- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

أزمة الشرعية في مصر  بين الديمقراطية وإمامة المتغلب

أزمة الشرعية في مصر  بين الديمقراطية وإمامة المتغلب

تحت الغبار الكثيف من المعارك المفتعلة في الفضاء العربي، وهذه الحروب المركبة والمعقده،  في ظل افتقاد معظم النظم العربية لأي شرعية معتبرة على النحو الذي ذكرناه؛ فإن هناك معركة حقيقية تدور رحاها في الأفنية الخلفية من الحرب المستعرة، هي الحرب الفكرية بين أطروحتي الديمقراطية وإمامة المتغلب.

فمعظم النظم العربية انتزعت السلطة غصبا، ولإضفاء شي من مسحة دينية على هذه الإجرءات الشاذة اعتمدوا على مقولات فقهية تؤمن بأطروحات “الإمام المتغلب” وهو الحاكم الذي يضع يده على السلطة بقوة الشكيمة والسلاح ويفرض نفسه على الجميع بسحق خصومه والمنافسين له على السلطة؛ وعندما ننظر بشكل أكثر عمقا إلى طبيعة الصراعات الدائرة في البلاد العربية، سنجد أنها بين قوى شعبية ثورية تؤمن بسيادة الأمة وحقها في اختيار حكامها وخلعهم إذا أساءوا وفق آليات دستورية تستند إلى مبادئ الإسلام وقواعد الديمقراطية الحديثة، ونظم ومافياوات تمكنت من انتزاع السلطة لحسابها بأدوات القوة والقهر والقمع الأمني.

الثورة المصرية أرادت حكما ديمقراطيا رشيدا تكون السيادة فيه للشعب وليس للأجهزة؛ وجرى انتخاب الرئيس والبرلمان وسن دستور بمشاركة شعبية جارفة؛ فجرى الانقلاب على كل ذلك بقوة السلاح والجيش والقهر والقمع الأمني. نفس الأمر في سوريا التي يريد شعبها أن يحيا في ظل نظام منتخب بإرادة الشعب الحرة، فجرى سحق الثورة والثوار وسط تواطؤ دولي مفضوح، واليوم نفس الأمر يتكرر في ليبيا واليمن وتونس؛ فبينما تريد قوى الثورة تسوية سياسية للأزمة تضمن إقامة نظام ديمقراطي تعددي يحتوي الجميع باعتبارهم مواطنين أسوياء أمام القانون، وتداولا سلميا للسلطة فلا يحكم إلا من ينتخبه الشعب بحرية وشفافية ونزاهة، فإن تحالف الثورات المضادة لا يؤمن إلا بمقولة “الإمام المتغلب” ويريد أن يفرض على الشعبين الليبي واليمني جنرالا عسكريا يحكم البلاد بالحديد والنار!

هو ـإذا ـ صراع بين المؤمنين بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وسيادة الشعب (معسكر الثورة)، والمؤمنين بمقولات الإمام المتغلب وحكم الجنرالات القمعي وسيادة الأجهزة وقهر الشعوب بأدوات القمع المعروفة(معسكر النظم). ومن دواعي الأسى والأسف أن الحكومات الغربية التي تتباهى برفع لواء الديمقراطية هي أول من يتواطؤ مع معسكر النظم وتدعمها بكل أدوات الدعم التي تمكنها من حسم الصراع وفرض نظم مستبدة على شعوبنا العربية المقهورة. وحتى الأحزاب العربية العلمانية التي طالما تغنت بالديمقراطية ومزاياها خلال العقود الماضية، سقط معظمها في أول اختبار جاد، وانحازت بكل سفور وصفاقة لمعسكر النظم والانقلابات على حساب معسكر الثورة المؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

«الإمام المتغلب»

ومقولات «الإمام المتغلب»، فكرة رائجة في الفقه الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية قديما وحديثا والتي تنادي بإقرار شرعية الحكم القائم على القوة والغلبة، بمعنى أن من استولى على الخلافة أو الحكم والإمارة بقوة السيف والسلاح، حتى قهر خصومه واستولى على البلاد وسلّم له العباد، فهو إمام شرعي تجب طاعته ولا تجوز معصيته ولا الخروج عليه. وهي المقولة التي تذرع بها محسوبون على الإسلاميين (الرسلانية الجامية والسلفية البرهامية) من الذين والوا انقلاب الطاعية عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي في يوليو 2013م. كما تذرع به علمانيون غمزا ولمزا في الإسلام ذاته؛ لكن الفريقين من الإسلاميين الرسلانيين والبرهاميين والعلمانيين من الليبراليين واليساريين والقوميين الذين أيدوا الانقلاب لم يدركوا حقائق مهمة عن هذه المقولات حول فكرة “الإمام المتغلب” في الفقه الإسلامي.

أولا، هذه المقولات ــ وفقا للدكتور أحمد الريسوني الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ــ هي مجرد آراء فقهية أفتى بها علماء سابقون، وبالتالي فهي مجرد آراء يؤخذ منها ويرد، ويمكن تجاوزها ورفضها، وليست نصوصا من القرآن والسنة حتى يمكن عزوها إلى الإسلام ذاته.

ثانيا، الإسلام لم ينص على مشروعية هذه الطريقة (الإمام المتغلب) في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقر وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين.

ثالثا، المسلك الشرعي المنصوص عليه والمأمور به في باب السياسة وتولي الحكم، وفي باب تدبير الشؤون العامة هو مسلك الشورى وما تسفر عنه من قرار واختيار، وهو الذي قال الله تعالى فيه وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38]. فما جاء عن طريق الشورى ومؤسساتها، من اختيار وتولية وبيعة، أو من عزل وإعفاء وإلغاء، أو من “حل وعقد” فهو شرعي ومشروع، وهو من الإسلام وإليه، لكونه مأمورا به في القرآن والسنة، ومعمولا به في سنة الخلفاء الراشدين. وقد كان أول تطبيق لمسلك الشورى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التشاور في اختيار خليفة له من بعده، فكان بذلك اختيار أبي بكر وبيعته إماما للمسلمين، وهكذا مضت الأمور على عهد بقية الخلفاء الراشدين: الشورى والاختيار، ولو بأساليب وأشكال متنوعة. وبناء عليه فإن الطريقة الشرعية الوحيدة التي جاء بها الإسلام ونص عليها -لتولي الحكم وانتقاله وتدبير أموره- هي: الشورى والاختيار، مع ترك الطرق والوسائل التفصيلية المعتمدة في ذلك للاجتهاد والتشاور والمراجعة.

رابعا، حتى الفقهاء الذين قالوا بإمامة المتغلب فإنهم لم يقصدوا أبدا شرعنة غصب الخلافة والسلطة بالقوة، ولكنهم قصدوا بها النظم التي تأسست بالفعل بغير الطرق الشرعية “الشوري” وقد استتب الأمر لها، وبطلان إمامة هؤلاء الحكام في هذه الحالة ربما يفضي إلى فتنة كبرى وفساد مصالح العباد والبلاد.

خامسا، وضع الفقهاء الذين قالوا بإمامة المتغلب شروطا لقبولهم بهذا الشكل من الحكم، منها أن يكون تغلبه واقعا ضد حاكم متغلب، أما حاكم جاء ببيعة أو عهد، وما زال حكمه قائما فلا تنعقد إمامة المتغلب عليه (انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني الشافعي5/423). وأن يكون الزعيم المتغلب ذا أهلية في ذاته لتولي المنصب، فلا يكون فاسقا ولا ظالما. وأن يستتب له الأمر، لا أن يكون باقيا في طور التجاذب والتنازع ما بين مؤيد له ومؤيد لغيره. وأن يبادر إلى إقامة العدل والحكم بالشرع، إذ بدون تحقيقه هذين الغرضين لا حاجة إليه أصلا.

واليوم، في ظل شيوع الدساتير والمؤسسات، ويسر تنظيم الاستفتاءات والانتخابات ــ شرط أن تكون نزيهة وتحظى بإجماع شعبي دون إقصاء لأحد- قد فقدت مقولات “الإمام المتغلب” كل مسوغ لبقائها، بل هي اليوم تعد أسوأ من الرق والقرصنة، لأن الرق والقرصنة كانا يصيبان أفرادا وأطرافا من المجتمعات، أما الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة وبدون ضرورة ملجئة فهو استرقاق للأمم وقرصنة للدول. وبالتالي فإن اغتصاب الحكم بقوة السلاح والانقلاب باطل بطلانا أبديا إلا إذا كان الانقلاب سيجري على انقلاب سابق شاع في عهده الظلم والفساد بما يهدد البلاد وأمنها القومي، بشرط أن يجري تسليم السلطة لحكومة منتخبة بإرادة الشعب الحرة، فهذه هي الصورة الوحيدة من “إمامة المتغلب” التي يمكن القبول بها ما دامت ستعيد السيادة للشعب واختياره الحر.

- الإعلانات -

#أزمة #الشرعية #في #مصر #بين #الديمقراطية #وإمامة #المتغلب

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد