- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

هل نستشرف المستقبل العربي بالعلم أم بالأفلاك؟

حين نرى تسابق بعض الفضائيات العربية في كسب أكبر عدد من الجمهور بما تراه وما تبتكره من وسائل الإثارة و”البوز” نجد من المعقول ان نتهمها بالاستخفاف بعقول جمهورها العربي الواسع وإشاعة اللامعقول وغير المقبول منطقيا أي ثقافة الخرافة وما أكثر بائعي الأوهام في وسائل إعلامنا من ذلك العرافة ليلى عبد اللطيف تصول وتجول في فضائية عربية لتنشر توقعاتها لعام 2022 وتنذرنا بكوارث قادمة، والغريب الذي لا أجد له تبريرا هو أن تاريخ العرب مشحون بالعلم والسبق إلى العقل في الفكر والكيمياء والرياضيات والفلك والطب والصيدلة والجراحة والطيران والدورة الدموية ومعالجة الأمراض العقلية وتاريخ تونس بالذات التي تأسست فيها أول مدرسة للطب والجراحة مع ابن الجزار، وتأسست فيها مدرسة علم الاجتماع وفقه التاريخ مع ابن خلدون تتحول إلى مصدرة لأقطاب الشعوذة والرجم بالغيب والتنجيم، بل وخصصت قناة فضائية تبث استشارات من سمته “العالم الفلكي العالمي.. فلان الفلاني” ولكن مع الأسف لفت انتباهي الذي وقع عندما طلعت علينا صحفية محترمة على شاشة إحدى القنوات العربية تقدم لمشاهديها برنامجا “ثريا وجديا” يدور حول التوقعات المستقبلية للسنة الإدارية التي هلت علينا. وتفاءلنا خيرا لأن الصحفية دعت لمحاورتها عالمين جليلين خبيرين بقراءة أحداث العالم وافادة الجمهور العربي هما الدكتور وحيد عبدالمجيد نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية والدكتور مايكل هادسن استاذ العلوم السياسية في جورج تاون الأمريكية العريقة. وبدأ الكلام طيبا عميقا علميا في مستوى الأحداث الجسيمة التي نعيشها. ثم جاءت المفاجأة غير المتوقعة حين اعلنت نفس الإعلامية وفي نفس البرنامج بحرج بالغ وواضح انها ستتصل مع من سمته عالما فلكيا من تونس وقدمته الصحفية بعدم اقتناع بأنه “نائب رئيس الاتحاد العالمي للفلكيين” قائلة للملايين من المشاهدين العرب انه سيعطينا (رأي) الأبراج والأفلاك في أحداث العام القادم واصابتني دهشة مشروعة لانحراف البرنامج الجاد عن مجراه بعد ان سمعنا آراء وتحليلات الدكتورين الفاضلين فتدخل الفلكي ليقرأ لنا الأبراج بلهجة تنم عن ثقته في نفسه فقال بأن تواجد كوكب زحل في برج السرطان وحلول كوكب المشتري سينجم عنها وفاة زعيم عربي وخروج الاحتلال نهائيا من العراق وحدوث فيضانات في شمال إفريقيا من جراء الأبراج المائية الطالعة علينا، مما ينذر كذلك بموجات من البرد القارس والحرارة الرهيبة واضاف الفلكي ان الرئيس الأمريكي من برج السرطان وان الرئيس الصيني من برج القوس وان الرئيس بوتين من برج الميزان وهو ما ينذر باتساع الجفوة بينهم خلال العام الحالي وربما وقوع ما لا تحمد عقباه! واني أعلن من وجهة نظري المتواضعة انني لست ضد الأبراج ولا ضد الفلكيين ولم يحالفني الحظ للتعرف على المنجم التونسي، وانا اتوقع ان له مواهب لا أعلمها ولست خبيرا في الحكم لها أو عليها بل انني اقرأ حظي في الصحيفة مثل اغلب خلق الله لا إيمانا بها ولكن تفريجا عن الهموم اليومية التي نعيشها وتفاؤلا بما جاء فيها لكنني لا أرى سببا مقنعا في خلط الأصناف المختلفة من البرامج التلفزيونية فبرنامج الإستشراف عنوانه (بالمرصاد) وهو بالفعل برنامج سياسي جاد ويستحق المتابعة والاحترام وكان افضل ان تحافظ الاعلامية المتميزة على طابعه هذا وترك التنجيم والتفليك لبرامج اخرى نجحت فيها من قبل مثلا هالة سرحان ولها جمهورها العريض في الوطن العربي (أكثر من جمهور البرامج الجادة) وهي برامج خفيفة الظل تجمع بين الموسيقى والتمثيل وتقديم النجوم الصاعدة منها والنازلة أي برامج لا تدعي مقدمتها إلا الترويح عن نفوس المشاهدين وهو فن نبيل في حد ذاته يتابعه الناس في ساعات الراحة واني لا انفي على أحد من الناس حقه في ممارسته هواياته بما في ذلك هواية الأفلاك وقراءة الأبراج وهي على كل حال هوايات كغيرها من اصناف التسلية والترفيه لكن ليس من حق النخبة الاعلامية والماسكة بزمام السلطة الرابعة ان تخلط في أذهان الجمهور العربي بين علم استشراف المستقبل (وهو علم يعتمد على قراءة المستقبل على ضوء تسلسل تاريخي و سياسي للأحداث) وبين الرجم بالغيب خاصة اذا تعلق الأمر بمصير الأمة العربية والتحديات العسيرة والكأداء التي علينا مواجهتها بما نمتلكه من معطيات صحيحة ومعلومات ثابتة وحقائق دامغة فعلم استشراف المستقبل اصبح علما قائما بذاته يعتمد على قراءة الأحداث الداخلية والخارجية ذات التأثير الفعال في توجيه تيارات الفكر والسياسات والاقتصاد والتربية والثقافة وتحركات الرأي العام وردود أفعال القوى المحيطة بالعالم العربي والمتعاملة معه والطامعة فيه، والفرق شاسع بين هذا العلم المتكامل الذي نبغ فيه مفكرون أجلاء وبين رصد الكواكب لمعرفة هل سيتورط الأمريكان في حرب عالمية ضد روسيا والصين؟ ومتى وكيف؟ اننا نعجب من جمع السيدة الإعلامية الفاضلة بين استاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون وباحث قدير في مركز الأهرام وبين قارئ الأبراج والأفلاك الذي له مجالات اخرى في وسائل الاعلام يخاطب من على منابرها جمهوره، وقد اكون انا أو غيري من جمهوره في لحظات الراحة والبعد عن هموم الواقع الذي لا يسر من الماء الى الماء في وطننا العربي الواسع!. متى نقتنع نحن العرب بأن أسباب حالتنا المتخلفة المباشرة هي الاسباب الداخلية التي نحن وحدنا مسؤولون عنها في مجالات السياسة وعلاقة الحاكم بالمحكوم وهشاشة اقتصادنا وهزال جامعاتنا ومؤسساتنا التربوية وعداواتنا العربية العربية، وليست اسباب تخلفنا كامنة في دوران كوكب المريخ الذي تسبر اعماقه هذه الأيام مسابر (بيجل الثاني) الأمريكية ومسابر (وو يي) الصينية امام عيوننا المبهورة والمسحورة.

#هل #نستشرف #المستقبل #العربي #بالعلم #أم #بالأفلاك

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد