- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

نحو فهم عميق للتنمية غير المتكافئة والتهميش في تونس (2من2)

الكتاب: الاستعمار الداخلي والتَّنمية غير المتاكفئة ـ منظومة “التهميش” في تونس.
الكاتب: الصغير الصالحي
الناشر: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم،تونس، الطبعة الثانية 2019.
(719صفحة من القطع الكبير)

في مفهوم الاستعمار الداخلي 

يدرس الباحث الصغير الصالحي مفهوم “التنمية غير المتكافئة” كأحد الخصائص الكاشفة عن أوضاع الاستعمار الداخلي وكمنتج سياسي موروث وكمصطلح ماركسي استعمله لينين وغرامشي، ثم فانون بعد الحرب العالمية الثانية. 

ومن بين مفاهيم وتصنيفات الاستعمار الداخلي، يميل الصالحي إلى صنف أول من النظريات حول هذا المصطلح والذي يشير إلى “حالة تناظر داخلية للهيمنة الاقتصادية والاجتماعية مع الاستعمار الخارجي”. مما يستدعي البحث في “المقاربة التاريخية للسياسات الداخلية وفي مقارنتها مع التجربة الاستعمارية وعلى مدى تناظر السياسات والمواقف وتماثلها في مسائل التنمية” والسياسة والثقافة، بشكل حَوّل مجموعات بشرية خاضعة للهيمنة إلى مستعمرات اجتماعية وسياسية وتربوية واقتصادية.

كان الشعبويون الروس المبادرون لاستخدام مفهوم “الاستعمار الداخلي” لوصف استغلال الطبقات المدينيّة للفلّاحين، كما ذكره لينين في كتابه”تطور الرأسمالية في روسياسنة 1899، وفيما بعد تبنّى غرامشي مفهوم “الاستعمار الداخلي” حين تعرض له لاحقًا في “المسالة الجنوبية” سنة 1920، والذي درس فيه الاقتصاد بمنطقة ـ الميزوجورني ـ جنوب إيطاليا، وأشار فيه إلى إخضاع “برجوازية الشمال… جنوب إيطاليا والجزر(صقلية وسردينيا) إلى وضع المستعمرات المُسْتًغَلَّة”.

بعد الحرب العالمية الثانية كان الكاتب الفرنسي فرانز فانون أولَّ من أشار إلى نشأة علاقة الهيمنة المحلية بعد الاستقلال في الدول النامية، وربطها بالتبعية لرأس المال الخارجي، واستعمل مصطلح “مستعمرمحلي” في كتاب “مُعذَّبوالأرض” (1961les damnes de laterre)، الذي كتبه في فترة إقامته بتونس، وقد توفي سنة صدور الكتاب، وهو يعتبر من أهم ماصدر إلى حينها عن نظريات ما بعد الاستعمار، وقدم تحليلاً لدور الطبقات الاجتماعية والانتماءات الإثنية والثقافية المحلية، في أوضاع الاستعمار الخارجي والفترات الموالية للاستقلال. 

ومع حصول العديد من بلدان العالم الثالث على استقلالاتها، وانتهاجها خيار التنمية في إطار العولمة الرأسمالية، تعمقت الهوة بين الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة في الغرب ودول العالم الثالث، التي ظلت دولاً تابعة للغرب، وغائصة في وحل الفقر والركود الاقتصادي، رغم امتلاك بعضها لثروات طبيعية هائلة، وبقيت الشعوب تكدُّ من أجل العيش وتترقَّب تحقيق الفوائد الموعودة للتنمية الرأسمالية والتجارة العالمية، فتبلور نقاش فكري في أمريكا اللاتينية، وبرز جيل من المفكرين والأكاديميين والاقتصاديين قادرين على مجادلة نظرائه من الدول الرأسمالية المتقدمة.

ويستشهد الباحث الصغيَّر الصالحي بعدد من المنظرين من أمريكا اللاتينية الذين قدموا أطروحات فكرية حول مفهوم الاستعمار الداخلي في علاقته بالهيمنة الخارجية، فيقول: “وبعد دراسة أنثروبولجية للعلاقة القائمة بين المجموعات الهيمنة من أصول أوروبية والمجموعات الخاضعة من السكان الأصليين داخل المكسيك، قدم في سنة 1965 عالم الاجتماع المكسيكي بابلو غونزاليس كازانوفا العناصر الأولى لمفهوم “الاستعمار الداخلي” في مقالة بعنوان “الاستعمار الداخلي والتنمية الوطنية”، برهن فيها على قدرة تحول الاستعمار من نموذج للهيمنة الخارجية على نموذج داخلي للهيمنة والاستغلال. ورأى أن الاستعمار يحيل ببساطة إلى هيمنة مجموعة بشرية على أخرى، ويظهر ذلك بوضوح عبر احتكار المجموعة المهيمنة للقوة أو لاستغلال الموارد الطبيعية والعمل والتجارة والمداخيل الجبائية والإنفاق العمومي. وقد شكَّل “النمو غير المتكافىء” في المجتمعات أوَّل مظاهر الاستعمار الداخلي،موضوعيًا، برزت الفكرة ضمن البحث عن أسباب”غياب التنمية”(ص 39).

لقد اتسمت مقاربة “بابلو غونزاليس كازانوفا” بإقحامه البعد الاجتماعي ووصفه لثنائية البنية الاجتماعية التي تبرز حين التقاء ثقافتين تتقدم إحداهما عن الأخرى تقنيًا أو بفعل امتلاك السلطة، والتي تختلف عن الثنائية التقليدية ريف ـ مدينة، مبينًا أنَّالوضعيات الاستعمارية تتميز بعلاقة هيمنة واستغلال ليس فقط بين طبقات العمال و الرأسماليين مالكي وسائل الإنتاج، ولكنَّ أيضًا بهيمنة واستغلال مجموعة سكانية ـ بمختلف طبقاتها ـ لمجموعة أخرى بمختلف طبقاتها أيضا.

وفي عام 1969، قدم عالم الاجتماع الأمريكي دال جونسون تعريفًا عامًا لمفهوم الاستعمار الداخلي على أنَّه: “من جهة الاقتصاد تُعتبر مستعمرات داخلية مجموعات السكان الذين ينتجون السلع الأولية لأسواق المراكز العمرانية و/أو الذين يمثلون سوقًا لمنتجات وخد مات المراكز. ويُحرم المستعمَرين من المشاركة أو يعانون من التمييز في المشاركة في المؤسسات السياسية والثقافية والمؤسسات الأخرى للمجتمع المهيمن. 

وتمثل المستعمرات الداخلية مجتمع ضمن المجتمع على قاعدة العنصر أو اللغة و/أو الفوارق الثقافية والفوارق الطبقية أيضا،وهي تحت السيطرة السياسية والإدارية للطبقة المهيمنة ولمؤسسات المركز. بهذا التعريف بُمكن للمستعمرات الداخلية أن توجد على قاعدة جغرافية أو على قاعدة ثقافية في المجتمعات الثنائية أو متعددة العرق أو الثقافة.

وهكذا وضعت الأساسيات النظرية لمفهوم الاستعمار الداخلي في أمريكا اللاتينية، وانتشرت في أمريكا الشمالية عبر دراسات لحالات مختلفة شملت السود والسكان الأصليين ومتكلمِّي اللغة الفرنسية في كندا وعمَّ انتشارها تدريجيًا القارات الخمس.

تشكل نظرية الاستعمار الداخلي في صيغتها الجديدة أولى التحديات للنظرية الماركسية التقليدية التي تجاهلت أبعاد العلاقات العنصرية أو الثقافية أو الجغرافية في المجال الاقتصادي والسياسي، وشكلت خروجًا عن الرأي المهيمن الذي تتحدَّد فيه الطبقات الاجتماعية حصرًا بعناصر العمل والملكية. ومن هذه الزاوية تُعَدُّ نظريات الاستعمار الداخلي من أهم الاسهامات التنظيرية لعلاقة الأبعاد غير الإنتاجية بالطبقات الاجتماعية. 

الاستعمار الداخلي في الحالة التونسية

اتفاقية الاستقلال في عدم تنصيصها على انتقال الملك الخاص للدولة التونسية إلى الدولة المستقلة كانت وثيقة مؤسسة لارتباط الاقتصاد التونسي عند الاستقلال وبعدها بأنماط استغلال حدّدها ولا يزال الفرنسيون. يشير الباحث الصالحي إلى أن “المسألة الإقتصادية [لم تكن] من بين أولويات الحركة الوطنية ولم تتضمن أدبياتها رؤية للمسألة، فحتى الإصدارات التي ظهرت في العشرية السابقة للاستقلال لم تتجاوز محاولة تشخيص الواقع ولم تتوقف كثيرا عن تصورات المستقبل”. ويرجّح أيضا غياب التكوين المعرفي في المجال الاقتصادي ومُيول أفراد حركة التحرر إلى التركيز على بلوغ السلطة كهدف نهائي للعمل السياسي.

غياب التغييرات الجذرية القاطعة مع الاستغلال الفرنسي ساقه كذلك كتاب “تونس عبر التاريخ” لعبد الجليل بوقرة الذي لاحظ أن “مهمة الانتقال من اقتصاد استعماري إلى اقتصاد مستقل [كانت] عسيرة نسبيا وبطيئة، لأن الحكومة سعت إلى تحقيق هذا الهدف دون إحداث قطيعة نهائية وجذرية مع فرنسا”.

أكدت لنا التجربة التاريخية أن ما أطلقنا عليها رأسمالية الدولة التابعة في تونس بقيادة الفئات الوسطى بعد فشل التجربة الليبرالية، أنتجت في حقيقة الأمر رأسمالية مشوهة، من خلال إنشاء القاعدة المادية الاقتصادية والاجتماعية، وإيجاد القطاع العام، وعبر التدخيلة للدولة التي كانت مهمة وضرورية ومبرمجة بهدف تحقيق التعبئة المكثفة للموارد وتوظيفها في البناء التحتي لايجاد وتائر قوية، لتراكم الرأسمالية لمصلحة البرجوازية القديمة والحديثة في ظل عجز الرأسمال الخاص بسبب حجمه الصغير ودرجة نضجه القليلة ـ والتعديل في البناء الطبقي.

 

أكدت لنا التجربة التاريخية أن ما أطلقنا عليها رأسمالية الدولة التابعة في تونس بقيادة الفئات الوسطى بعد فشل التجربة الليبرالية، أنتجت في حقيقة الأمر رأسمالية مشوهة،

 

إنَّ هذه الفئات الوسطى حين استكملت بناء الدولة البيروقراطية الحديثة تحول ممثلوها الطبقيون في السلطة السياسية ـ الحزب والحكومة الذين استخدموا ما توفر لهم هذه السلطة من امتيازات عديدة مصادر القوة والثروة في المجتمع عن طريق الاستيلاء على القطاع العام من أجل خدمة مصالحهم الطبقية بالضرورة إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. ولذا فإن رأسمالية الدولة التابعة خلال عقد الستينات، لم تكن خارج سياق علاقات الانتاج الكولونيالية. 

وكانت في الوقت عينه عملية تاريخية معقدة ومزدوجة، فهي من ناحية تجددت في سيرورتها البرجوازية الكولونيالية التقليدية في عملية الاستبدال الطبقي السياسي، لمصلحة تحررها الاقتصادي، وهي من ناحية أخرى ولدت بالضرورة التاريخية فرز طبقي داخل الفئات الوسطى التي حلت في السلطة السياسية محل البرجوازية التقليدية، حيث انفصلت تلك الفئة العليا منها، التي تمتلك السلطة وتسيطر على جهاز الحزب والحكومة، عن سائر فئات البرجوازية الصغيرة، لتتحول في إطار من تجدد علاقات الانتاج الكولونيالية إلى فئة البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية. وكانت النتيجة التاريخية لهذه التجربة أن حصل التماثل الطبقي، بين البرجوازية التكنوبيروقراطية الكولونيالية والبرجوازية الكولونيالية التقليدية، لتكون البرجوازية الكمبرادورية الجديدة.

إنَّ دولة الاشتراكية الدستورية “عملت على تحقيق الاشتراكية على مراحل أولها “اقناع العمال بأننا بلد (تونسي) لا يتحمل تطاحن الطبقات”، وكانت تدعو بالتخلي عن العقلية البروليتارية التي تجعلهم ينظرون إلى صاحب العمل كعدو طبقي، وكرست الإنفتاح على الغرب وقبلت بشروطه الثقيلة والمتمثلة خاصة في القروض الأميركية الضخمة، وانتزعت الملكيات الصغيرة للفلاحين ودمجتها في التعاونيات الزراعية لخدمة مصالح كبار الملاكين الزراعيين، وضربت مصالح العمال، وعملت على تشتيت قواهم وذلك بفرض الهيمنة على النقابات العمالية واحتوائها وجعلها تحت وصاية الحزب الدستوري الاشتراكي الحاكم. 

وإزاء هذا التشويه للاشتراكية، والتخريب الزراعي والصناعي والتبعية للسوق الرأسمالية العالمية، أنتجت دولة الاشتراكية الدستورية حكماً تسلطياً فرعياً، حيث شكلت البيروقراطية الحزبية وبيروقراطية أجهزة الدولة نموذجه بإمتياز. وشكلت عقبة حقيقية أمام انبثاق فضاء عام بسبب عملية النهب المنظمة التي كانت تقوم بها نخبة المجتمع السياسية التي تتمثل في نهجها وسلوكها السياسيين الوصاية والتملك للدولة، هي بذلك تطابقت مع واقع سوسيولوجي ـ تاريخي حيث كانت فيه هذه الدولة التسلطية عاجزة عن حماية القطاع العام، الذي نجد فيه الاقتصادي غير متحرر من السياسي الذي يهيمن عليه ويسيره.

كما أن الأيديولوجية القومية الكلية التي تأسست في عهد الصراع ضد الاستعمار قامت على أساس النفي للصراع الطبقي داخل المجموعة السياسية، للإنقسامات الاجتماعية، فضلاً عن عدم إعترافها بالطابع السياسي لهذه الإنقسامات، الأمر الذي قاد إلى إفراغ المحتوى السياسي وبالتالي القانوني، لهذا الصراع، طالما أن هذه الأيديولوجية التسلطية تعتبر أن الجسم الاجتماعي موحد لا يحتاج إلى السياسة والقانون بما أنه غير متكون من فئات تحمل في سيرورتها مصالح طبقية متعارضة وفي ظل غياب مفهوم موضوع الحق، أي الإقرار بوجود أشخاص وفئات لهم مصالح متعارضة، بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه من المستحيل أن توجد دولة تسمى دولة الحق والقانون. لهذا السبب بالذات من النفي لمفهوم موضوع الحق للأشخاص والفئات الاجتماعية، تأسست الدولة التسلطية خلال عملية الاستقلال السياسي وتجربة الاشتراكية الدستورية، على الرغم من أن التسلطية لا تمثل نمطاً تاريخياً واحداً”.

تمثل الدولة التونسية ما بعد الاستقلال كل سمات أنظمة الاستعمار الداخلي، والتي لا ترى في جغرافيا وسكان ومستقبل محافظات ومناطق (جهات) بأكملها أكثر من مزرعة وملكية خاصّة، ولكنها كانت تبحث عن أوضاع وسطى بين المصالح العامة للمجموعات المهيمنة (العصبية الساحلية) ومصالح المجموعات الخاضعة، الأمر الذي يساعدنا على فهم جغرافيا الاستعمار الداخلي وتفاوت مضمونه بين جهة و أخر ى في الحالة التونسية.

 

في الواقع التونسي، يتلخص الاستعمار الداخلي في بعده الاقتصادي، في استعمال “عصبية الساحل” المهيمنة على الدولة التونسية ما بعد الاستقلال، لفرض شروط تبادل غير منصفة مع المحافظات (والجهات) الفقيرة من البلاد التونسية

 

يقول الباحث الصغير الصالحي: “في الصورة العامة، كانت الأوضاع الوسطى التوفيقية، التي اهتدت لها النخب الحاكمة، متفاوتة في تفاصيلها بين جهة وأخرى مع استقرار بعض الملامح. وقد كان الوضع التوفيقي مختلفًا باختلاف المجموعات و الجهات. لم يتجاوز تهميش”البلدية” (برجوازية سكان مدينة تونس العاصمة) المجال السياسي أو بالأحرى إبعادهم عن قيادة السلطة وكانوا باستمرار جزءًا مهمًا منها، وذلك خاصة بعد المحاولة الفاشلة التي سعت للاستعاضة عنهم واستبدالهم بجهة صفاقس في التعديل الوزاري الكبير الذي تم بعد مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري في المنستير عام 1971.

أما بالنسبة لجهة صفاقس ومع استفادتها من بعض التحالفات الظرفية في فترة السبعينيات وأوائل الثمانينيات فقد كان إقصائها في البعد السياسي شبه مكتمل، وتم تجاوزه ليغمر التهميش بعض المجال الاقتصادي من دون المساس كثيرا بالبعد الاجتماعي، بل كانت عمومًا أقرب فيه إلى الاستفادة.

كما مثل عامل”حسن الجوار” حماية لمنطقة الوطن القبلي وقلَّل من تهميش جنوبها الاقتصادي وذلك لقربه من مراكز النفوذ ومن الأسواق في تونس وفي الساحل، فيما لم يكن نصيبها من المشاركة السياسية أفضل حالاً من الجهة الغربية، بينما تراوحت المرافق العمومية بين ضعيفة في الصحة والتعليم العالي، وجيدة في التكوين المهني مثلاً.

الملاحظة نفسها تهمُّ جنوب ولاية بنزرت المتاخم للعاصمة، بينما تمثل ولاية المهدية وضعية خاصة تتباين الأوضاع بين جزئها الشمالي (شمال قصور الساف) الذي ينتمي إلى منطقة الساحل الثقافية و التاريخية وبين بقية الولاية المتكونة من عدد من القبائل أهمها المثاليث والسواسي وجلاص يقطن أغلبها الريف والتي بقي حالها مشابهًا لبقية القبائل المجاورة غربًا وجنوبًا وشمالاً.وتمثل جزيرة جربة وضعية تقترب في عمومها مع الوضع والموقف السياسي للبلدية والذي قد يفسّرالتقارب التاريخي بين نخب الجزيرة وبلدية العاصمة واللَّذان قلَّما شهدت مواقفهما تباينًا كبيرًا، على خلاف خيارات نخب جزيرة قرقنة التي لا تتضارب آراؤها عادة مع مواقف نخب الساحل. وهو ما قد يفسر جزئيًا بالمسارات التاريخية و المهنية للقيادات القرقنية التي اشتغل بعضها في الساحل فرحات حشاد مثلاً” (ص 54).

في الواقع التونسي، يتلخص الاستعمار الداخلي في بعده الاقتصادي، في استعمال “عصبية الساحل” المهيمنة على الدولة التونسية ما بعد الاستقلال، لفرض شروط تبادل غير منصفة مع المحافظات (والجهات) الفقيرة من البلاد التونسية، إما باستخراج الموارد الطبيعية في شكلها الخام ودون مقابل (الفوسفات والنفط)، أو باعتماد ىقيود تجارية وفرض تسعير إداري غير مجزٍ على منتجات المناطق الخاضعة لا يكاد يكفي لإعادة إنتاج قوة العمل، ولا يوفر فوائض اقتصادية، من ثم يتمَ تحويلها أو استغلالها في مناطق أخرى بفوائض ربحية.

لم تنل المحافظات والجهات الداخلية حظها من الاستثمارات في البنية التحتية والمشاريع التنموية، فظلت هامشية وأصبحت نابذة بنيويا للإستثمار، بسبب النزر القليل من تراكم رأس المال، إذ كانت الاستثمارات توجه دائما إلى المناطق الأفضل مردودية بالواجهة البحرية.

 

كانت الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي انساقت فيها الدولة التونسية خلال العقود الماضية تخدم زبانية الاستعمار الداخلي ووكلاء الهيمنة الاستعمارية الخارجية ومنظري التبعية باسم الحداثة والتحديث في حين أن فكرهم ليس إلا تشريعا لكل ما يناقض قيم الحداثة والتحديث،

 

وبالنهاية أنتجت الشروط الرسمية للدولة التونسية للتيادل الاقتصادي بين المحافظات الداخلية في الشمال الغربي و الوسط و الجنوب، توجيه كل الفائض الاقتصادي وعلى مراحل، إلى جهات مستفيدة، وتراجع الاستثمار بالمحافظات والجهات الفقيرة، مما أنتج ركود القاعدة الاقتصادية وتواصل اعتمادها على الأنشطة التقليدية من دون إمكانية استحداث أنشطة جديدة لضعف الاستثمار تحديدًا، وبذلك اكتمل طوق غياب التنمية وتراجعت تنافسية الأنشطة المتداولة، ودخلت في مسار الإفقار الحتمي.

كانت الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي انساقت فيها الدولة التونسية خلال العقود الماضية تخدم زبانية الاستعمار الداخلي ووكلاء الهيمنة الاستعمارية الخارجية ومنظري التبعية باسم الحداثة والتحديث في حين أن فكرهم ليس إلا تشريعا لكل ما يناقض قيم الحداثة والتحديث، بل هم من شرعوا استعمال مصطلحات تحمل دلالة الاقتصادية سياسية، ووظيفية تبريرية لغيات التنمية المستقلة. فعمموا الحديث عن “مناطق داخلية”، واستعملوا هذا المصطلح بتواتر في أدبيات السلطة مع فترة الانخراط في نظام العولمة الرأسمالية في أوائل التسعينيات من القرن العشرين. 

وكانت الدولة التونسية التي تهيمن عليها “العصبية الساحليةك تعتبر أنَّ “الجهات الداخلية” غير مفيدة في سياق الاقتصاد المعولم، مما يبرِّرُ استثنائها من المشاريع التنموية، في مقابل الجهات الساحلية وتونس العاصمىة المدمجة في الاقتصاد المعولم، والتي أصبحت الوجهة الرئيسة للاستثمارات العمومية ولشتى أصناف الانفاق العمومي بهدف”دعم قدرتنا التنافسية”حسب الخطاب الرسمي.

لقد أنتج خيار التنمية غير المتكافىء تفاوتًا فاضحًا في توزيع الإنفاق العمومي، خاصة لدى المحافظات والجهات المهمشة داخل البلاد التونسية، الأمر الذي انعكسى في تفاقم فوارق التنمية، حيث أضحت عناصر التهميش تغضب بعضها بعضًا وانتهى الأمر إلى تدعيم وتعميم الهيمنة والاستغلال، وإلى إدخال محافظات ومناطق (جهات) بأكملها في دوامة مستحكمة من البطالة، وهجرة الشباب وما صحبها من تراجع ديموغرافي، وانحلال أسري وتفكك للجسم الاجتماعي، وتعميم الفقر والبؤس، وضعف المشاركة السياسية.

في ضوء ما قامت به النخب الحاكمة في تونس، من تحالفها مع القوى الخارجية (المراكز الرأسمالية الغربية: الاتحاد الأوروبي وأمريكا) في سياق علاقة تبعية لها، ووأد كل أمل في بناء دولة وطنية حقيقية تحرر الأرض والاقتصاد، واستعمالها كل الأدوات التي اكتسبتها خلال تحالفها مع الطغيان لتكريس الاستعمار الداخلي وبكل الوسائل،ونظرًا لتماهي الاستعمار الفرنسي مع منظومة الاستعمار الداخلي التي حافظت على ارتباط النخب الحاكمة ذات المرجعية والإرث المخزني والبرجوازي بدوائر النفوذ والحكم الفرنسي، اسْتُكْمِلَتْ كل الشروط الموضوعية والوعي المناسب للإحتجاجات الاجتماعية، فكانت ثورة 17 كانون أول (ديسمبر) 2010 ولغاية 14 كانون الثاني (يناير) 2011 التي أسقطت النظام المستبد.
وعلى هذا الأساس يُعَدٌّ كتاب الصالحي إضافة مهمة في مجال البحث التاريخي والأنثروبولوجي حول مسألة الاستعمار الداخلي وقضايا التهميش والهيمنة الطبقية.

 

إقرأ أيضا: نحو فهم عميق للتنمية غير المتكافئة والتهميش في تونس (1من2)

#نحو #فهم #عميق #للتنمية #غير #المتكافئة #والتهميش #في #تونس #2من2

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد