وجهة نظر: الضغط يزداد على أوروبا لتتدخل لأجل تنمية جيرانها العرب | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW

لم يستحق الغرب أي ثناء خلال الاحتجاجات الشعبية للثورة العربية أو في السنوات اللاحقة لها، لأن الفجوة كبيرة بين الادعاءات والواقع. فمن ناحية يتمسك الغرب بقيم مثل حقوق الإنسان ويعزز الأنظمة الديمقراطية والتعددية، ومن ناحية أخرى كان وما زال بمقدور الأنظمة التي تمارس الاضطهاد أن تعول على أن الغرب ينصاع للمصالح قصيرة المدى ويتعاون معها ويسكت بفتور عن خروقات حقوق الانسان الجسيمة في بلدانها، كما هو الحال تجاه مصر. فمنذ مطلع الشهر وَشَّحَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسام “جوقة الشرف”، أرفع وسام فرنسي. وفي مقدمة اللقاء الثالث للرجلين في غضون ثلاث سنوات كانت تُطرح موضوعات العلاقات الاقتصادية الثنائية والتعاون العسكري والجبهة المشتركة ضد تركيا، لكن ليس وضع حقوق الانسان. فيما تقدر منظمة هيومان رايتس ووتش أن عدد المعتقلين السياسيين في مصر يتجاوز 60 ألف شخص. وهذا العدد لا يشمل عشرات الآلاف من المصريين الذين يقبعون جزئيا طوال سنوات في حبس احتياطي. في وقت مبكر من عام 2011، عندما بدأت الاحتجاجات في العالم العربي كان الغرب فاترا. وعندما انتفض الناس أخيرا ضد أنظمة الظلم، تلاشت دعواتهم للدعم. لقد نجحت الأنظمة التي حذرت من الأسلمة وقدمت نفسها كشركاء في الحرب ضد الإرهاب، الذي جعل وجود دول الظلم ممكنا.  في سوريا، على سبيل المثال، كان هناك في أحسن الأحوال، دعم باهت للاحتجاجات المشروعة ضد نظام الأسد. وفي ليبيا، لم تكن الإطاحة بالقذافي ممكنة لولا التدخل العسكري للغرب بقيادة فرنسا. ولكن ما أن سقط حتى ترك الغرب ليبيا للميليشيات. وفي اليمن، دعم الغرب مبادرة الأنظمة الملكية الخليجية لإنقاذ النظام بدلا من الضغط من أجل عملية انتقالية. وزودت الولايات المتحدة السعودية بالأسلحة التي يتم بها قصف اليمن منذ ذلك الحين.   فالغرب في العالم العربي لا يتجاوب مع استحقاقاته الأخلاقية. فهو متورط أيضا في مأزق، لأن العالم العربي وأوروبا على ضفتي البحر المتوسط جاران مباشران ولا يمكن لحكومات الاتحاد الأوروبي أن تختار مع من تتعاون في القضايا الملحة مثل الهجرة غير القانونية ومكافحة الإرهاب. وفيما يخص التعاون مع الأنظمة القائمة لا يوجد على مستوى الحكومات بديل حتى ولو أنها لا تتناسب في تصورات أوروبا. هرمان راينر، محرر صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ والعقدة في ذلك هي أن هذه الأنظمة تضطهد جميع التيارات المعارضة إضافة إلى مجموعات المجتمع المدني التي تدعمها أوروبا على أمل أن تصبح بعد سير خطوات صغيرة محركا لحصول التحول. وهذا التحول يجب أن يحدث إذا ما أردنا أن تكون المنطقة مستقرة بشكل مستدام، بدلا من أن تستقر لأمد قصير. لقد أظهر الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة أنه من الممكن الخروج من هذه المعضلة. فأولاً، قامت فيديريكا موغيريني، بصفتها المفوضة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، بزيارة مصر مرارا والتقت بالسيسي بعد انقلاب 2013، الذي أعقبته مذبحة راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص. ولم تكن موغيريني السياسية الوحيد التي ساهمت في تلميع صورة النظام في مصر وبعدها قامت بروكسل بتصحيحات. فمنذ سنتين لا يمول الاتحاد الأوروبي مشاريع جديدة في مصر لأن الحكومة في القاهرة ترفض التوقيع على بند حقوق الانسان الموجود في العقود. والنتيجة هي أن تونس الصغيرة تحصل اليوم على الكثير من المساعدة الاقتصادية من بروكسل أكثر من مصر التي يبلغ عدد سكانها ما يقرب من عشرة أضعاف سكان تونس. وبهذا يسبق الاتحاد الأوروبي غالبية الحكومات التي تتحدث عن “مساعدة مشروطة” أي أن تُصرف أموال مقابل إصلاحات، مثلا من أجل حكم رشيد ودولة القانون أو مكافحة الفساد. وفي الحقيقة يحصل القليل، لأن الأنظمة لها إمكانية التوجه إلى بلدان مثل الصين أو الإمارات العربية المتحدة التي لا تربط مساعداتها بإصلاحات، بل بالسلوك السياسي المنضبط. وفي العالم العربي تجد أوروبا نفسها أمام تأثير هذين المنافسين. وإلى هذين المنافسين تنضاف روسيا التي ترسل مرتزقة إلى سوريا أو ليبيا ولا تقدم عروض مساعدات اقتصادية. وبخلاف هؤلاء الفاعلين تبقى أوروبا شريكا مستداما. وتتحمل أوروبا في الشرق الأوسط المسؤولية. فعلى هذا النحو تولت الحكومة الألمانية القيادة في الجهود المبذولة من أجل أيجاد حل سياسي للنزاع في ليبيا وتعمل بالاشتراك مع فرنسا والمملكة المتحدة لنزع فتيل النزاع النووي مع إيران. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية حتى تحت قيادة الرئيس الجديد جو بايدن ستتجه بشكل أقوى نحو آسيا والصين، فإن الضغط على أوروبا يزداد للتدخل في جواره المباشر لخدمة تطور مستدام. وليس فقط من خلال إرسال سفن حربية يمكن وقف الهجرة. فذلك يحتاج إلى إصلاحات من أجل مزيد من المشاركة السياسية والاقتصادية التي هي في مصلحة البلدان وكذلك لأوروبا على مدى طويل. لكن منح أوسمة مقابل ذلك يمثل تحفيزا سيئا. هرمان راينر عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! شرارة “الربيع” على يد بائع متجول شاب في عمر الـ 26 سنة، يقرّر الاحتجاج على مصادرة عربة الخضراوات التي كان يعيش منها، لكن رفض المسؤولين الاستماع له قاده إلى إحراق نفسه يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010. توفي لاحقا محمد البوعزيزي متأثرا بالحروق، لكن مدينته سيدي بوزيد تحوّلت إلى شعلة لثورة هائلة هزت كل مناطق تونس وشكلت بداية لاحتجاجات كبيرة في المنطقة العربية. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! نهاية حُكم بالفرار حكم زين العابدين بن علي تونس بقبضة من حديد منذ عام 1987، وتابعته ملفات فساد ضخمة رفقة زوجته ليلى الطرابلسي، لكنه لم يكن يظن أن عام 2011 سيشكل نهاية حكمه بعد فراره من البلد ليلة 14 يناير/كانون الثاني. حاول بن علي أولا إعلان إصلاحات وإقالة عدة وزراء وعدم الترّشح للرئاسة مجددا، لكن ذلك لم ينفعه في وقف الاحتجاجات ليتوجه إلى السعودية حيث بقي لاجئا حتى وفاته عام 2019. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! الاحتجاجات لم تتوقف لم تنجح الحكومات التونسية المتعاقبة في معالجة المشاكل الاجتماعية، فمثلا الذكرى السابعة لهروب بن علي بداية 2018 تزامنت مع احتجاجات واسعة وصلت إلى أعمال عنف ردا على خفض رواتب الموظفين وفرض رواتب جديدة. وتحوّلت الإضرابات والاحتجاجات إلى طقس شبه دائم، وتكررت اقتحامات العاطلين لمقرات حكومية بعد ارتفاع نسب البطالة. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! الانقسام السياسي.. العنوان الأبرز شهدت تونس بسبب الانقسام السياسي الحاد تسعة رؤساء حكومات منذ هروب بن علي. رئيس الحكومة الحالي هو هشام المشيشي وقبله كان إلياس الفخفاخ، وقبلهم جميعا كان أول رئيس حكومة هو محمد الغنوشي. توالت على المنصب شخصيات من تيارات سياسية متنوعة لكن لا حكومة استطاعت وقف التحديات الكبيرة، كارتفاع القروض وعجز الموازنة العامة والاحتقان الاجتماعي، فضلاً عن معاناة البلد من هجمات إرهابية ضربت القطاع السياحي في العمق. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! ثلاثة رؤساء من تيارات متنوعة كان انتخاب المعارض منصف المرزوقي في منصب رئيس الجمهورية نهاية عام 2011 حدثا بالغ الدلالة على تحول تونس، وكان أول رئيس عربي منتخب يسلم السلطة سلميا بعد هزيمته في انتخابات 2014، وكان ذلك للباجي قايد السبسي، الذي استمر رئيسا حتى وفاته في يوليو/أيلول 2019. وبعد مرحلة انتقالية، تمّ انتخاب قيس سعيد (الصورة). ويمثل كل واحد من الرؤساء الثلاثة تيارات فكرية متنوعة. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! ثورة 25 يناير تجبر مبارك على التنحي بعد رحيل بن علي، بدأت الاحتجاجات في مصر ضد نظام حسني مبارك يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، ثم تحولت إلى ثورة عارمة لكنها تميزت بتجمع المتظاهرين في ميدان التحرير وسط القاهرة، حيث بقوا معتصمين حتى إعلان مبارك التنحي عن الحكم يوم 11 فبراير/شباط. من الأسباب التي أدت للثورة، زيادة على الفساد والاستبداد، عنف الشرطة الذي أدى إلى مقتل خالد سعيد. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! خلع مرسي وصعود السيسي كان المخاض السياسي في مصر أصعب من نظيره في تونس نظرا لتدخل الجيش المصري. لذلك لم تشهد البلاد انتخابات رئاسية إلا عام 2013، نجح فيها الإخوان المسلمون، غير أن السخط الشعبي على أداء حكومة الرئيس محمد مرسي فتح المجال للجيش للعودة عبر “انقلاب عسكري”. وبعد انتخابات وُجهت لها عدة انتقادات، تمّ انتخاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي رئيساً عام 2014، وأعيد انتخابه عام 2018. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! انتهاكات حقوق الإنسان بات وضع مصر في مجال حقوق الإنسان أسوأ ممّا كان عليه قبل الثورة المصرية حسب تأكيدات هيئات حقوقية، خاصة السجناء السياسيين وقمع حرية الرأي والتعبير وتنفيذ الإعدام. ابتعد جلّ شباب الثورة عن المشهد، وتم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في قانون الإرهاب، فيما توفي محمد مرسي داخل سجنه، ولاحقا توفي حسني مبارك الذي تمّ إطلاق سراحه عام 2017. عقد على “الربيع العربي”.. ماذا بقي من الثورة في تونس ومصر! تثبيت أركان السيسي أدار السيسي مصر بقبضة من حديد ولم تنجح كل الدعوات في تظاهرات جديدة ضد حكمه وبقي جلّها على الإنترنت. استفاد السيسي بقوة من ملف محاربة الإرهاب وملف اللاجئين لتدعيم علاقته بالغرب وعقد صفقات ضخمة. تتحدث معطيات البنك الدولي عن تحسن نسبي في الوضع الاقتصادي المصري لكن لم ينعكس ذلك كثيرا على الواقع الاجتماعي لمصر ما بعد الثورة.

اقرأ أيضا:  ليبيا: تفاهمات سياسية قبل انطلاق حوار تونس

المصدر