- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

من الإسلام السياسي إلى سياسة الإسلام

صادفت منذ عدة أيام ذكرى وفاة حسن البنا، أحد أشهر الشخصيات في القرن العشرين وأكثرهم شهرة في الأوساط الفكرية الإسلامية وفضائه الفلسفي، ورغم أنه توفي عن عمر بلغ 42 عاما، فإنه ترك أثرا عميقا في الساحة الإسلامية في حياته، ولكن بعد مماته ترك بصمة أكثر عمقا وانتشارا، لم تقتصر على الجغرافية المصرية فقط.

رغم أن تنظيره وحركته وتنظيمه لحركة الإخوان المسلمين قد أحدث تغييرا هائلا في الساحة الإسلامية، فإن مشروعه لم يكن إلا استكمالا لمشروع عبد الرحمن الكواكبي الذي عبّر عنه في كتابه “جمعية أم القرى”، وتخيل فيه مؤتمرا افتراضيا منعقدا في مكة المكرمة، فلقد ذكر في كتابه كلمة “أخوان” عدة مرات، ولكن بأشكال مختلفة.

ولكن ليس هذا موضوعنا، إن قضيتنا اليوم هو شرح آلية الإسلام السياسي والصدمات والاصطدامات التي واجهته، فلقد بدأت تلك النظرية أو الفلسفة في بداية نضجها وتطورها الفكري بالتصادم مع السلطات السياسية والأمنية، مما جعلها تتحول إلى أيديولوجيا مسلحة بعقائد جامدة غير قابلة للتغيير والتكيف ومواجهة الخصوم، مما حرف مسارها ومصيرها في آن واحد، ففي باكستان تصادمت الجماعة الإسلامية بقيادة أبو الأعلى المودودي مع الدولة، وفي إيران مع الخميني وفي مصر مع الناقد العربي سيد قطب.

إن فكرة الإسلام السياسي جاءت من رحم معاناة العالم الإسلامي في حقبة الاستعمار الأوروبي، وتقهقر الدولة العجوز أو الرجل المريض (الدولة العثمانية) التي كانت تتعرض لصدمات حضارية أحد أوجهها احتلال مصر من قبل نابليون بونابرت، حيث ظهر جليا مدى التخلف والتراجع الحضاري الذي كان يعيشه العالم الإسلامي، ذلك التراجع أدى إلى نقمة من قبل النخب السياسية والفكرية والذين كانوا يرفعون الإصلاح السياسي والإداري وضرورة اللحاق بالركب الحضاري الذي كانت أوروبا قد بدأت به بعد ثورات متعددة.

من هنا بدت ضرورة التجديد في التصور والتنظير لآلية حكم جديدة قادرة على مواجهة الاستعمار واستنهاض العالم الإسلامي، خصوصا بعد محاولة الغرب والاستعمار طمس الهوية الإسلامية وتحريف مساره وتشويه صورته. ففي الهند ظهرت القاديانية كحركة إسلامية تسعى إلى التطبيع مع المحتل، وهي من أدوات الإنجليز، أما في بلاد الشام، فجاءت حملات التبشير وبدأت بزور الطائفية تنخر في جسد الأمة وفكرة الاستقلال السياسي لبعض الجماعات الدينية عن الدولة وطرح العلمانية. أما في أفريقيا وساحلها الشمالي، فكانت كل من إيطاليا وفرنسا وبريطانيا تسعى إلى طرح ثقافاتها وفتح الأندية الماسونية كأندية اجتماعية تدعو إلى المساواة، بالإضافة إلى حملات الاستشراق بمختلف مدارسه القومية، والأشهر بينهم هي المدرسة الألمانية التي عملت على تشويه القرآن والسنة.

لن أدخل في السرد التاريخي، ولكن بشكل موجز وسريع: كانت البداية مع كوكبة من المنظرين الذين أثروا بطبيعة الحال على تفكير وشخصية حسن البنا، مثل محمد رشيد رضا والأب الروحي لحركة الإخوان المسلمين عبد الرحمن الكواكبي، ولكن الإطار التنظيري وفكرة الحاكمية كانت قد تبلورت مع سيد قطب في مصر وأبي الأعلى المودودي في باكستان، ولكن السؤال:

لماذا اصطدمت الحاكمية بالواقعية السياسية

ولم تستطع أن تتكيف مع الظروف إطلاقا؟

أولا وقبل الغوص في جوهر الحاكمية من الجانب التنظيري والبنيوي، لا بد لنا أن ندرك أن مصطلح الإسلام السياسي جعل من الإسلام يظهر كأنه يميز بين السياسة والدين، أو وكأن الإسلام نظام سماوي وروحي منقطع عن الناس وعن شؤون حياتهم اليومية، ولم يهتم بأحوال الرعية في الاقتصاد والسياسة، إنما كان نظاما تعبديا صرفا، وهنا تكمن الإشكالية التي أظهرها الإسلام السياسي، رغم أن كلمة “الإسلاميين” -كما يقول أبو يعرب المرزوقي في إحدى محاضراته بتونس- “كلمة ذكرت في كتب الأشاعرة، وتعني بالمتخصر من يعتقد وجوب العمل بشرع الله تعالى في كافة شؤون الحياة، ويعمل من أجل ذلك”.

الصدام الأول: الحاكمية ومفهوم الثيوقراطية

لقد كان الصدام الأول لفلسفة الحاكمية هو تكريس مفهوم الثيوقراطية كنظام حكم، وهنا أصل مشكلة. بسردية تاريخية سريعة، عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حينها كتب أول دستور بشري وهو وثيقة المدينة التي تنظم العلاقة بين الأفراد والدولة وبين الأفراد فيما بينهم، وهذا دليل قاطع على مدنية الدولة، حيث إن الدستور هو صناعة بشرية وليس صناعة ربانية، رغم أن روح نصوصه مأخوذة من القرآن والسنة. ومثال آخر أنه عندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة، خطب في الناس خطبة عصماء قال فيها: “فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

هذه دلالة على أنه لا كهنوت في الإسلام. هناك شواهد كثيرة وأدلة دامغة تؤكد أن الإسلام نظام مدني غير ثيوقراطي، فالحاكم فيه يحكم بالشرع، ولكنه يستمد شرعيته من الناس والشعب، والحاكم لا يمثل الله في الأرض، فالإسلام نقيض الحكم الذي كان قائما في أوروبا أو النظام الكنسي.

الصدام الثاني: الحاكمية في مواجهة الديمقراطية

إن الثيوقراطية هي نقيض الديمقراطية في الشكل والمضمون وفي نظام الحكم ومؤسساته كافة، ولكن لا يمكن أن يغيب عن بالنا أن للإسلام السياسي مدارس متعددة، مثل المدرسة الإخوان في مصر التي تختلف عن المدرسة التونسية والتركية، فلقد استطاع حزب النهضة بقيادة راشد الغنوشي الانتقال من الإسلام السياسي إلى ديمقراطية الإسلام، فهذه القفزة كانت نوعية، ولكنها تعرضت إلى الكثير من الانتقادات لأنها طرحت مفاهيم جديدة مثل الدولة القطرية والتنظيم الدولي، وفصل الدعوة عن السياسة.

لقد كانت مقاربة الغنوشي مختلفة وجريئة، مخالفة للفكر الإسلامي التقليدي الذي ينظر إلى الديمقراطية نظرة الريبة والشك وأنها من منتوجات الغرب، ومنهم من يتهم الديمقراطية وأنظمتها بالكفر والردة، ولكن حقيقة الأمر أن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم والسنة النبوية -أي أحاديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم- لم يطرح ولم يلمح إلى طبيعة النظام السياسي وطريقة الحكم، وهذا دليل على فطنة النبي صلى الله عليه وسلم وإدراكه والتنبه إلى حتمية المتغيرات التي قد تطرأ على البنية السياسية والاجتماعية لأي منطقة أو جغرافيا، لذلك ارتكزت الأصول الفقهية على 4 ركائز، أحدها الاجتهاد، وهذا كان واضحا في حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لما أراد أن يبعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، قال: “كيف تصنع إن عرض لك قضاء”، قال أقضى بما في كتاب الله، قال “فإن لم يكن في كتاب الله”، قال فبسنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، قال “فإن لم يكن في سنة رسول الله”، قال أجتهد رأيي لا آلو”، قال: فضرب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صدري ثم قال: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله”.

إن الاجتهاد عنصر أساسي في الإسلام، أما اليوم وفي التغيير الحاصل في الواقع الإسلامي وفي وجود وتوغل العولمة المتوحشة وفي ظل المجتمعات التعددية، لا تستطيع الحاكمية أن تكون هي الناظمة والمنظرة في آلية الحكم والدولة. لا شك أن الحكم لله، ولكن الحكم لله لا يتعارض مع الاجتهاد وتحقيق بناء الإنسان، وهو أحد أهم مقاصد الإسلام.

نستطيع أن نفسر الشورى على أنها ديمقراطية النخب، وهي تعني حكم أغلبية النخب، والنخبة هي الفضاء الواسع الذي لا يقتصر على صاحب العلم والرشد والحكمة، فإن الديمقراطية تصح في الإسلام إذا استطعنا أن نكرس روح ومفاهيم الإسلام في وجدان الناس دون أدلجته، وجعله أيديولوجيا غير قابلة للتكيف والتغيير. على سبيل المثال إذا استطعنا أن نزرع القيم الإنسانية والفطرة السليمة وقتها يستطيع المجتمع أن يعمل تلقائيا على مكافحة الأفكار التغريبية التي تحمل شعارات مخالفة للفطرة الإنسانية وقيمها ونشر الفساد وتقنينه.

الصدام الثالث: الحاكمية ومسارها الأيديولوجي

جوهر الإسلام هو قدرته على التكيف والتأقلم وتقديم المصالح على النصوص في الكثير من الأحيان. على سبيل المثال، ما قام به سيدنا عمر في عام الرمادة، وقتها تعطل النص من أجل تحقيق مقصد الشرع والإسلام، فالإسلام ليس أيديولوجيا بمعناه ومفهومه الضيق، فهو ليس يساريا وليس يمينيا أو راديكاليا. مثال آخر، عند موت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن صمته عن كيفية الحكم وانتقاله، كرّس مفهوم الاجتهاد وترك موضوع الحكم يتكيف مع الظروف الزمكانية.

أما الإسلام السياسي، فلقد قام بأدلجة النظام السياسي، حيث تعطل الاجتهاد جزئياً لأنه تعلق بالنصوص حصرا، لا شك أن العودة إلى الأصول هو الأساس في مسار التطور والتطوير، ولكن جوهر فقه الأصول وأحكامه هو الاحتكام للعقل الذي يقوم بتأويل النقل حسب الأصول الصحيحة، فقام بأسلمة العلوم والحضارة وغيرها، وهنا تكمن المشكلة.

أما في حقيقة الأمر، فإن كل العلوم هي مستحدثات، فالعلوم ليست إسلامية إنما هي علوم من منظور إسلامي، فهي اجتهادات إنسانية قام بها علماء مسلمون، حتى اسم الدولة، فليس هناك دولة إسلامية إنما دولة من منظور إسلامي، فكل العلوم من أصول فقهية وعلم الأحاديث ومقاصد الشريعة وعلم الكلام هي علوم مستنبطة ونتاج إنساني.

الصدام الرابع: الحاكمية في مواجهة المجتمع

في كتاب “معالم في الطريق”، اعتبر سيد قطب أن الحكام والمجتمعات الإسلامية آنذاك ليست إلا مجتمعات جاهلية شبيهة بالمجتمع الجاهلي قبل البعثة، ولا شك أن تلك المقولة جعلت المفكرين والفلاسفة والفلك الفكري الإسلامي وغير الإسلامي ينقسم إلى فريقين: فريق يعتبر أن ما قاله السيد قطب هو نتيجة السجن، حيث تأثر قلمه من شدة الظلم وقساوة السجان وتأثرت كتاباته، فهو لا يقصد تكفير المجتمع، أما الفريق الآخر فاعتبر أنه كفر المجتمع كله.

منذ نشأة الإخوان المسلمين، اصطدمت الحركة مع السلطات السياسية والأمنية، مما عزز وبرر حركتها السرية. ذلك التحول وعملية الاضطهاد في عصر الناصرية الاشتراكية أدت إلى ولادة جماعات من رحم الإخوان المسلمين، كالجماعات الجهادية، وهي ردة فعل لما تعرضوا له في السجون المصرية. فمن يقرأ كتاب “الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج، يدرك حجم التعذيب وكيفية تحويل المظلوم إلى منتج للأفكار الأيديولوجية التي تقوم على تكفير المجتمع، وهذا الصدام كان كارثيا لأجيال.

تنبه كل من حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في تركيا والمغرب إلى تلك المعضلة، فلقد رفعت العدالة والتنمية في تركيا والمغرب شعارات نستطيع أن نقول إنها نوعا ما علمانية، حتى مهاتير محمد في ماليزيا. كما أن حركة النهضة في تونس قامت بقراءة مختلفة تماما عن النظرة التقليدية والسائدة، خصوصا بعد الثورة، فقاموا بطرح العلمانية المحايدة.

أما بالنسبة للاسم، فلقد أصبح عبئا على أصحابه، فهي ترمز إلى حقبة الصراعات الأيديولوجيا أي بين الشيوعية والرأسمالية أو الليبرالية ونموذجها الجديد “النيو ليبرالية”، هذا ما تنبهت له النهضة والعدالة والتنمية، فإن أسماء الحركات تلك خرجت من الأطر المغلقة ومن الشعارات المنفرة، وذلك بسبب طبيعة المجتمعات التعددية التي يعيشها عالمنا المشرقي والإسلامي.

لا يمكن لأحد أن ينكر وجود الإسلام السياسي في الساحة الإسلامية سياسيا واجتماعيا وفكريا، ولكن آن الأوان أن تقوم الحركة وأخوتها في كل أصقاع الأرض بقراءة نقدية لتجاربها، والخروج بمنطق وفلسفة جديدة قادرة على التكيف والتأقلم، وسط الصراعات الفكرية والثقافية وصراع الهويات.

لا يمكن أسلمة السياسة والعلم والمجتمع، ولكننا قادرون على أن نكرس سياسية الإسلام بوجه مدني قادر على أن يدير مجتمعات متعددة ومتلونة، وسوف نتكلم عنها في مقالات أخرى مفصلة بإذن الله.

#من #الإسلام #السياسي #إلى #سياسة #الإسلام

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد