- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

يؤسس للإصلاح والديمقراطية والتجارب المقارنة.. الكتاب الأول عن أزمة الإعلام العمومي التونسي

يعاني الإعلام العمومي السمعي منه والبصري في تونس مشكلات كثيرة منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، وظل يتأرجح مترددا بين دوره الدعائي الترويجي الذي اعتاده، وحرية التعبير التي أضحت واقعا، ودوره الذي ينتظره التونسيون للإسهام في إنجاح الانتقال الديمقراطي البطيء والهشّ الذي تعيشه تونس.
وأدّت تلك التحديات إلى أزمة متعددة الأوجه حاول الإعلامي الباحث والخبير الإستراتيجي ماهر عبد الرحمان تقصّيها في كتابه “أزمة السمعي والبصري العمومي في تونس” الصادر عن الدار التونسية للكتاب، وهو كتاب فريد في تشريح الأزمة وبسطها في شموليتها بمنهج علمي واضح ودقيق عبر الوثائق والأمثلة والدراسات المقارنة.
ويعدّ ماهر عبد الرحمان واحدا من أعمدة الإعلام في تونس؛ فهو باحث وخبير معتمد لدى منظمات مهنية عربية ودولية في مجال السمعي والبصري، متخرج في معهد الصحافة وعلوم الأخبار وجامعة ستانفورد الأميركية في الإنتاج التلفزي، وهو صاحب وكالة إنتاج إخباري تتعامل مع عدد من القنوات الأجنبية، فضلا عن عمله في الإذاعة والتلفزة التونسية التي ترأس لسنوات تحرير أخبارها.
كتاب “أزمة السمعي والبصري العمومي في تونس” صدر حديثًا عن الدار التونسية للكتاب (الجزيرة)التأسيس للإصلاح
يمتد هذا الكتاب على 378 صفحة من القطع الكبير، قسمه صاحبه إلى 3 أجزاء كبرى هي: الإعلام السمعي والبصري العمومي في العالم وموقع الإعلام التونسي بالمقارنة، وأسباب أزمة الحوكمة في الإعلام السمعي والبصري العمومي التونسي، ومشروع إستراتيجي لإصلاح مؤسستي الإذاعة والتلفزة الوطنيتين بمقاربة الحوكمة الرشيدة.
وقدّم للكتاب الخبير الإستراتيجي في الإعلام الأستاذ رضا النجار بقوله إن “المرفق الإعلامي العمومي يحتضر، بل إنه قد توفي، وبموته اندثرت القيم. إنها صرخة فزع صحفي محترف، وفي هذا المؤلف النقدي الموثّق توثيقا دالّا على سعة الاطلاع، قدم ماهر عبد الرحمان جردا حقيقيا للقنوات الإذاعية والتلفزية العمومية التونسية، وعرض تشخيصا مؤلما ومرعبا لمدى الانحدار الذي بلغه المرفق العمومي في الإعلام السمعي والبصري، وتردّيه في مهاوي البيروقراطية والزبونية والمحسوبية وعدم المبالاة.”
منهج علمي وإعلامي في أزمة
يقول ماهر عبد الرحمان في مقدمة الكتاب وأسباب تأليفه إن “الإعلام السمعي والبصري العمومي في تونس دخل مرحلة خطرة من العجز لم يقدر معها على مسايرة المرحلة التاريخية الجديدة للبلاد في عهدها الديمقراطي، وفشل في أن يكون القاطرة المكرّسة لحرية التعبير والنبراس الذي يضيء الطريق لتوعية الجمهور بحقوقه وواجباته وتوحيده حول قيم وأهداف مشتركة، وأن يوفر لهذا الجمهور إعلاما نزيها ومحايدا مبنيّا على المهنية وأخلاقيات المهنة، وأن يقوم بدور المُسائل للسُّلَط باسم هذا الجمهور، صاحب السيادة على أرضه وأملاكه العمومية”.
ويرجع الباحث تلك الأزمة إلى افتقار هذا الإعلام إلى كل المقومات القانونية والتنظيمية والوظيفية للخروج من طبيعة عمله السابق، ويرى أن الدولة عجزت عن إصلاح تلك الهياكل التابعة لها ووضع أهداف لها تتماشى مع “العهد الجديد للبلاد”، مما دفع بالإعلام العمومي اليوم إلى أن يكون في موضع “الموت السريري”.
ومن ثمّ فالكتاب يسعى إلى وصف الأزمة وتشخيصها، ويبقى السؤال: لماذا اختار الباحث ألا يرفق العنوان بعبارة إصلاح واكتفى بكلمة أزمة؟ مع أن قسما مهما من الكتاب تضمّن إستراتيجيات الإصلاح ومقترحات عملية لذلك!
على الأرجح أن الكاتب كان همّه لفت الانتباه إلى خطورة الوضع، وإلى أن الوعي بالخطر أول الطرق إلى الإصلاح، لذلك غيّب كلمة إصلاح من العنوان، كما يمكن تأويل الأمر بأن الحديث العميق عن الأزمة متضمن في حد ذاته مقترحا للإصلاح، لكننا لا نملك أن نغفل عن نبرة اليأس في شكل من أشكال التفجع التي أكدها الأستاذ رضا النجار في كلمته على غلاف الكتاب عندما قال إن الإعلام العمومي “توفي”.

تونس والتجارب المقارنة
من الموضوعات المهمة التي تناولها الكتاب إلى جانب المسائل التقنية والبيروقراطية مسألة حريات التعبير التي يرى المؤلف أنها الشيء الوحيد الذي يجمع عليه المتابعين للشأن التونسي والتونسيين أنفسهم، الذي تحقق من أهداف الثورة، وعليه تأسس الدستور التونسي الجديد عام 2014.
وقدم الباحث تجارب أجنبية منها الإعلام البريطاني والإعلام الأميركي والإعلام الفرنسي والإيطالي وأسباب نجاحه، ورأى أنه “لا يمكن للإعلام العمومي أن ينجح في مهماته إلا إذا كان متجذّرا في مجتمعه مرتبطا به، وناطقا باسمه راعيا له، وآخذا بيده” عن طريق ثقافة المشاركة المواطنية والمجتمع المدني، ودعم حقوق الإنسان، وتسليط الضوء على الانتهاكات، ونشر الوعي بقيم هذه الحقوق، وتكريس سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وإقرار الشفافية، والاجتهاد للوصول إلى المعلومة، والإسهام في الحد من الفقر بتوفير فرص أمام الفقراء للوصول إلى وسائل الإعلام، ومنحهم إمكانية التعبير عن آرائهم ومساعدتهم عبر برامج تعليمية وصحية. وتحدّد هذه الأهداف في كراس شروط ومهام الإعلام العمومي بالدول الأوروبية وهو ما يفتقده الإعلام العمومي التونسي.
وبيّن الباحث أن أهم خطأ ارتكبته وسائل الإعلام العمومي هو محاكاتها للإعلام الخاص فيقول “إن الخطأ الشائع، بل القاتل أحيانا هو أن تسعى مؤسسات الإذاعة والتلفزة في القطاع العمومي إلى محاكاة برامج القنوات الخاصة للدخول معها في منافسة من أجل كسب الجمهور. فالأهداف البرامجية للقنوات العمومية تختلف تماما عن نظيرتها الخاصة”. فالدولة هي التي تموّل المضامين في القطاع العمومي الذي ليس مطالبا بالربح اقتصاديا، بل مهمته بناء الإنسان التونسي عن طريق تكريس التعددية وثقافة المواطنة وإتاحة الثقافة والعلوم والرياضة ورعاية الشباب، وكل هذا ترتكز عليه مؤسسات الإعلام العمومي الغربي محل المقارنة.
ويشير الباحث إلى معضلة كبرى متعلقة بالبيروقراطية التي يتخبط فيها الإعلام العمومي والتي كانت سببا في تعطل مساره وشلله في بعض الأحيان.
فمؤسسة مثل مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية التي أُسست سنة 1938-1966 لا تزال تعمل بوظائف النظام الفرنسي نفسها لكن بالنظام الفرنسي في عهد الرئيس الجنرال ديغول رئيس الجمهورية 1959-1969، فهي مراقبة من السلطة وخادمة لها “فبورقيبة كان يعدّها تلفزته وإذاعته، وكان بورقيبة وخلفه بن علي هما اللذان يعيّنان المديرين العامين لمؤسسة الإذاعة والتلفزة ومديري القنوات”. وحتى في الفصل بين المؤسستين فقد حاكى النظام التونسي النظام الفرنسي، وهي محاكاة خاطئة كما يقول الباحث لأن القرار الفرنسي كان لأسباب موضوعية خاصة بإفلاس القطاع العمومي وانتشار الإذاعات الخاصة والقراصنة وتراكم الديون على الإذاعة.

إن الثورة لم تأت بتحرير الإعلام بسهولة؛ فالقناة التي جنّدت للدعاية السياسية لنظام بن علي “لا يمكنها التحول بين ليلة وضحاها من قسم أخبار يتلقى المسؤولون عنه التعليمات من كل الجهات، إلى قسم يسيّره الصحفيون بمفردهم وتخضع فيه التغطية والتناول الإخباري للتشاور”، كما يجيب حمادي الغيداوي رئيس التحرير السابق لأخبار القناة الوطنية الباحث ماهر عبد الرحمان.
وشهدت المؤسستان عددا من الخلافات الداخلية وتحويرات كبيرة وكثيرة دون وضع إستراتيجية إصلاح واضحة أو مشروع إصلاحي مؤسس للقطيعة مع العمل القديم وفق أهداف معلومة. بل شهدت المراحل الأولى اعتداء على الصحفيين، واتهموا بأنهم مناصرون للثورة المضادة إلى جانب الاعتصامات التي كانت أمام التلفزة، والمطالبة ببيعها والتخلص منها، ودخلت التلفزية في تجاذب الأحزاب والسلطات وكثرت أخطاؤها.
وهذا الاهتزاز النفسي الصعب كما وصفه الباحث أدى إلى ضعف المؤسسة واختراقها “للتدخل التدريجي في عمل الإعلام السمعي والبصري العمومي والتأثير في الخط التحريري”.
ويتوقف الكتاب عند تجربة وكالة النهوض بالإنتاج السمعي البصري، ولئن كانت نجحت في إنتاج مادة إخبارية ودرامية وسينمائية محترمة فإنها فشلت في ترويجها في الخارج، ودخلت في أزمة إدارية إذ أنهى الفساد التجربة بعد اختراق المؤسسة من شركات تستمد نفوذها من ولائها للسلطة، لتستولي على الإشهار فأفلست المؤسسة.
ويمتد البحث ليشمل الإذاعات المتخصصة والجهوية، من الإذاعة الثقافية إلى الشباب إلى بانوراما والإذاعة الناطقة بالفرنسية والوطنية، ليؤكد الباحث أن ضعف الأداء نتيجة ضبابية الرؤية وغياب الابتكار الذي قد يرجع جزء مهم منه إلى الميزانيات البسيطة التي تسند إليها، وإلى عجز هذه الإذاعات عن مواكبة المتغيرات التي يشهدها الإعلام في العالم.
 المقترح الإصلاحي
ويقدم الباحث مجموعة من الاقتراحات لإنقاذ الإعلام العمومي على المستوى الإداري والعملي، وتحديد الأهداف وإعادة ضخّ دماء جديدة له تخرجه من حالة الاحتضار وتنعشه من جديد للاضطلاع بدوره الإستراتيجي في مرحلة الانتقال الديمقراطي.
فالإعلام حسب رأيه يحتاج إلى “مراجعة كاملة لنصوصه الترتيبية، واعتماد حوكمة رشيدة لإعادة تنظيمه بالكامل”، ليتأقلم مع راهن الرقمنة ويقوم بدوره الأساسي؛ فقد وجد من أجل “توحيد المواطنين حول قيم مشتركة وأهداف وطنية لبناء المستقبل، والمساعدة على تكريس هوية وطنية متماسكة”، إلى جانب دوره في التعليم و التثقيف والإعلام النزيه والترفيه. كما ينبغي أن يضطلع بدوره في تكريس مبادئ “حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر”، كما نص على ذلك الدستور.
وينهي الباحث عمله بتأكيد أن “الإعلام في أي بلد من البلدان هو صورة مجتمعه، ولا يمكن أن يبقى متخلفا إن كانت الدولة والمجتمع متطورين”، ومن هنا جاءت الحاجة إلى إصلاحه ليتلاءم مع الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 .
غير أن وضعه اليوم وما يبدو عليه من الهشاشة هو أيضا متناغم تماما مع الوضع الهشّ للديمقراطية الناشئة، وهو مثال على كل المؤسسات العمومية الأخرى التي تعيش حالة من الترنّح، وفي حاجة عاجلة إلى تفكيكها وإعادة تشكيلها وفق الواقع الجديد.

المصدر

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد