تونس – يشكل الانجذاب الكبير نحو مواقع التواصل الاجتماعي تحديا بالنسبة إلى جمهور الكتاب والقراءة في العالم العربي، خاصة أن أغلب مستخدمي الفضاء الرقمي يقضون أوقاتهم في الدردشة وتناقل المعلومات أو اكتشافات تطبيقات جديدة.
ورغم أن وسائل التواصل كانت وسيلة للتعبير في المجتمعات العربية عن الواقع السياسي والاجتماعي خاصة أعقاب ما عرف بثورات “الربيع العربي”، حيث كانت وسيلة لنقل المواقف والآراء بخصوص ما تعانيه الشعوب من أزمات، إلا أنه يطغى عليها اليوم الجانب الترفيهي والذي كان له تأثير على نسب القراءة التي تشهد تدهورا من فترة إلى أخرى.
مهاب الحبيري: طيلة سنة 2020 تمكنتُ من قراءة 120 كتابا
وأظهر تقرير أصدرته مؤسسة الفكر العربي نشر سابقا، أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنويا بينما لا يتعدى المتوسط العربي 6 دقائق. وحسب إحصاءات منظمة اليونسكو، لا يتجاوز متوسط القراءة الحرة للطفل العربي بضع دقائق في السنة، مقابل 12 ألف دقيقة في الغرب.
وضاعفت أزمة الوباء وما نتج عنها من إجراءات وقائية قادت إلى حجر صحي شامل في أغلب دول العالم من هوس الشباب العربي بوسائل التواصل الاجتماعي، وذلك مع انتشار الفيديوهات الطريفة التي تصور كيفية قضاء أوقاتهم في الحجر. وفي حين حضرت بقوة مختلف التطبيقات الرقمية أثناء الأزمة الصحية، إلا أن الإقبال على الكتاب كان ضعيفا سواء في نسخه التقليدية أو حتى الرقمية.
ورغم أن التعليم عن بعد يعدّ البديل المرتقب في زمن الأوبئة الذي يفرض تباعدا اجتماعيا، إلا أن إقناع جمهور التواصل بالإقبال على القراءة حتى في صيغتها الرقمية يبدو مهمة صعبة في ظل غياب الشغف وهاجس المعرفة، حسب المتابعين.
وفيما يقر المتابعون بأن فقدان الكتاب زخمه في العالم العربي ناجم عن أزمة فكرية وثقافية و”أزمة كتابة” أيضا في ظل تراجع الإنتاج، إلا أن هؤلاء يجمعون على أن وسائل التواصل قد سحبت البساط من جمهور الكتاب، وعليه فإن التحدي الحقيقي هو إقناع وترغيب الشباب بالقراءة في العصر الرقمي وبأدوات رقمية.
وحسب إحصائيات خاصة باستخدام مواقع التواصل في الدول العربية لعام 2020، فإن القاعدة الجماهيرية الأكبر من حيث عدد المستخدمين لهذه المواقع تتراوح ما بين سن 25 و34 عاما. وغالبا ما يكون مجال التسوق والموضة صاحب النصيب الأكبر في معظم الدول العربية، خصوصا على منصات إنستغرام وسنابشات.
سلاح ذو حدين
هواوي تقدم حلولا لتتمكن من قراءة كتابك المفضل دون الحاجة لاصطحابه معك أينما ذهبت، وذلك عبر تطبيق «أبجد» الذي يحتوي على مكتبة إلكترونية ضخمة 
إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تشكل منافسا شرسا للكتاب في العالم العربي بسبب الانجذاب الكبير نحوها، إلا أنه بالوسع التغلب على هذا التحدي من خلال تحويل الفضاء الرقمي إلى مساحة للترويج للقراءة والمطالعة والمعرفة. وهناك تجارب عربية عديدة أثبتت نجاعتها في ذلك.
وفي تونس يقدم الشاب مهاب الحبيري (34 سنة) نموذجا إيجابيا، حيث تمكن من قراءة 120 كتابا طيلة سنة 2020. وأوضح الحبيري في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن “الكتب التي طالعها كانت مختلفة حيث تراوحت بين الروايات والكتب التاريخية والسياسية، كما أنها من دول مختلفة”. كما تمكّن خلال عام 2019 من مطالعة 75 كتابا، وخلال سنة 2018 طالع 50 كتابا.
واعتبر الحبيري أن حبه للمطالعة كان منذ صغر سنّه، سواء من خلال قراءة الكتب أوالجرائد والمجلاّت. وبيّن أن قدرته على تحقيق الرقم القياسي في قراءة الكتب (120 كتابا) تعود بالأساس إلى أوقات الفراغ التي يستغلّها في المطالعة، هذا بالإضافة إلى أزمة الوباء والإجراءات المتخذة للوقاية منه ممّا يسمح بالبقاء أكثر في المنزل، وهذا الأمر مثّل حافزا بالنسبة إليه من أجل المطالعة أكثر.
وفي حين يستغل الكثير من الشباب وسائل التواصل للدردشة، إلا أن الحبيري يؤكد أن هذه الوسائل قد ساعدته في إثراء زاده المعرفي، من خلال المجموعات المختصّة في الحديث عن المطالعة أين يتمكن من الحصول على مقترحات لعناوين كتب، هذا بالإضافة إلى مطالعة كتب رقمية.
ورغم الأرقام المفزعة التي تؤكد حالة العزوف الكبيرة عن القراءة في المنطقة، إلا أنه يمكن استغلال مواقع التواصل في الترويج للقراءة، كما أنها ليست العامل الرئيسي في نسبة العزوف، حسب ما يذهب إليه الخبراء.
مهدي مبروك: قيمة المعرفة والبحث والقراءة متدهورة في مجتمعاتنا
ويرى أستاذ علم الاجتماع مهدي مبروك في حديثه لـ”العرب”، أن “تبرير تراجع القراءة في العالم العربي بسبب المحاميل الرقمية غير دقيق”.
وعلى العكس من ذلك، يشير مبروك إلى أن المجتمعات التي تستعمل المحاميل الرقمية هي الأكثر قراءة مثل الولايات المتحدة وألمانيا، في حين تتراجع القراءة بشكل ملحوظ في المنطقة، لافتا إلى توفر مواقع إلكترونية جيدة تساعد على الاطلاع والمعرفة.
وفي السنوات الماضية، ازدهرت سوق الكتب الإلكترونية في الغرب، حيث شهدت الولايات المتحدة إقبال قرابة 8.5 مليون شاب من البالغين (18 في المئة من السكان) على شراء الكتب الإلكترونية.
واعتبر مبروك أنه من الطبيعي أن تتراجع القراءة في المجتمعات العربية في الوقت الذي تشهد فيه نِسب الأمية ارتفاعا، مشيرا إلى دور التنشئة التي تقود إلى استعمالات هامشية لوسائل التواصل في ظل غياب التوعية، وهو ما يفسر استغلال البعض للإنترنت في البحث العلمي وآخرين للتسلية والترفيه، حسب تعبيره.
ورأى أن “هاجس المعرفة ووساوس البحث الجميلة عادة ما تكون الدافع نحو القراءة”، غير أن هذا الشغف يفتقده كثير من الشباب العربي اليوم. وتابع “قيمة المعرفة والبحث والرواية والأدب متدهورة في مجتمعاتنا وبالتالي لا نجد سببا محفزا على القراءة”.
وبين مبروك أن الاستعمال المكثف للإنترنت ليس السبب الحتمي لتراجع نسب القراءة، بل ما فاقم الأزمة هو “عدم ابتكار وسائل للترويج للكتاب الإلكتروني، إضافة إلى عدم تخصيص مساحة للكتاب في الفضاءات العامة”.
واستنتج أن الحل يكمن في “ابتكار أساليب جديدة لإعادة مصالحة المواطنين مع الكتاب وعدم جعل الإنترنت هي الخصم اللدود”.
ولا تزال خطوات التسويق الإلكتروني في العالم العربي بطيئة وتصطدم بجملة من الصعوبات، حسب ما رصده كتاب “دراسات في الإعلام الإلكتروني”، ومن أبرزها غياب البنية التحتية الضرورية لهذا النوع من التجارة الحديثة، وارتفاع التكلفة المادية للتحول إلى التسويق الإلكتروني، وعدم توافر أجهزة الكمبيوتر لدى نسبة كبيرة من الأسر ذات الدخل المالي المحدود، إضافة إلى عدم تقبل العملاء لفكرة الشراء عبر الإنترنت حيث لم تشهد ثقافة القراءة الإلكترونية رواجا كبيرا، وكذلك نظرا لغياب الثقة في وسائل الدفع الإلكترونية.
ويؤكد الخبراء أن التكنولوجيا تشكل سلاحا ذا حدين، فكما تساهم في إدمان الشباب على مواقع التواصل، توفر أيضا فرصا جيدة لعشاق القراءة.
وعلى سبيل المثال، تقدم هواوي (عملاق الاتصالات الصيني) حلولا رائعة لتتمكن من قراءة كتابك المفضل دون الحاجة لاصطحابه معك أينما ذهبت. ومن بين هذه الحلول ما يوفره أكبر متجر للتطبيقات في العالم، الذي يستخدمه أكثر من 500 مليون مشترك نشط شهريًا من مختلف أنحاء العالم، من تطبيقات ذكية للقراءة وأبرزها تطبيق “أبجد” الذي يحتوي على مكتبة إلكترونية ضخمة تضم كتبًا وقصصًا وروايات ومراجع من أحدث الإصدارات ومن شتّى المجالات، بما فيها علم النفس والفلسفة والبيوغرافيا والسياسة والتاريخ والأديان وتطوير الذات وغيرها من الكتب العالمية المترجمة إلى العربية، إضافة إلى كتب نادرة وأخرى من بين الأكثر رواجًا.
وسبق أن طرحت شركة أمازون الأميركية تطبيق “كيندل كونفرت” الذي يهدف إلى المساعدة في تحويل الكتاب المطبوع إلى رقمي. ويتيح هذا التطبيق تحويل الكتب المطبوعة أو الوثائق إلى كتب رقمية من خلال عملية مسح ضوئي لتلك الكتب ومن ثم حفظها كنسخة رقمية يمكن قراءتها عبر جهاز القارئ الإلكتروني كيندل الذي تنتجه أمازون ذاتها.
مبادرات عربية
العديد من الدول العربية تسعى إلى تحفيز الشباب على القراءة
ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات عربية هدفها إعادة الألق إلى القراءة، كالقيام بمسابقات للتحفيز على القراءة أو الدعاية المكثفة لمعار ض الكتب، أو القيام بمكتبات متنقلة تستهدف أساسا الجمهور التقليدي الذي لا يحبذ القراءة إلكترونيا.
ويعدّ تحدي القراءة العربي الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2015، من أهم المبادرات لرفع الوعي بأهمية اللغة العربية وإعادة إحياء عادة القراءة لدى الطلبة العرب وتكريسها أسلوب حياة وخلق أجيال مثقفة.
وتعمل هذه المبادرة على تشجيع القراءة في المنطقة من خلال التزام كل طالب وطالبة بقراءة خمسين كتاباً خلال كل عام دراسي. وتلاقي المبادرة رواجا واهتماما كبيرين.
وخلال أزمة كورونا، شجعت الإمارات من خلال عدة مبادرات على القراءة الرقمية كبديل عن الفعاليات والأنشطة التي تم إيقافها في إطار الإجراءات الوقائية.
وتحاول الدول العربية مثل المغرب وتونس ولبنان تحفيز الشباب على القراءة، رغم ما تعانيه من صعوبات اقتصادية واجتماعية ألقت بظلالها على الواقع الثقافي.
وفيما يجمع المتابعون على أن عادات القراءة تأثرت في المجتمعات العربية في ظل انتشار وسائل التواصل الحديثة، إلا أن الأرقام الحديثة تشكل مؤشرا إيجابيا، وتكشف أنه بالإمكان توظيف التكنولوجيا لصالح الكتاب ومحبيه رغم الصعوبات.
وكانت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في الإمارات قد أعدت بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريرا عن مؤشر القراءة في العالم العربي، وتوصلت فيه إلى وجود “إقبال ملحوظ من المواطن العربي على القراءة”، حسب ما نقلته تقارير إعلامية.
واحتلت خمس دول عربية مرتبة متقدمة في القراءة، حيث جاء لبنان في المركز الأول تلته مصر ثم المغرب والإمارات وأخيرًا الأردن.

اقرأ أيضا:  اخبار مصر العاجلة - Egypt News : رئيس الحكومة التونسي يدرس مع سفير مصر عقد اللجنة العليا المشتركة

المصدر