مراقبة الاتصالات والرسائل– ماهي الوكالة الفنية للاتصالات التي تشترط النهضة الحصول عليها ؟

 
“كنا نظن أنّ قلب تونس حزب فاسد وأخطئنا” هذا ما جاد به لسانُ حال الحركة الاسلامية  النهضة باقتضاب لتفسير تحالفها الهجين مع نبيل القروي. تصريح لسمير ديلو اليوم 17 فيفري 2020 حاول من خلاله تبرير تراجع النهضة رئيسا وهياكلا عن فلسفتها الانتخابية القائمة على اقصاء قلب تونس  جارّا “المصلحة الوطنية” الى كلّ جمله متجنبا الحديث عن الأسباب الحقيقة التي ثار من أجلها مجلس الشورى على رئيس الحكومة المكلف الياس الفخفاخ.

قام حضور ديلو صبيحة اليوم في برنامج “في 90 دقيقة” على اذاعة اي اف ام على ثنائية نفي محاولة النهضة طمس ملفات عبر تشبثها بالداخلية والعدل، ومهاجمة الفخفاخ ولائحة فريقه الحكومة الذي لا “يناسب” توجهات الحزب الاسلامي و”تصوراتها” لطبيعة الحكم. لكن ماغاب عن الحوار، هو رفض الحركة المطلق تعيين لبنى الجريبي وزيرة تكنولوجيا الاتصال والانتقال الرقمي وازاحة أنور معروف رجل حركة النهضة من الامساك بخيوط الوزراة  التي تضم احدى أهم الوكالات التقنية – الوكالة الفنية للاتصالات، التي أُحدثت خصيصا باقتراح من وزير النهضة منجي مرزوق وموافقة برقيّة من رئيس حكومة النهضة علي العريض، سنة 2013. مر مسار التأسيس عبر اطلاع رئيس الجمهورية منصف المرزوقي وموافقته، واعلام كل من وزير الداخلية انذاك لطفي بن جدو ووزير العدل نذير بن عمو. واللذان لم يبديا رفضا.

تعلة تشريك قلب تونس هي حصان طروادة الذي يخفي تمسك الحزب الاسلامي بوزارات دون أخرى تجمع السلطة التنفيذية (الداخلية) بالقضائية (العدل) برفاهية الاطلاع المقنن على “أذهان” التونسيين، مكالماتهم، معطياتهم الشخصية، رسائلهم، عبر وكالة لها صلاحيات خاطتها النهضة على مقاسها في غفلة من الرأي العام.

بميزانية فاقت الـ570 ألف دينار ومجلس ادارة تسللت اليه شورى النهضة عبر تعيين أحد أعضائها ضمنه، النهضة تريد أن يكون  أنور معروف على رأس وزارة تكنولوجيا الاتصال والانتقال الرقمي لأن القانون يسمح له بتسمية مدير عام هذه المؤسسة، والذي سيكون دون شك من النهضة. مهام المدير العام الذي ستنتقيه الحركة الاسلامية   هي التسيير الاداري والمالي للمؤسسة، ولم يخفى على الحركة الاسلامية أن تضيف فصلا في قانون احداث المؤسسة يمكن المدير العام من ” تنفيذ كل مهمة أخرى تتصل بنشاط الوكالة يتم تكليفه بها من قبل الوزير المكلف بتكنولوجيا المعلومات والاتصال” اي أن المدير العام ملزم بالتنسيق مع الوزير وتنفيذ المهم التي يوكلها اليه، مع الحرص على تعويم لفظة “المهام الأخرى”  وترك باب التأويل مفتوحا على مصراعيه.

المدير العام الذي ستختاره الحركة سيكون المشرف والمتصرف الأول في معطيات التونسيين ملتزما في ذلك بكتابة تقارير سنوية حول نشاط الوكالة وعرضها على الوزير، هذه التقارير وفق الفصل الخامس من أمر احداث الوكالة هي “سرّية و تسلّم فقط الى الحكومة و لا تنشر” دون تبرير واضح لمرد الصبغة السرية.

لن يكون المدير العام سوى ذراعا للوزير ومن وراءه النهضة، البصيرة من أعلى بمجرد “اذن ” على حياة أي كان.  اذن بالاضافة ان الأمر الوزاري لبعث هذه الوكالة يخلو تماما من اي تعريف لمصطلح “جريمة الكترونية”، فانه يتعارض مع استقلالية القضاء عبر تعيين فوقيّ للمدير العام من قبل حزب سياسي، مما يثير الشكوك بشأن مدى مصداقية  الوكالة.

بموجب الأمر الصادر في الرائد الرسمي في 6 نوفمبر 2013،  للوكالة أن تتلقي أذون البحث ومعاينة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال الصادرة عن السلطة القضائية وأن تحيل أذون البحث والمعاينة والنتائج بعد البحث الى المحكمة. يعني ذلك أن الاذن القضائي يخول للوكالة البحث بغاية التمكين  من البيانات المعلوماتية المخّزنة بنظام أو حامل معلوماتي أو المتعلقة بحركة اتصالات أو بمستعمليها أو غيرها من البيانات التي من شأنها أن تساعد على كشف الحقيقة. أي حقيقة ؟ حقيقة جريمة  أنظمة المعلومات والاتصال، والتي بوبها قانون مكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال في 45 فصلا.  الفصل 24 مثلا، يعتبر جريمة الكترونية كل “نشر لمحتوى يشكل تجاهرا بفحش أو اعتداء على الأخلاق الحميدة.. يرمي إلى التحريض على الخناء أو الفجور.” أما الفصل 25 فيعتبر جريمة الكترونية كل تشويه أو مساس بسمعة الغير عبر استغلال البيانات الشخصية حتى أن القانون ذاته، يعتبر “رفض تسليم بيانات معلوماتية أو وسائل النفاذ إليها ” جريمة الكترونية، أي أن رفض تسليم معلوماتك  في حالة “البحث عن الحقيقة” هو جريمة تعيق سير العدالة.  حُشرت هذه التعاريف ضمن التعاريف الأصلية للجريمة السيبيرنية المتعلقة باستغلال البيانات الرقمية الخاصة دون موجب أو القرصنة أو التجسس أو اختلاس معلومات بنيكة، وغيرها.

“حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة.لا يجوز ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات.”
يخول للوكالة في حالة صدور”اذن” الاطلاع على حركة الاتصال والبيانات ولنكر لتبسيط الأمور ان “البيانات” هي مصدر الاتصال والوجهة المرسل إليها والطريق الذي سلكه وساعته وتاريخه وحجمه ومدته ونوع خدمة الاتصال ومحتواه. وفيما يمكن تفهم مثل هذه الاجراءات في البحث بشأن الجرائم الارهابية، الا أن عمومية قانون الجرائم وعدم توفره على تعاريف وأمثلة واضحة، يحيل الى تعارض مع  الدستور الضامن لسرية المراسلات الشخصية.

” تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية.”

الوكالة لها صلاحية استغلال المنظومات الوطنية لمراقبة حركة الاتصالات و التنسيق مع مختلف مشغلي الشبكات العمومية للاتصالات ومشغلي شبكات النفاذ ومزودي خدمات الاتصالات من أجل تمكينها من المحادثات والمكالمات وكلمات المرور والرسائل الخاصة، يعني هذا الفصل أن عمل الوكالة ببساطة هو التنسيق مع الجهات القضائية/البحثية من اجل تمكينهم من معطيات شخصية/رسائل/مكالمات من أجل استغلالها في البحث “عن الحقيقة”. الى جانب ذلك،  تخصص الوكالة قسما كاملا للدراسات والاستقصاء، ويعين مدير هذا القسم طبعا بأمر من الوزير المكلف بتكنولوجيا المعلومات والاتصال.

خطورة الوكالة لا تتمثل في طبيعة عملها المنظم باطار القانون، الذي يتضمن في قرار احداث الوكالة التعهد بـاحترام المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والأطر القانونية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية وضوابط حرية الاتصال والتعبير ـ بل في الاليات التي تتمتع بها فعليا من امكانية النفاذ الى المعطيات، وقد تكون بذلك سلاحا. النفاذ الى المعلومات الشخصية بدعوى التقصي والتحقيق هو أداة للتمكن من ملفات السياسيين والشخصيات العامة ورجال الأعمال، وقد تصبح سبيلا للابتزاز وقضاء المصالح من جهة، وسبيلا للكشف عن أسرار ربما تريدها النهضة أن تضل أسرارا من جهة أخرى. هي اذا سلاح ذو حديّن، يمنح النفوذ لصاحب العهدة عليه، ولا يمكن للنهضة التي أصبحنا –بعد 9سنوات- نعرفها جيدا أن تسلم وثاقا قد يقيدها الى أيد من لا يدخل بيت طاعتها. ولا ننسى، أن المعلومة هي اثمن معطى يمكن أن تتحصل علىيه النهضة الباحثة دوما عن استراتجيات للبقاء في السلطة، عليها أن تعرف مواطنيها حتى تعرف كيف تستميلهم للانتخابات القادمة، وما السبيل الى معرفة شخص غير رسائله واتصالاته وملايين البيانات المخزنة التي تعطي أجوبة لكل الأسئلة.
أمر احداث الوكالة الفنية للاتصالا – الرائد الرسمي 2013
قانون مكافحة الجرائم الالكترونية

عبير قاسمي

المصدر


الصورة من المصدر : ar.businessnews.com.tn

اقرأ أيضا:  تونس استوردت كميات كبيرة من الارز ، القهوة و الحليب الفاسد

مصدر المقال : ar.businessnews.com.tn