نجاح التطعيم ينعش الاقتصاد العالمي

لقد نما الاقتصاد الأمريكي بمعدل 6.4% في الأشهر الثلاثة الأولى من عهد الرئيس جو بايدن، مقارنة بـ 4.3% في الأشهر الثلاثة الأخيرة من حكم الرئيس السابق دونالد ترامب. ويرى اقتصاديون ومراقبون أن سبب الانتعاش هو حزمة الإنعاش الاقتصادي التي أطلقها الرئيس بايدن، وعودة العديد من النشاطات الاقتصادية، المتوقفة سابقا، إلى العمل، بعد تخفيف قيود الحجر الصحي، وارتفاع التفاؤل بانحسار الجائحة، وعودة السفر وباقي النشاطات الأخرى إلى سابق عهدها، نتيجة لحملة التطعيم الناجحة، التي تسارعت بوتيرة عالية مع تولي الرئيس الجديد السلطة في يناير الماضي.  وقد أنفقت الولايات المتحدة 6 تريليونات دولار على مكافحة الجائحة منذ العام الماضي، بينما خصصت إدارة الرئيس بايدن 4 تريليونات أخرى لإنعاش الاقتصاد. وعلى الرغم من أن عدد العاطلين عن العمل قد انخفض بأكثر من ستة ملايين خلال الاثني عشر شهرا الماضية، إلا أن إجمالي البطالة، البالغ 16 مليون عاطل، مازال مرتفعا بالمقاييس الاقتصادية. ويتوقع خبراء أن الاقتصاد الأمريكي لن يعود إلى معدلات ما قبل الجائحة لسنتين أخريين على الأقل، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن الانتعاش متواصل، وأنه سيقترب من المستويات السابقة قبل نهاية العام الحالي. وفي الصين، التي تعتبر الاقتصاد الثاني عالميا من حيث الحجم، بعد الولايات المتحدة، قفز النمو الاقتصادي بمعدل فاق 18% في الربع الأول من هذا العام، ويعتبر هذا المعدل الأعلى منذ بدأت الصين بتسجيل معدلات النمو الربعي في عام 1992. وحسب التقديرات الصينية فإن الاقتصاد الصيني سوف ينمو بمعدل 6% هذا العام بسبب تنامي الطلب المحلي والعالمي، وتمكن البلد من السيطرة على جائحة كورونا.  وعلى الرغم من القيود الصحية التي فُرضت على النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الصيني بمعدل 2.3% في عام 2020، ويعتبر هذا المعدل الأدنى خلال أربعة عقود. وفي اليابان انكمش الاقتصاد، الذي يعتبر الثالث عالميا من حيث الحجم، بمعدل يقارب الـ 5% في عام 2020، كنتيجة مباشرة للقيود المفروضة على الحركة الاقتصادية العالمية بسبب الجائحة، لكن النمو تسارع بقوة في الربع الأخير من عام 2020، ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه التدريجي في العام الحالي، لكنه سيكون بطيئا بسبب إعادة فرض القيود على الحركة بهدف الحد من انتشار الجائحة. ولأن الاقتصاد الياباني يعتمد بقوة على الصادرات، فإنه يتأثر بما يحدث في البلدان الأخرى، خصوصا تلك التي تستورد الصناعات اليابانية. وتشير التوقعات إلى أن موجة جديدة من الإصابات بفيروس كورونا قد تعم البلاد هذا العام، ما يعني أن بعض القيود سوف تفرض على النشاطات الاقتصادية من جديد وهذا، إن حصل، من شأنه أن يعرقل النمو الاقتصادي. وفي الاتحاد الأوروبي، نما الاقتصاد الفرنسي في الربع الأول من هذا العام بمعدل 04%، وهو معدل متدنٍ، لكنه، مع ذلك، إيجابي، لو أخذنا بنظر الاعتبار الانكماش في عام 2020 الذي قارب 10%. وحسب توقعات مؤسسة (فوكاس)، فإن معدل النمو الاقتصادي سيتسارع هذا العام بمعدل 6.7% نتيجة لحزمة الحوافز الاقتصادية بقيمة مئة مليار يورو، التي قدمتها حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون. وسوف يتواصل النمو بمعدل 2.9% في العام المقبل. أما الاقتصاد الألماني، فقد بدأ ينمو ببطء في الربع الاخير من العام الماضي، رغم أن الاقتصاد للعام كله قد انكمش بمعدل 6%. وبالرغم من انتكاس النمو في الربع الأول لهذا العام، الذي يعزوه اقتصاديون إلى انتهاء الإعفاءات الضريبية التي منحتها الحكومة الألمانية في العام الماضي لإنعاش الاقتصاد، إلا أن التوقعات تشير إلى أن الاقتصاد سوف يتعافى خلال عام 2021 وأن معدل النمو سوف يتجاوز 4%. الاقتصاد الإسباني عانى انكماشا حادا عام 2020 نتيجة لتأثيرات الجائحة، خصوصا وأن النمو لعام 2019 كان منخفضا أيضا، (2%)، لكن التنبؤات تشير إلى أنه سينتعش بنسبة 6.6% هذا العام و4.1% في العام المقبل وذلك لتمكن الحكومة من السيطرة على الجائحة وتقديمها حوافز لإنعاش الاقتصاد. أداء الاقتصاد الإيطالي كان الأسوأ بين اقتصادات منطقة اليورو خلال عام 2020، إذ انكمش بنسبة 6.6% كنتيجة مباشرة لتأثيرات الجائحة، إلا أن التوقعات تشير إلى أنه غادر الانكماش وسوف ينتعش بمعدل 4.1% هذا العام، و4.2% في العام المقبل حسب ما نقلته وكالة رويترز. وحسب التوقعات، فإن الأداء العام للاقتصاد الأوروبي سوف يتحسن بمعدل 11% عما كان عليه في العام الماضي، ومن المتوقع أن يتواصل التحسن مع تسارع حملة التطعيم واحتمالات الخلاص من الفيروس كليا. يعتبر الاقتصاد الهندي الرابع عالميا من حيث الحجم، والأسرع نموا بين الاقتصادات العالمية، لكن تصاعد الإصابات بفيروس كورونا مؤخرا، وارتفاع عدد الضحايا، من شأنه أن يفرض ظروفا اقتصادية جديدة، لا شك أنها سوف تحد من تسارع النمو وترفع نسبة الفقر في المجتمع. انكمش الاقتصاد الهندي بأكثر من 10% عام 2020 بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي، لكن التوقعات تشير إلى أنه سينمو هذا العام بمعدل يفوق 10%، لكن هذا النمو يبقى قلقا وخاضعا لمتغيرات الأحداث، وفي حالة تفاقم الوضع الصحي، فإن الانكماش الاقتصادي سيتواصل، لكن الثقة بقدرة المؤسسات الهندية على الصمود بوجه الجائحة عالية جدا. وتعاني الهند من تنامي عدد السكان، إذ تشير الإحصائيات إلى أن العدد يتجه سريعا نحو مليار و400 مليون نسمة (1380 مليون حسب الإحصاء الأخير)، وهذا العدد الهائل من السكان سوف يُبقي الهند بلدا فقيرا نسبيا لفترة طويلة، رغم تسارع وتيرة النمو الاقتصادي والتطور العلمي في البلد. وإن كانت الصين قد وضعت خطة ناجحة للسيطرة على الانفجار السكاني، فإن الهند قد فشلت حتى الآن في إيجاد حل لهذه المشكلة. نصف سكان الهند يعملون في الزراعة، وثلثهم في الخدمات، لكن المزايا التي تتمتع بها الهند تبشر بمستقبل واعد، فانخفاض تكاليف المعيشة وأجور العمل، وتوفر العمالة الماهرة، واتساع الطبقة الوسطى (250 مليون) واستخدام اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، سيضاعف حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى الهند مستقبلا، ويرفع معدل النمو الاقتصادي إلى رقم مزدوج. ولا ننسى مساهمة مؤسسة (بوليوود) الفنية التي تنتج أفلاما ضعف ما تنتجه مؤسسة (هوليوود) الأمريكية، وبأسعار مناسبة جدا، وتدر على الهند مليارات الدولارات سنويا، إضافة إلى الترويج الذي تقوم به للصناعات والبضائع والثقافة الهندية. مع ذلك، فإن التحديات مازالت كبيرة، خصوصا تدني الخدمات وشح المياه وارتفاع نسبة التلوث البيئي، وحسب تقارير منظمة الصحة العالمية فإن أكثر من 200 ألف هندي يموتون سنويا بسبب تلوث المياه. وفي بريطانيا، تشير التنبؤات إلى أن الاقتصاد سوف ينمو بنسبة 6.8% هذا العام، مع رفع القيود الصحية كليا في السابع عشر من الشهر الجاري. ويعتبر معدل النمو هذا، الأعلى منذ بدء السجلات في دائرة الإحصاءات الاقتصادية البريطانية. وكان الاقتصاد البريطاني قد انكمش بما يقارب 10% خلال عام 2020 بسبب قيود الحجر الصحي المفروضة على النشاطات العامة والخاصة خلال العام المنصرم. ويزداد التفاؤل بتحسن الأوضاع الاقتصادية مع تصاعد وتيرة التطعيم، إذ تلقى الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفيروس كورونا 35 مليون بريطاني حتى الآن، من مجموعة عدد السكان البالغ 67 مليونا، بينما تلقاه مرتين 15 مليونا. الاقتصاد الروسي الذي يعتبر الحادي عشر عالميا من حيث الحجم، انكمش كما كان متوقعا عام 2020 بمعدل 4.3% بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي تسببت به جائحة كورونا، لكن التوقعات تشير إلى أنه سيتعافى وينتعش بنسبة 2.4% هذا العام. وعلى الرغم من تناقص الإصابات والوفيات، بسبب نجاح حملة التطعيم، إلا أن بقاء الجائحة، سيظل يربك الحسابات الاقتصادية. اقتصادات دول الشرق الأوسط متفاوتة في نموها وانكماشها، لكن تزامن جائحة كورونا مع انخفاض أسعار الموارد الطبيعية، النفط تحديدا، وتوقف السفر، قد أضر بها كثيرا في العام الماضي. غير أن انتعاش أسعار النفط، ونجاح حملة التطعيم في بعض دول المنطقة سوف يتركان تأثيرات إيجابية على اقتصاداتها. الدول التي تعتمد على إيرادات السياحة كمصر والمغرب وتونس والأردن، تكبدت أضرارا فادحة بسبب توقف السفر. لكن الأمل معقود على أمرين متلازمين، الأول هو تحسن الأوضاع الاقتصادية والصحية في البلدان الغربية الثرية، الذي سيؤدي إلى رفع القيود وعودة السفر، والثاني هو تمكن دول الشرق الأوسط من السيطرة على جائحة كورونا، لأن السيّاح لن يأتوا إلى بلدان موبوءة بالجائحة، وحكوماتهم لن تسمح لهم بالسفر إلى تلك البلدان.   اقتصادات دول الخليج العربي بقيت قوية رغم الجائحة، وانخفاض أسعار النفط في العام الماضي، ومن المؤكد أن نموها الاقتصادي سوف يتسارع هذا العام مع نجاحها في حملة التطعيم ضد الفيروس وانتعاش أسعار النفط وعودة النشاطات الاقتصادية تدريجيا إلى سابق عهدها. وحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن العراق هو الأكثر تضررا من جائحة كورونا بين دول الشرق الأوسط، بسبب التدهور والإهمال اللذين طالا القطاع الصحي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتلكؤ الحكومة في التعامل السريع مع الجائحة. مع ذلك، فإن عملية التطعيم انطلقت بقوة أخيرا، وبدأ العراقيون يُقبِلون على التطعيم، لكن ضعف النظام الصحي، الذي كان يوما من أكثر الأنظمة تطورا في المنطقة، قد حال دون تحقيق تقدم ملموس وسريع في الوضع الصحي. ومن المؤمل أن تترك عملية التطعيم أثرا إيجابيا سريعا على الوضع الصحي، إن تسارعت وتيرتها وتمكنت الحكومة من توفير اللقاحات المطلوبة لجميع السكان. واستنادا إلى تقرير (OECD) المذكور، فإن الدول الأخرى الأكثر تضررا اقتصاديا وصحيا في المنطقة هي إيران وسوريا واليمن وليبيا ومنطقة السلطة الفلسطينية. ويشيد التقرير بأداء دولة الأمارات العربية المتحدة والأردن ومعالجاتهما السريعة والناجحة في مكافحة الجائحة والسيطرة عليها.   لا شك أن جائحة كورونا ألحقت أضرارا فادحة بالاقتصاد العالمي خلال عام 2020، لكن تسارع حملة التطعيم في العديد من دول العالم وتضافر الجهود العالمية للقضاء على الجائحة، قد أنعش الآمال في أن يعود النشاط الاقتصادي والاجتماعي العالمي إلى سابق عهده، بل هناك من يتوقع أداءً أسرع من السابق للتعويض عن الكساد والخمول والأضرار التي لحقت بالعالم خلال عام 2020، الذي يعتبر العام الأكثر سوءا في تأريخ البشرية الحديث.

اقرأ أيضا:  صندوق النقد الدولي يدعو لميثاق اجتماعي حول الإصلاحات

تابعوا Tunisactus على Google News