي فقدان المقاعد بالبرلمان أوّلا والحرمان من الترشّح في الانتخابات الموالية ثانيا(66).
فهاتين المسألتين اللّتين يشكّل إغفالهما مصدر حيرة وتخوّف يستوجبان في هذه المرحلة بالذّات بالغ الرّعاية والاهتمام على أن يأخذ التدقيق القضائي في شأنهما مجراه الطبيعي بعيدا عن الفعل السياسي وأن يستغرق الوقت الضّروري لتحقيق الفصل العادل والنّزيه لأن لمثل هذه القضايا تأثيرها المباشر في التعجيل بإنجاز خيارات الإصلاح وبالعودة إلى السّير العادي لدواليب الدّولة.  
‏وتجدر الإشارة أنّ المحور العدلي علاوة على ارتباطه بمسألة الحقوق والحرّيات فإن ارتداداته وانعكاساته المباشرة وغير المباشرة تطال أيضا المسألة  الاقتصادية وامتداداتها الاجتماعية المختلفة بما يمكن أن يخلّفه من آثار بالغة الخطورة على استعادة وتيرة حركة النّشاط الاقتصادي الوطني بشكل عام وتحقيق التوازنات المالية العمومية على وجه الخصوص. هذه المسألة تستدعي بدورها اعتماد أكبر درجات الاحتياط واليقظة حتّى لا تتحوّل عملية محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين بأيّ شكل من الأشكال إلى عامل تعطيل للحراك الاقتصادي الوطني.
المحور العدلي، مثلما اصطلحنا على تسميته، يكتسي بكافّة أبعاده، أهميّة خصوصية  ضمن مضامين إدارة المرحلة الاستثنائية حيث لا يمكن أن تتوقف أدوات فعله بمجرد الإعلان عن ‏نهاية المرحلة والدخول في مرحلة الاشتغال العادي لدواليب الدولة بل ينبغي ‏أن يتواصل بنفس الروح ‏حتى وإن اعتمد أدوات تتماها والسير العادي للمؤسسات.

3- ‏الوضع الاستثنائي: طبيعة مؤقتة ونهاية حتمية

إن إدارة المرحلة الاستثنائية في كل أبوابها تبقى في طبيعتها مؤقتة باعتبارها مرتبطة ارتباطا عضويا بزوال أسباب قيامها، فإن هي رامت الدّيمومة بأي شكل من الأشكال وتحت أي تبرير أو تفسير من التبريرات والتفسيرات التي تتعددّ وتتنوّع حسب المشارب والمدارس، فإنّها تفقد شرعيتها وتفقد المساندة الشعبية التي شهدتها وتشكّل آليا خطرا محدقا ينبغي عدم الاستهانة به.
‏ولا ريب أن الأفق الوحيد الذي لا بدّ أن تنتهي إليه المرحلة الاستثنائية سيكون بالتأكيد طور عودة دواليب الدولة للاشتغال العادي الذي يستجيب للإرادة الشعبية ويجنب الوقوع مجددا في أتون الخطر الداهم جرّاء عوامل معلومة لا يجوز البتة فسح مجال توليدها والاكتواء بنارها ثانية حتى لا تلدغ تونس من نفس الجحر مرتين.
‏وبالتالي فإن نهاية المرحلة الاستثنائية الجارية والعودة إلى الاشتغال الطبيعي لدواليب الدولة أمر محسوم لا جدال فيه وهو المصير الطبيعي لهذه الدولة وشعبها.
‏ولكن أية عودة ينبغي أن تنتهي إليها المرحلة الاستثنائية؟
‏ذلك هو السؤال الذي تستدعي الإجابة عنه بحث هذه المسألة بشكل موضوعي يستجيب للغة العقل. فهل نعود إلى الوضع الذي كانت تدور وفقه دواليب الدولة بما أنتج الخطر الداهم الذي أدخل تونس في هذه المرحلة الاستثنائية؟

‏إذا انتهجت تونس هذا ‏المنهج تكون المرحلة الاستثنائية بمثابة الاستراحة الظرفية قبل الرجوع إلى قلب الزوبعة التي شكلت الخطر الداهم وأجمعت كل الحساسيات السياسية التونسية، مع تنوّع مقاربات كلّ منها، على ضرورة تجاوزها برمتها باعتبارها الخطأ الجسيم الذي كلّف تونس الزيغ  عن الطّريق القويم بالبناء الديمقراطي الذي أطلقت مساره ثورة 2011. ‏

في مثل هذه الحال تشكل العودة إلى الوضع الطبيعي نكسة جماعية تطيح بآخر آمال الشعب في تصحيح المسار، وتعلن عن شرعية الرّداءة، وتفسح المجال واسعا لبناء عرش الفساد، وتؤسس للقطيعة النّهائية بين الدولة وشعبها.

‏لذلك من الطبيعي أن يؤكد رئيس الجمهورية “أن لا رجوع إلى الوراء” ولا أعتقده لا هو ولا أي تونسي نزيه ومؤمن بضرروة الإصلاح، يتطلع البتة إلى الرجوع إلى الوراء أي إلى الوضع السّائد قبل 26 جويلية 2021 والذي شكّل في حدّ ذاته خطرا داهما أدّى موضوعيا إلى إثارة الاستثناء الدّستوري كخطوة ضرورية للإنقاذ والإصلاح تجاوبا مع الإرادة الشعبية.

‏وعليه يكون الصواب في فهم الفصل 80 من الدستور المتعلق بالعودة إلى الاشتغال العادي لدواليب الدولة على انه الاشتغال العادي على غير النهج الذي كانت تشتغل وفقه والذي أنتج الخطر الداهم.

‏فإذا كان الخطر الداهم مرتبطا بطريقة سير دواليب الدولة فإن هذه الطريقة لابد أن تتغير أو بالأحرى أن تخضع للإصلاح باعتبارها معيبة.

‏وإذا كان الخطر الداهم يكمن في عيب كيفية اشتغال هذه الدواليب فإن رفع هذا العيب يتطلب مراجعة أساليب اشتغالها. والمقصود بدواليب الدولة أجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. وما دام الفصل 80 قد أسند صلاحية رفع الخطر الداهم إلى رئيس الجمهورية، وما دام هذا الأخير قد قرر ضمن التدابير الاستثنائية التي اتخذها تجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة وبعض الوزراء فهذا يحيلنا إلى التركيز على المؤسسة التشريعية ‏‏من جهة وعلى الحكومة من جهة ثانية باعتبارهما موطن الخلل الذي أنتج حالة الخطر الّدّاهم. وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأنّ الإصلاح الذي يستهدف رفع الخطر الدّاهم يجب أن يشمل السّلطتين التشريعية من ناحية والتنفيذية من ناحية أخرى في فرعها الحكومي بالتحديد. وهذا يتطلب بدوره مراجعة منظومة الحكم ضمن الدستور في مستوى تنظيم السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وفي مستوى ضبط العلاقة بينهما.

‏وعليه فإن العودة إلى السير العادي لدواليب الدولة مع ما يستوجبه من رفع للخطر الداهم المحدق بالبلاد يمر حتما عبر إصلاح منظومة الحكم برمّتها وهذا الإصلاح يتطلب منطقيا المرور بجملة من الخطوات الأساسية(67) تتصدّرها:

أولا- الفصل النهائي في القضايا العالقة المتصلة بالجرائم الانتخابية عموما أو بأعضاء مجلس نوّاب الشعب المجمّدة عضويتهم من حيث وضعيّاتهم القانونية،
ثانيا – البت في وضع مجلس نوّاب الشعب المجمّد (بين الحلّ الذاتي، أو الإعلان عن الشغورات بالنّسبة للحالات التي يفرضها القانون(68)،
ثالثا – مراجعة النّصوص القانونية المتصلة بمنظومة الحكم في صيغة مراسيم رئاسية (القانون الانتخابي، قانون الأحزاب، قانون الجمعيات)ـ
رابعا – تنظيم انتخابات تشريعية (تكون حسب الحالة : إمّا سابقة لأوانها أو جزئية)،

يتولّى المجلس عند انتخابه كلّيا أو جزئيا ثلاث مهمّات أساسية:

إرساء المحكمة الدّستورية،
النّظر في مشروع مبادرة رئيس الجمهورية بتعديل الدّستور بخصوص إصلاح منظومة الحكم . (المصادقة على مبدأ المبادرة بالأغلبية المطلقة(69))
النظر في المصادقة على المراسيم الرّئاسية.

خامسا – الإعداد لتنظيم استفتاء حول تعديل الدّستور.
سادسا – اعتماد نتيجة الاستفتاء وإعلان نهاية حالة الاستثناء الدّستوري.

من خلال ما تقدم يتأكد أن العودة إلى السير الطبيعي لدواليب الدولة يستدعي عملا كبيرا ودقيقا خلال المرحلة الاستثنائية. ‏فبقدر ما كان إعلان الدخول في الإجراءات الاستثنائية أمرا ‏بالغ الدقة والخطورة فإنّ الخروج منه ليس ‏بالأمر الهين على الإطلاق فهو يتطلب الاستعداد الجيد الذي يكون محوره التأكد القطعي من زوال أسباب الاستثناء ‏ودواعيه المباشرة وغير المباشرة ومحركاته الداخلية والخارجية ومظاهره الجلية والخفية.

‏فهذا العمل الجبار يتطلب بالضرورة جهدا موصولا وتفكيرا معمقا وحيزا زمنيا معقولا لغاية التصحيح لما أفسدته العشرية السابقة وإعادة قطار الثورة الشعبية على سكة البناء الديمقراطي الحقيقي الذي لن يتجسّم في غياب معادلة رسّختها في الأذهان ثورة 2011 وهي معادلة “الشغل والحرية والكرامة الوطنية”.

وفي تجسيم هذه المعادلة ذاتها تحصين طبيعي للسّيادة الوطنية ولاستقلالية القرار التّونسي من محاولات السّطو الخارجي حتّى وإن بدا ناعما ومتستّرا تحت قناع الانشغال البريء بالمسار الدّيمقراطي في تونس بدافع تأمينه من الارتدادات المحتملة لإثارة الاستثناء الدّستوري. وقد ألهبت هذه المسألة المواقف والكتابات والنقاشات بخصوص السيادة الوطنية والحاجة لصونها تجاه المبادرات المتنوّعة في مصادرها وفي مناهجها، الفجة الغليظة أحيانا واللطيفة النّاعمة أحيانا أخرى للنّيل من السيادة التّونسية.
الواقع أن هذا الظرف الدّقيق الذي تعيشه تونس قد جعل الأولوية تتركّز على الفعل الدّاخلى على تنوّعه وتعدّد آثاره لأنّ الفعل أو بالأحرى التفاعل الخارجي يبقى عموما مشروطا بمدى تماسك الجبهة الدّاخلية التي لاحت عليها في المدّة الأخيرة بعض الشّروخ بمفعول قلّة من التّونسيين المستوردين أصلا من الخارج أو المتيّمين بعشقه إلى درجة الردّة على الوطن.

وهو ما يفرض فعلا الانتباه واليقظة لتفاعلات عديد الجهات الأجنبية، سواء إيجابيا أو سلبيا، مع إعلان وضع الاستثناء في تونس، ولوتيرة هذه التفاعلات التي بلغت درجة الإزعاج لأهل الدّار الذين يعود لهم القرار والذين تعاملوا مع هذه المحاولات بكثير من الصّبر والحكمة من أجل : الصّون الدّائم لسيادة القرار الوطني واستقلالية الشّأن الدّاخلي والرّفض الرّصين واللائق لأيّ شكل من أشكال المساومة إن بادر بها بعض الضيوف حينما يثقل ظلّهم في بعض الأحيان فيحاولون استخدام لغة الإملاء.
وهذه المقاومة الدّبلوماسية الرّسمية الصّامدة قد وجدت دون ريب في الفاعلين السياسيين الوطنيين ومنظّمات المجتمع المدني بكبيرها وصغيرها السند الحاسم والهبّة التلقائية المساندة لاستقلالية القرار الوطني والرفض البات لكافّة أشكال التدخّل الأجنبي مهما كانت مواقف هؤلاء الفاعلين من إعلان الاستثناء الدّستوري وكيفية إدارته : مساندة أو معارضة.

وفي جميع الأحوال تخضع هذه المسألة لمعادلة بسيطة تقوم في المقام الأوّل والأخير على احترام إرادة الشّعب والالتزام بما ينفع التّونسيين وما يتطلّعون إليه مثلما صرخوا به على امتداد عشرية دون أن يصغي إليهم أصحاب القرار الفعلي: وهو البناء الدّيمقراطي بناء صلبا يزدهر في ظلّه الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

وعليه ينبغي التمسّك بالاستجابة لإرادة الشعب التّونسي دون سواها، وهي إرادة شرعية تشكّل أفضل درع ضدّ محاولات التدخّل باعتبارها إرادة لا تستهدف الإساءة إلى أحد أو تهديده وبالتّالي ليس للأخ أو الجار أو الصّديق أو الشريك الاقتصادي أن ينتظر من تونس أكثر من ذلك أو أن يخالفها في شيء في هذا الخصوص. ففي استقرارها السياسي، وفي سلمها الاجتماعية، وفي ازدهارها الاقتصادي تتحقّق مصالحه. والمصالح تشكّل بيت القصيد في العلاقات الدّولية.

لذلك فإنّ الأهم اليوم هو الانكباب على إصلاح العيوب وإعادة دواليب الدّولة لسيرها العادي في أسرع الآجال. فالعطب داخليّ والأولويّة الحالية تكمن في الإسراع بإصلاحه من أجل إنقاذ الوطن، أمّا الجهات الخارجية فإنّ المؤشّرات الوطنية الإيجابية كفيلة بوأد نواياها الخبيثة إن وجدت وتأمين مساندتها كما تريدها تونس وليس كما تمليها عليها.

في ختام هذه القراءة المتواضعة للوضع التاريخي الذي تشهده البلاد حاليا والفرصة الاستثنائية المتاحة للتدارك بعد الانحدار غير المسبوق على كافة الأصعدة، لا مراء في أنّ ‏المستقبل القريب وحده سيشهد إذا كان هذا الوضع سيؤكد شرعيته الشعبية التاريخية في تصحيح المسار الإصلاحي الذي أطلقته ثورة 2011 بعد أن زاغ عن الطريق فاستنزف البلاد وأنهك العباد.

وهو المآل الأقرب إلى التجسيم أوّلا لأنّه ينبع من إرادة الشّعب، وإرادة الشّعب قوّة خارقة لا تقهر، وثانيا لأنّ السّاهرين على تحقيق هذا المآل يدركون أنّهم يستمدوّن شرعيّتهم من إرادة الشّعب الذي وضع فيهم كلّ ثقته ولن يرض منهم بغير النّجاح تتويجا لمرحلة الاستثناء، وثالثا وأخيرا لأنّ الشّعب التّونسي بكافّة مكوّناته يتطّلع بكلّ جوارحه إلى العودة السّريعة إلى الحياة العادية التي تتوفّر فيها للجميع أسباب العيش الكريم في ظلّ منظومة حكم تشتغل وتخضع للمحاسبة الّدّورية بحسب تحقيقها “للشغل والحرية والكرامة الوطنية”.

فالشعب التونسي يدرك ما يريد ولن ينتظر عشرية ثانية إذا شعر ‏على المدى القصير أن عجلة الاستثناء قد حادت عن الطّريق وجانبت هدف التصحيح واستمرت في الدوران غير المجدي ودون أن تعيد دواليب الدولة إلى الاشتغال الطبيعي بما يحقق أسباب الكرامة في مفهومها العميق، والتي لن تكتب لها الديمومة إلا في إطار مؤسسات مستقرّة ودائمة وملتزمة بخدمة مصالح التّونسيين جميعا.

والموضوعية تفرض أن يبقى احتمال الفشل في إدارة هذه المرحلة الاستثنائية واردا حتّى وإن كان ضعيفا. والفشل إن حدث سيكون مردّه إلى جملة من العوامل الأساسية التي تشكّل تهديدا لنجاح المساعي الجارية لرفع الخطر الدّاهم والتي ينبغي التحسّب الجيّد لها والمبادرة إلى معالجتها استباقيا. ومن ضمن هذه العوامل نذكر بالخصوص:

الاتساع التّدريجي لدائرة التشكيك والانتقاد وبثّ الأخبار الزّائفة حول إدارة المرحلة الاستثنائية مقابل تراجع وتآكل دائرة التأييد والمساندة والتفاعل الإيجابي مع هذه المرحلة(70)،
الأخطاء التنفيذية المتّصلة بالحقوق والحرّيات،
تحرّكات الجهات المناهضة للاستثناء بالدّاخل والخارج،
غياب خطّة اتصالية ملائمة،
غياب خطّة عمل للمرحلة مرفقة بجدولة زمنية تقريبية،
مساعي البعض للاستقواء بالخارج،
التدخّل الأجنبي المغرض تحت أقنعة مختلفة،
محاولات الدّفع إلى الخروج عن الواقعية السياسية،
الانجرار نحو المقاربة الأحادية في تدبير شؤون البلاد.

فمتى وضعت هذه العوامل تحت المتابعة بما تفرضه من يقظة تامّة وردّة فعل سريعة وجدّية ودائمة فإن التّوفيق سيحالف دون ريب إدارة مرحلة الاستثناء الدّستوري في تونس لتنتهي بدقّ جرس العودة للسّير الطّبيعي لمؤسسات الدّولة وبالتفاف الجميع حول نصر لا يراه اليوم كثيرون.

“الفشل وحده يتيم، أمّا النجاح فالجميع أقرباؤه”

ثالثا – الخطوط الكبرى لمشروع خطّة عمل لمرحلة الاستثناء

هي مجموعة أفكار مبوّبة في صيغة محاور عمل رئيسية ستكون بالتأكيد في حاجة للمراجعة والتدقيق في ضوء الإكراهات الموضوعية التي لا يدركها ويقدّرها حقّ قدرها إلاّ أهل القرار.  وهي تتضمّن فقرتين : الفقرة الأولى تقف عند ما ينبغي تجنّبه، أمّا الفقرة الثانية فهي تقدّم توجّها يمكن أن يشكّل أرضية مفيدة لتهيئة الخروج الملائم من مرحلة الاستثناء.

1- ما ينبغي تجنّبه: اعتماد مسار يتنافى والدّستور(71)

وتستند هذه التّوصية إلى المؤيّدات التّالية:

السيّد قيس سعيّد تولّى رئاسة الجمهورية عن طريق الانتخاب العام والمباشر بتاريخ 23 أكتوبر 2019 استنادا إلى دستور 27 جانفي 2014 وهو الآن بصدد مباشرة عهدته الرّئاسية التي تمتدّ إلى 2024.
صحيح أنّ رئيس الجمهورية  أعلن منذ 25 جويلية 2021 حالة الاستثناء الدّستوري لكنّه عندما أعلن هذه الحالة فإنّه أعلنها استنادا إلى الدّستور في فصله 80. وهو ما يعني مبدئيا أن الجمهورية لا تزال تخضع إلى دستور 2014 حتّى وإن كانت تحت طائلة التدابير الاستثنائية التي اتّخذها رئيس الجمهورية الذي يواصل أداء مهامّه استنادا إلى نفس الدّستور.
رئيس الجمهورية، إلى حين انتهاء عهدته، يحافظ على شرعيّته الدّستورية التي اكتسبها بشكل مباشر من الشّعب الذي انتخبه في إطار أحكام الدّستور. وعليه فإن شرعيّته الدّستورية وشرعيّته الشّعبية مترابطتان ارتباطا وثيقا.
لذلك فإنّه لا يحتاج إلى إطار تنظيمي جديد لأنّ الدّستور يوفر له ذلك مع الشّرعية حتّى خلال مرحلة الاستثناء الدّستوري التي لا تعني خروجه عن الدّستور: وهذا ما أكّده مرارا.
حلّ مجلس نوّاب الشعب لا يجوز في إطار دستور 2014 في حالة الاستثناء الدّستوري.
في صورة حدوثه رغم ذلك فإنّه يعني آليا الخروج عن الدّستور وتعليقه وهو أمر يتناقض مع الالتزامات الرّئاسية. كما أن رئيس الجمهورية يفقد بتعليق الدّستور شرعيّته الدّستورية.
صياغة دستور جديد برمّته لم يشكّل مطلبا شعبيا بقدر ما مثّل الأداء خيبة أمل عميقة للشّعب عمّقت آلامه وأثارت هبّته العارمة والتّلقائية.
الاستفتاء الشعبي أمر مشروع ومحمود ولكنّه يمرّ حتما عبر البرلمان من منظور دستور 2014، ويتطلّب تنظيمه الخروج عن الدّستور وهو ما لا يمكن اعتباره احتمالا جدّيا لدى رئيس الجمهورية.

هناك من يدفع إلى مقارنة الوضع الحالي بما ذهب إليه رئيس الجمهورية المؤقّت في مارس 2011 عندما علّق العمل بالدّستور ووضع تنظيما مؤقّتا للسّلط. لكنّ ذلك غير ملائم اليوم(72) بالنّظر للاختلاف الجوهري بين المرحلتين واستحالة اعتماد أدوات 2011 في التّعامل مع وضع اليوم 2021. ويتجلّى ذلك استنادا إلى الملابسات التالية:

السيّد فؤاد المبزّع  تولّى ، بصفته رئيس مجلس النّواب آنذاك، رئاسة الجمهورية بصورة مؤقّتة يوم 15 جانفي 2011 استنادا للفصل 57 من دستور1 جوان 1959 لغاية سدّ الشغور الدّائم في منصب رئيس الجمهورية طبقا لإعلان المجلس الدّستوري وذلك إلى حين حدّد أجله الأقصى الدّستور في 60 يوما.
عند حلول ذلك الأجل وهو 14 مارس 2011 يفقد السيّد فؤاد المبزّع الشّرعية التي أسندها إيّاه الدّستور ويصبح بالتّالي اضطلاعه المؤقّت بوظيفة رئاسة الجمهورية أمرا لاغيا استنادا إلى دستور 01 جوان 1959.
الوضع في مارس 2011: رئيس جمهورية تنعدم شرعيّته في إطار دستور 1959 ويحتاج إلى شرعيّة جديدة أتاحها له الوضع الثوري الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك(73) ووفّرها له إطار تنظيمي جديد مختلف عن الدّستور ولكنّه يؤمّن تقنيا نفس الوظائف وهو الذي اصطلح على تسميته بالدّستور الصّغير(74).
حلّ مجلس النّواب : تمّ بصورة مشروعة في إطار الدّستور  الصّغير الذي وقع إصداره في صيغة مرسوم تعويضا لدستور 1959 الذي بات آنذاك في جملته غير ملائم لتطلّعات الشّعب.
صياغة دستور جديد : شكّل طلبا شعبيا تعالت الأصوات في ساحة القصبة مطالبة به ومنادية للغرض بانتخاب مجلس تأسيسي.

وعليه فإنّ المنهج الذي يستوجبه الوضع اليوم ينبغي إيجاده صلب المنظومة الحالية بما فيها من مبادئ وقواعد وما يحيط بها من أعراض وملابسات بحيث يكون متماه مع الدّستور الذي يشكّل عمودها الفقري ولا يجوز في هذا الإطار الخروج عنه.

2- السّبيل إلى إدارة المرحلة بنجاح وفي نطاق احترام الدّستور

لا بدّ من التصريح بداية بأنّ المقاربة  المعتمدة لا تحيط بكافّة الحقائق العمليّة وبكافّة الإكراهات اللّوجستية حتي ترتقي إلى مرتبة مشروع خطّة عمل لمرحلة مصيرية لشعب بأسره. فالأمر لا يعدو أن يكون خطوط كبرى قد تسمح بالاستئناس لوضع خطّة عمل متكاملة ومنسجمة تسمح بعبور مرحلة الاستثناء بسلام ونجاح مع احترام الدّستور.

هذه الخطوط الكبرى تعتمد في تصوّرها ثلاث ركائز موضوعية:

أ – الخصائص الأساسية

تتمثّل هذه الخصائص فيما يلي:

الغاية: توضيح الرؤية بخصوص العودة بدواليب الدّولة إلى وضع الاشتغال الطبيعي في أقرب الآجال التي تخوّل المعالجة الجذرية لمظاهر الخطر الدّاهم وأسبابه الأصلية.

المقاربة: الجمع بين مسارين متوازيين : مسار عمليّاتي يضبط مظاهر الخطر الدّاهم ويعالجها ،  ومسار استراتيجي يرصد أسبابه الأصلية ويعالجها.
المواصفات: هذه الخطوط العريضة تمهّد لخطة تنبع من أعماق 25 جويلية 2021، وهي واضحة المعالم، بيّنة المضامين، متكاملة الأركان، تتأسّس في جوهرها على الإرادة الشعبية باعتبارها المصدر الطّبيعي للشرعية وعلى الدّستور في جملته باعتباره تعبير عن الإرادة الشعبية، وعلى المصلحة الوطنية باعتبارها المحرّك الأساسي للفعل السياسي، وتحظي بالمساندة الواسعة.
الشّرط الأساسي: دائرة مساندة وتأييد واسعة وعلنية ومسؤولة يغذّيها انخراط مختلف شرائح التّونسيين:  أحزابا ومنظّمات، وأفرادا من كافّة الأجيال.

منهجية العمل: عرض رسمي ثلاثي الأبعاد (ثلاثة أبعاد متلازمة ومتوازية ومتجانسة)

البعد الأول: توجيه بيان رئاسي إلى الشعب يشرح طبيعة المرحلة، وأهدافها، وخطوطها الكبرى، وطريقة إدارتها، وآجالها.
البعد الثاني: إصدار أمر رئاسي يتعلّق بتوضيح التدابير الاستثنائية من حيث انعكاساتها على مستوى سير المرافق العمومية، وبضبط  طريقة جليّة لإدارة البلاد خلال مرحلة الاستثناء الدّستوري.
البعد الثّالث: إصدار خطّة عمل ملزمة تغطّى محاور الفعل الأساسية خلال المرحلة وتحدّد آجالها.

ب – المسار العمليّاتي : ضبط مظاهر الخطر الدّاهم ومعالجتها

محطّة الاستثناء الدّستوري، استجلاء العوامل واستشراف المآل

ج – المسار الاستراتيجي : رصد أسباب الخطر الدّاهم ومعالجها(75) 


هذه الخطوط الكبرى مشروع تأسّس على إدراك أبرز الانتظارات والآمال التي عبّر عنها التّونسيون وناصرتها المرحلة الاستثنائية التي جاءت في إطار دستور يتطلّب بدوره الإصلاح حتّى يواكب الإرادة الشعبية التي تشكّل مصدر شرعيّته.
المهمّ: قد صار بالأمس، يوم 25 جويلية 2021، واستبشر به أغلب التّونسيين ولكنّ الأمس قد ولّى وانقضى ولم تبق منه سوى فسحة الأمل الوطيد في الفرصة التّاريخية التي أتاحها للإصلاح.

الأهمّ: يتحدّد في اللّحظة الحاضرة، لأنّ فرصة الإصلاح علامة مضيئة ولكنّها غير أبدية، تتطلّب التّوظيف الأمثل في الوقت الأنسب لتشكّل المنعرج الفارق في تاريخ تونس المعاصر، المنعرج  الذي ستحفظه دون ريب الذّاكرة الوطنية.
“زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون”.

المنذر الرّزقي
باحث في العلوم السياسية

1- رسالة رئيس لجنة المالية بمجلس نوّاب الشعب بتاريخ 5 مارس 2021 إلى رئيس الجمهورية بخصوص تردّي الوضع الاقتصادي التّونسي والحاجة الملحّة لإعلان حالة الطّوارئ الاقتصادية. النصّ الكامل للرّسالة على موقع : https://ar.tunisienumerique.com
2- الغريب في الأمر أن يسعى العاقل إلى التكبيل العمد لمنظومة الحكم والتأسيس الدّستوري المقصود للاختناق المؤسّساتي. إن ثبت ذلك، فهل تقبع وراء هذا التوجّه دوافع قويّة تستهدف على المدى الطّويل تقويض الدّولة ومشروعها المجتمعي لإحلال بديل مناقض؟
3-  Rafaa Ben Achour, LA CONSTITUTION TUNISIENNE DU 27 JANVIER 2014, in : Revue française de droit constitutionnel, 2014/4 n° 100 | pages 783 à 801, Presses Universitaires de France.
” … le constituant tunisien … a cherché à instaurer un régime politique qui évite les dérives autoritaires mais il est tombé dans l’excès et a ouvert une voie aux conflits de compétences sur lesquelles devra se pencher la cour constitutionnelle. “
4- على غرار الأساتذة سليم اللّغماني، وغازي الغراري، وسلسبيل القليبي.
5- رافع بن عاشور – مرجع سابق- يتحدّث صاحب المقال عن تصنيف النظام السياسي في دستور 2014 قائلا : “أحكام هذا الدستور غامضة ومعقدة إلى درجة أن تنظيم السّلط وضبط العلاقة بينها لا يمكن أن يندرج ضمن أي صنف من أصناف الأنظمة السياسية التقليدية”.
“… les dispositions pertinentes y relatives sont alambiquées, confuses et sophistiquées et tellement l’organisation des pouvoirs et l’agencement des relations entre eux ne correspondent à aucun cadre classique.
6- عديد خبراء الفانون الدّستوري أجمعوا على أنّ فكر المؤسّسين قد سيطر عليه الحرص على تجنّب منظومة حكم دستور 1959 في منهجه الرّئاسي الذي انزلق نحو الحكم الاستبدادي.
7- النّظام الدّاخلي لمجلس نوّاب الشّعب.
8- الفصل 88 من الدّستور.
9- محاسبة السّلطة التشريعية تتمّ دوريا عن طريق العملية الانتخابية عند نهاية المدّة التشريعية. ويمكن أن تتمّ كذلك عن طريق رئيس الجمهورية بواسطة الحل الذي يظل صلاحية مشروطة وصعبة المنال.
10- سليم اللّغماني، في حديث مع وكالة أنباء الأناضول، يقدّم توصيفا دقيقا للتنظيم الجديد للسلطة التنفيذية حيث يقول:
« … La Constitution a été écrite de telle sorte que l’Exécutif soit divisé entre le chef du Gouvernement et le président de la République. Matériellement et en termes de compétences, c’est le premier, désigné, qui a l’essentiel des pouvoirs exécutifs, alors que le second a, pour lui, la grande légitimité, à savoir celle du suffrage universel.
Une sorte de balance que je dirais presque paradoxale, où la tête de l’Exécutif qui a le plus de pouvoir, n’a pas la légitimité de la deuxième qui, elle, détient le moins de compétences. Cela peut être source de conflits possibles …»
https://www.aa.com.tr/fr/politique/tunisie-quand-linach%C3%A8vement-de-la-constitution-rend-le-l%C3%A9gislatif-plus-fort-slim-laghmani/2116158
11- في المرّة الأولى بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية.
12- الفصل 99 من الدّستور.
13- غازي الغرايري، دستور الجمهورية الثانية : مواطن الوضوح ومواطن الظل
،
La Constitution de la IIe République: Clartés et ombres، https://www.leaders.com.tn/article/13304-la-constitution-de-la-iie-republique-clartes-et-ombres
« … à la lecture du texte final de la Constitution, le chef de l’Etat dispose de peu de pouvoirs. De surcroît, ceux dont il a été pourvu ne semblent pas tous pouvoir être mis en œuvre. Il en est ainsi du nécessaire outil d’équilibre qu’est la dissolution du parlement qui est prévue dans deux hypothèses quasi impossibles à réaliser … »
14- أمين محفوظ، تدخّل في ملتقى نظّمه ائتلاف “صمود” حول (المراجعة الدّستورية و إصلاح منظومة الحكم) بتاريخ 17/02/2021.
 « … une relation conflictuelle, qui confronte les prérogatives du chef du gouvernement, à celles du président de la république, les deux à la tête du pouvoir exécutif… »
15- الفصل 77 من الدّستور.
16- الفصل 78 من الدّستور.
17- الفصول 91-92-93-94 من الدّستور.
18- رافع بن عاشور – مرجع سابق:
“La constitution comporte des zones d’ombre et des ambiguïtés importantes et tout dépendra de l’application et de l’interprétation qui sera donnée aux dispositions en question.”
19- منظومة حكم لا تبعد عن النظام المجلسي البائس. أنظر غازي الغرايري، مرجع سابق.
” … Une assemblée qui, de facto, ne peut être dissoute et dont le chef de l’exécutif est l’émanation directe risque de nous mener vers un indésirable régime d’assemblée… »
20- هذا الوضع في ظاهره تحالف وألفة وانسجام ولكن في واقعه تنافس وتنازع وخصام بحيث يدخل صمن حالة “الأغلبيّات المتنافرة” إن صحّ التعبير في سياق ما ذهبت إليه الأستاذة سلسبيل القليبي.
Salsabil Klibi, Séparation et équilibre des pouvoirs dans la Constitution, www.undp.org, pp 503-513.
” …l’équilibre entre les pouvoirs existe bel et bien dans le texte constitutionnel, mais qu’il est fragile, puisqu’il peut soit basculer vers l’hégémonie du Président de la République, en cas de majorités concordantes, soit, au contraire, vers des situations de conflits entre pouvoirs et de blocage des institutions en cas de disparité d’appartenance politique. »
21- الفصل 88 من الدّستور.
22- الفصل 120 من الدّستور.
23- الفصل 101 من الدّستور,
24- قانون أساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر يتعلق بالمحكمة الدستورية (مداولة مجلس نواب الشعب ومصادقته بجلسته المنعقدة بتاريخ 20 نوفمبر 2015) – الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 98 بتاريخ  8 ديسمبر  2015.
25- أنظر رسالة رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس نوّاب الشعب بتاريخ 4 أفريل 2021 حول رد مشروع قانون أساسي يتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المؤرخ في 3 ديسمبر المتعلق بالمحكمة الدستورية. (https://www.mosaiquefm.net)
26- الفصل 146 من الدّستور : تُفسَّر أحكام الدستور ويؤوّل بعضها البعض كوحدة منسجمة.
27- كان ذلك على خلفية رفض رئيس الجمهورية فبول عدد من وزراء حكومة السيّد هشام المشيشي الثانية أداء اليمين الدّستورية أمامه.
28- سارع البرلمان في ضلّ تلك الملابسات إلى تنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر والمتعلق بالمحكمة الدستورية وعرضه على رئيس الجمهورية لغاية الختم ولكن النتيجة كانت ردّ مشروع القانون الأساسي إلى البرلمان مبيّنا الأسباب في رسالة مصاحبة بتاريخ 4 أفريل 2021 .
29- بمعنى لا دور لمجلس النوّاب في عملية وضع القوانين. وهو أمر يحتاج للنّقاش ولكن في غير هذا السياق.
30-  تقييم منظّمة بوصلة لأشغال مجلس نوّاب الشعب خلال الدورة البرلمانية الأولى من المدّة النيابية الثانية – ص 50.
31- بشهادة عدد من الأعضاء ليس الانتماء الحزبي للرّئيس ما كان يدفع إلى سحب الثقة بقدر ما كان ضعف أدائه مقارنة بأداء زميله من نفس الحزب الذي ترأس أغلب الجلسات العامّة للمدّة النيابية الأولى وهو في موقع نائب أوّل للرئيس وحاز رضا واحترام أغلب زملائه النوّاب تقديرا لأدائه الجيّد.
32- موضوع في حاجة للتدقيق العلمي بالرّجوع إلى مداولات مجلس النوّاب.
33- الفصل 68 من الدّستور: لا يمكن إجراء أي تتبع قضائي مدني أو جزائي ضد عضو بمجلس نواب الشعب، أو إيقافه، أو محاكمته لأجل آراء أو اقتراحات يبديها، أو أعمال يقوم بها، في ارتباط بمهامه النيابية.
34- القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي2014   المتعلق بالانتخابات والاستفتاء.
35- في هذا الصّدد انتقد الأستاذ أمين محفوظ السّقف الانتخابي المعتمد باعتباره يتيح للأحزاب ضعيفة التمثيلية دخول البرلمان رغم افتقارها لبرامج اجتماعية واقتصادية تعرضها على التّونسيين. (مرجع سابق)
36- الرّئيس السّابق للجمهورية، المرحوم الباجي قائد السّبسي أثناء الحملة الانتخابية الرّئاسية التي قادها كمرشّح لحزب نداء تونس (2014).
37- السيّد حاتم المليكي القيادي بحزب قلب تونس والمترشّح والفائز ضمن قائمات حزبه في الانتخابات التشريعية لسنة 2019. كان ذلك في ملفّ تلفزي مباشر على قناة “الحوار التّونسي” مباشرة بعد الإعلان عن النّتائج. وتجدر الإشارة إلى أن السيّد حاتم المليكي قد استقال لاحقا من مجموعته البرلمانية ومن حزبه ليشكّل مجموعة برلمانية مستقلّة.
38-  السيّد الحبيب الصّيد
39- السيّد إلياس الفخفاخ
40- عيّن رئيس الجمهورية التّونسية على امتداد مدّة تطبيق دستور 2014 وهي سبع سنوات وستّة أشهر تقريبا خمسة رؤساء حكومة وهم السّادة : الحبيب الصّيد (حكومتان)، يوسف الشّاهد (حكومتان)، الحبيب الجملي (حكومة لم تسند لها ثقة البرلمان أصلا)، إلياس الفخفاخ (حكومة واحدة)، هشام المشيشي (حكومتان ثانيتهما غير مكتملة باعتبار ما سمّي بأزمة أداء اليمين) أي بمعدّل ستّة عشر شهرا للواحد منهم، وهو معدّل ضئيل جدّا.
41-  نبّه إليها عدد من أهل الاختصاص منذ صدور دستور الجمهورية الثانية سنة 2014.
42- حزب حركة النّهضة.
43- هذا الخيار اعتبره الأستاذ الصّادق بلعيد “حركة مؤسفة وطالع سوء باعتباره استهلّ المدّة النيابية الجديدة بمخالفة صارخة للدّستور”
“un geste regrettable et de mauvais augure puisqu’il a inauguré la nouvelle législature par une inconstitutionnalité flagrante.”
أنظر : الصّادق بلعيد، La constitution de 2014 et les prérogatives du Président de la République، مجلّ ليدرز 21/03/2019
https://www.leaders.com.tn/article/26735-sadok-belaid-la-constitution-de-2014-et-les-prerogatives-du-president-de-la-republique-to-whom-may-be-concerned
44- حزب نداء تونس + حزب حركة النّهضة + الحزب الوطني الحرّ + حزب آفاق تونس.
45- فاز بنسبة تصويت بلغت  72,71  %  في الدّورة الثانية. أمّا في الدّورة الأولي فقد حقّق نسبة تصويت في حدود  18,40  % فقط.
46- الصّادق بلعيد، مرجع سابق
« …Ces dispositions ne sont pas purement symboliques : en cas de survenance d’une crise nationale, leur importance et les responsabilités qui en découlent prennent toute leur signification (article 80). Les attributions présidentielles qui s’ensuivent sont à ce point importantes qu’elles peuvent dérégler ou suspendre la distribution des pouvoirs prévue par le principe de la séparation des pouvoirs… »
47- دستور 2014 لم يخوّل لرئيس الجمهورية أية صلاحية تتيح له الاضطلاع بدور فعّال لحلّ مثل هذه الأزمات حتّى من خلال إسناده دور تحكيمي ملزم تجاه السّلطات العمومية.
48- استنادا لتقارير إحصائية دولية لسنة 2020 نلاحظ درجة عالية من التماهي في ترتيب الدّول على مستوى مؤشّرات تخصّ: 1 السيطرة على الفساد (www.transparency.org/cpi) و2 البناء الدّيمقراطي (https://www.democracymatrix.com/ranking) و3 تحقيق السّعادة (https://fr.countryeconomy.com/demographie/indice-mondial-bonheur)، يلاحظ أنّ دولا مثل الدّول الاسكندينافية مرتّبة من بين الأوائل عالميا في مستوى كافّة هذه المؤشّرات. وهو ما يؤكّد أن الديمقراطية شرط أساسي لسعادة الشعوب وهي الدّرع الواقي من الفساد. علما أنّ هذه الدّول ليست من صنف القوى العظمي الاقتصادية، أو التكنولوجية أو العسكريّة في العالم.
49- Giorgio Agamben, Etat d’exception, Paris, Seuil, 2003
50- أنظر النصّ الكامل للبلاغ : بلاغ حول قرارات رئيس الجمهورية عملا بالفصل 80 من الدستور بتاريخ 25 جويلية 2021. (الموقع الرّسمي لرئاسة الجمهورية التّونسية).
51- توفّر الدّراسات المقارنة أمثلة مختلفة لدساتير تحدّد بدقّة طبيعة حالة الاستثناء وتطبيقاتها بحيث لا يشكّل الفصل 80 في الدّستور التّونسي لسنة    2014 مثالا في الدقة والشمولية والوضوح. ويمكن في هذا الشّأن وعلى سبيل المثال لا الحصر معاينة هذا الأمر في الدستور الألماني وفي الدستور السويسري.
أنظر: Jacques Buhler, Le droit d’exception de l’Etat : étude des droits publics allemand et suisse, Genève,1995
52- النصّ الكامل للفصل 80 من الدّستور:
لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.
ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.
وبعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما.
ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب.
53- تجدر الإشارة أنّ المطالب الشعبية التي نادى بها المتظاهرون يوم 25 جويلية 2021 قد تضمّنت “حلّ البرلمان”,
54- أنظر الباروميتر السياسي الصّادر عن مؤسّسة سيغما كونساي لشهر جويلية 2021 حيث تمّت عمليّة سبر الآراء ما بين 04 و13 أوت 2021 وفيما يلي النّتائج المتعلّقة بالسيّد قيس سعيّد:

مساندة القرارات الرّئاسية ليوم 25 جويلية: 94,9%
نسبة التفاؤل في المستقبل : 75,3%
سير الأمور في الاتجاه الصّحيح : 77,1%
الثقة في السيّد قيس سعيّد :  94%
الثقة في مؤسّسة رئاسة الجمهورية : 93%
نوايا التصويت للسيّد قيس سعيّد في الانتخابات الرّئاسية : 91,4%

55- الأسبوع الأخير من الشهر الثاني.
56- في تدوينة على صفحته الرّسمية يكتب الأستاذ سليم اللّغماني بتاريخ 02 سبتمبر 2021 “أنّ ما حدث يوم 25 جويلية كان أمرا حتميا لا مفرّ منه”. لكنّه لم يقف عند هذا الحد ليطرح السّؤال الأهم وهو “والآن ماذا؟” ثمّ واصل مستعرضا الملفّات الخمسة التي يرى ضرورة الانكباب عليها وهي: الملفّ السياسي والمؤسّساتي والدّستوري، والملف الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وملفّ مقاومة الفساد، وملف الإرهاب والعنف، وملفّ حوكمة الإدارة والمرافق العمومية الكبرى.
https://www.leconomistemaghrebin.com/2021/09/02/slim-laghmani-le-25-juillet-2021-etait-ineluctable/
57- في هذا الصّدد يندرج بيان المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التّونسي للشّغل المؤرّخ في 26 جويلية 2021 . أنظر النصّ الكامل في: http://www.ugtt.org.tn/.
58- غلق مقرّات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتاريخ 20 أوت 2021.
59- كافّة المؤشّرات سجّلت تطوّرا إيجابيا في انتشار الفيروس في تونس وكذلك في مستوى عدد الإصابات الخطيرة وعدد الوفيات مقابل الارتفاع الملحوظ في نسبة التلقيح. أنظر الموقع : https://www.coronavirus-statistiques.com/stats-pays/coronavirus-nombre-de-cas-tunisie/
60- خطوة مهمّة قطعها رئيس الجمهورية في اتجاه تأطير عملية ملاحقة المشتبه فيهم عند مغادرة التّراب التّونسي في علاقة بمبدأ حرّية التنقّل وذلك عندما أوصى علنيا بأن لا يتمّ منع أي شخص من السفر إلا إذا كان موضوع بطاقة جلب أو إيداع بالسجن أو تفتيش على أن يتمّ ذلك في كنف الاحترام الكامل للقانون والحفاظ على كرامة الجميع ومراعاة التزامات المسافرين بالخارج. (موقع رئاسة الجمهورية بتاريخ 17 سبتمبر 2021.)
61- بعد مرور شهر على إعلان حالة الاستثناء ومبادرة الرئيس بتمديد مدته إلى أجل غير مسمى بدأت خطوط المواقف الخارجية تتحرك في اتجاه التضييق فهل يكون هذا التحرك عاما أو معزولا. الأيام القادمة وحدها كفيلة ببيان ذلك. كذلك الشّأن لخطوط المواقف الداخلية ذاتها حيث بدأت ملامح التغيّر تراودها أمام ضبابية الرؤية وغياب خارطة الطريق حتّى وإن كان حراك رئيس الدولة في المستوى التنظيمي لأجهزة الدولة لغاية التفعيل المجدي يشكّل في حد ذاته ‏عامل طمأنة.
62- تفيد الدّراسات المقارنة أنّ الاستثناء الدّستوري من أجل حماية الوطن من المخاطر الصحّية أو الاقتصادية قد أدّى في عدد من التجارب إلى التضييق في مجال الحقوق والحرّيات والممارسة الدّيمقراطية وبلغ أحيانا حدّ التعليق الجزئي والمؤقت للدّستور. وفيما يلي بعض الأمثلة:

تقرير مجلّة “ذي إيكونوميست” لسنة 2020 حول مؤشّرات الدّيمقراطية في ظلّ المرض والصحّة (75 ص)، يشير أنّه على صعيد دولي عام، وفي ظلّ الاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها الدّول في مجابهة جائحة كورونا تجلّى تراجع ملحوظ في مستوى الممارسة الدّيمقراطية وحماية الحقوق والحرّيات وكشف ظهور تيّار معاد للتسامح وداعم لصنصرة الرّأي المخالف (الصفحات 5 و14 و26 و42).
التجربة البرتغالية: أعلن رئيس الجمهورية حالة الاستثناء الدّستوري يوم 18 مارس 2020 توقّيا من مخاطر جائحة كورونا والتهديد الذي باتت تمثّله على الوطن. وفي هذا الإطار علّق دستور البلاد تعليقا جزئيا شمل عددا من الحقوق والحرّيات الدّستورية. أنظر:
Pedro LOMBA,  The constitutionalized  state of emergency : the case of Portugal, VerfBlog, 2020/4/15, https://verfassungsblog.de/the-constitutionalizedstate-of-emergency/
الحكومة البريطانية، بتاريخ 14 أوت 2009، علّقت دستور أرخبيل ” تركس وكايكوس ”  (مقاطعة تخضع لسلطة المملكة البريطانية) تعليقا جزئيّا ومؤقّتا إلى حين إنهاء التحقيق في انتشار شبهات الفساد في أوساط البرلمانيين المباشرين والسّابقين . أنظر:
Susan Barrington-binns, Report On The Partial Suspension Of The Constitution Of The Turks And Caicos Islands,19/10/2009, https://www.mondaq.com/wealth-management/87622/report-on-the-partial-suspension-of-the-constitution-of-the-turks-and-caicos-islands

63- التقرير الكامل على موقع محكمة المحاسبات في ركن إصدارات : http://www.courdescomptes.nat.tn/Ar
64- قانون أساسي عدد 16 لسنة 2014 مؤرخ في 26 ماي 2014 يتعلق بالانتخابات والاستفتاء.
الفصل 163  : مع مراعاة مقتضيات الفصل 80 ، إذا ثبت لمحكمة المحاسبات أن المترشح أو القائمة قد تحصلت على تمويل أجنبي لحملتها الانتخابية فإنّها تحكم بإلزامها بدفع خطية مالية تتراوح بين عشرة أضعاف وخمسين ضعفاً لمقدار قيمة التمويل الأجنبي.
ويفقد أعضاء القائمة المتمتّعة بالتمويل الأجنبي عضويتهم بمجلس نواب الشعب ويعاقب المترشح لرئاسة الجمهورية المتمتّع بالتمويل الأجنبي بالسجن لمدة خمس سنوات.
ويحرم كل من تمت إدانته بالحصول على تمويل أجنبي لحملته الانتخابية من أعضاء قائمات أو مترشحين من الترشح في الانتخابات التشريعية والرئاسية الموالية.
65- الفصل 80  : يمنع تمويل الحملة بمصادر أجنبية بما فيها الحكومات والأفراد والذوات المعنوية. ويعتبر تمويلاً أجنبياً المال الذي يتخذ شكل هبة أو هدية أو منحة نقدية أو عينية أو دعائية مصدرها أجنبي وفق التشريع الجبائي، مهما كانت جنسية الممول.
ولا يعد تمويلاً أجنبياً تمويل التونسيين بالخارج للقائمات المترشحة عن الدوائر الانتخابية بالخارج.
وتضبط الهيئة قواعد التمويل وإجراءاته وطرقه التي تراعي خصوصية تمويل القائمات المترشحة عن الدوائر الانتخابية بالخارج.
66- لمزيد التعمّق في هذا الموضوع أنظر: مراد بن قيسومة، دور النيابة العمومية لدى محكمة المحاسبات في تتبّع الجرائم الانتخابية، ضمن مجموعة دراسات متعلّقة بالجرائم الانتخابية، ص ص 78-119، برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، تونس، 2020.
67- هذا المسار يلتزم بالاحترام الكامل لمقتضات الدّستور الذي أكّد رئيس الجمهورية في أكثر من مرّة ارتكانه إليه.
68- الشعب التونسي الذي طالب بإرساء “برلمان تونسي” في ثورة 8 و9 أفريل 1938 هو ذات الشعب الذي نادى بحل البرلمان يوم 25 جويلية 2021. لقد نادى بالحلّ نتيجة أداء المؤسسة التشريعية في تركيبتها الناجمة عن الانتخابات التشريعية لسنة 2019 ولم يناد بالتخلي عن ‏البرلمان في المطلق.
69- الفصل  144: كلّ مبادرة لتعديل الدستور تُعرض من قبل رئيس مجلس نواب الشعب على المحكمة الدستورية لإبداء الرأي في كونها لا تتعلق بما لا يجوز تعديله حسبما هو مقرر بهذا الدستور.
ينظر مجلس نواب الشعب في مبادرة التعديل للموافقة بالأغلبية المطلقة على مبدإ التعديل.
يتم تعديل الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب. ويمكن لرئيس الجمهورية بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس أن يعرض التعديل على الاستفتاء، ويتم قبوله في هذه الحالة بأغلبية المقترعين.
70- هذا العنصر يشكّل في الآن ذاته عامل تأثير ومؤشّر قياس. في هذا الصّدد ندرج المعطيات التالية:

– بيان المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التّونسي للشغل حول تواصل الفترة الاستثنائية، بتاريخ 15 سبتمبر 2021.
– بيان خمسة أحزاب سياسية ( “الجمهوري” و”التكتل من أجل العمل والحريات” و”آفاق تونس” و”أمل” و”التيار الديمقراطي”)، حول رفض دعوات تعليق الدستور، بتاريخ 14 سبتمبر 2021.
– الوقفة الاحتجاجية المناهضة لرئيس الجمهورية بتاريخ 18 سبتمبر 2021.
– عمليات سبر الآراء الدّورية التي توفّر مؤشّرات هامّة لمتابعة كيفية تفاعل الرّأي العام مع الفعل السياسي أو مع غيابه. أنظر على سبيل المثال تطوّر المؤشّرات على مستوى الباروميتر السياسي الصّادر عن مؤسّسة سيغما كونساي لشهر سبتمبر 2021 حيث تمّت عمليّة سبر الآراء ما بين 09 و12 سبتمبر 2021 وفيما يلي النّتائج المتعلّقة بالسيّد قيس سعيّد:

سير الأمور في الاتجاه الصّحيح : 77,1  % (-5,4)
الثقة في السيّد قيس سعيّد :  91 %  (-3)
الثقة في مؤسّسة رئاسة الجمهورية : 94 % (+1)
نوايا التصويت للسيّد قيس سعيّد في الانتخابات الرّئاسية : 90,1  % (-1,3)

71- هذا ما أوحى به تصريح الأستاذ أمين مخفوظ إلى قناة فرنسا 24 بتاريخ 07/09/2021.
72- هذا لا يعني أنّ المسار الذي اعتمده كان سيّئا أو معيبا بأيّ شكل من الأشكال والدّليل على ذلك أنّه أتاح إدارة تلك المرحلة العصيبة بسلام والنّجاح في الوصول بتونس إلى مرسى المجلس الوطني التأسيسي بأمان.
73- “وحيث عبّر الشّعب في ثورة 14 جانفي 2011 عن إرادة ممارسة سيادته كاملة في إطار دستور جديد” . الدّستور الصّغير.
74- مرسوم عدد 14 لسنة 2011 مؤرخ في 23 مارس 2011 يتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية.
75- يمكن كذلك الرّجوع إلى الملفّات التي استعرضها في مثل هذا الباب الأستاذ سليم اللّغماني – مرجع سابق – (50).
76- تضبط التواريخ النهائية على أساس جملة من المعطيات الموضوعية التي تغيب بالضّرورة عن صاحب المقال.

 

#محطة #الاستثناء #الدستوري #استجلاء #العوامل #واستشراف #المآل

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد