- الإعلانات -
أزمة تونس: ما انعكاسها على دول المغرب؟

منذ 5 ساعات
حجم الخط
- الإعلانات -
من سيهون الأمر سيرى الأزمة السياسية الحالية في تونس سحابة صيف عابرة. أما من سينظر للآثار التي قد تتركها على دول الجوار الإقليمي بالذات، في حال استفحالها وتوسعها، فسيعتبرها بلا شك أبعد من أن تكون كذلك. وفي الحالتين فإن السؤال الأهم هو: ما الذي سيفعله المغاربيون عموما مع ما يعد حتى الآن أزمة داخلية فحسب في تونس؟هل يرغبون أو يقدرون على التدخل ولو في بعض فصولها وأطوارها؟ وهل يملكون من بعد النظر ما يجعلهم ينتبهون إلى أنهم سيكونون مطالبين، إن أرادوا تحصين دولهم، أن يبادروا لإطفاء الحريق الذي أوشك على الاشتعال في جارتهم، لأن ألسنة اللهب إن اضطرمت بالقرب منهم، فلن يكون مؤكدا بعدها أنها لن تمتد نحوهم؟ أم هل يفضلون متابعة الوضع من بعيد والتهيؤ في أقصى الأحوال لاحتواء أي ارتدادات محتملة له عليهم؟منذ عقد ما يكاد يخفت الحديث عن استثناء تونس وفرادتها في الإقليم، إلا ليعود من جديد على شكل تساؤلات حارقة ومعلقة، عن مصير تجربتها وقدرتها على الصمود أمام ما تواجهه من مخاطر وضغوط جمة، وما تعيشه من هزات واضطرابات وتوترات عنيفة، مرات تجعل من فرضية انزلاقها إلى المجهول ترجح على باقي الفرضيات. لكن حتى إن اختصر البعض أزمتها السياسية الحالية، أو قدمها فقط على أنها اختلاف حاد بين رؤوس الحكم الثلاثة على فهم طبيعة النظام السياسي الحالي، أو حتى إن اعتبرها آخرون صراعا مفتوحا بين هؤلاء على تقاسم كعكة السلطة، فإن أبعادها الخارجية باتت لا تخفى. ولا يتعلق الأمر فقط بانخراط قوى إقليمية ودولية بشكل فعلي في تلك الصراعات، ومحاولاتها إدارة الدفة في اتجاه من الاتجاهات، بل أيضا في الترابط الوثيق بين ما يستجد داخل تونس، وما يتفاعل في محيطها القريب. فكيف ستتصرف العواصم القريبة من العاصمة التونسية مثلا مع أزمتها الحالية، إن وصلت لأفق مسدود، أو إن خرجت الأوضاع فيها تماما عن السيطرة، وانهارت التجربة الديمقراطية الفريدة في الشمال الافريقي وسقطت لسبب ما؟ وكيف ستكون في تلك الحالة ردود فعلها؟ لن يجزم أحد بأن كل شيء سيظل وقتها على حاله، وأنه لن يكون لذلك الأمر تبعات أو ارتدادات ملحوظة على المنطقة المغاربية بأسرها. ومع أنه قد يكون من المبكر جدا أن يطرح الجزائريون، أو الليبيون، او حتى المغاربة والموريتانيون الآن على أنفسهم سؤالا مثل ذلك، إلا أنه سيكون من المستبعد جدا أن لا تكون دولهم قد وضعت في حساباتها، وبنسبة معقولة حدوث احتمال مثل ذلك.
إن اختصر البعض أزمة تونس الحالية، بأنها اختلاف بين رؤوس الحكم الثلاثة وصراع على تقاسم كعكة السلطة، فإن أبعادها الخارجية باتت لا تخفى
لقد اعتادوا على مدى السنوات العشر الأخيرة على حصول اضطرابات وهزات وتوترات في جارتهم الصغيرة، وظلوا مع ذلك قادرين في كل مرة على التعامل معها بهدوء وبرود، واستطاعوا وبدرجات أن يحدوا من سرعة تمددها وانتقالها إلى دولهم، ويضعفوا من انتشارها وتسربها إليهم بشكل ملحوظ، لكن إلى متى تسلم الجرة؟ وهل سيأتي اليوم الذي تفلت فيه الأمور تماما لتسقط تونس ـ لا سمح الله ـ في أتون فوضى مجهولة العواقب لن يكون بوسع أحد من الجيران أن يتفادى تداعياتها وآثارها المباشرة عليه؟ ليس سهلا على التونسيين أنفسهم أن يتوقعوا أو يتخيلوا مثل ذلك السيناريو الكارثي، حتى إن كانوا غير قادرين الآن على أن يفهموا تماما ما الذي يجري في بلدهم. لكن بغض النظر عن قدرة الرئاسات التونسية الثلاث على تجاوز الأزمة السياسية والدستورية، التي تعمقت برفض الرئيس قيس سعيد قبول الوزراء الجدد الذين عينهم رئيس الحكومة، وصادق البرلمان على تسميتهم ليؤدوا اليمين الدستورية أمامه، فإن تفاعل بعض دول الجوار مع أنباء محاولة تسميمه، كشفت بشكل ما عن تداخل وتشابك واضح بين ما قد يكون الوجه الضيق لتلك الأزمة، التي جاءت أنباء محاولة التسميم في سياقها وبعدها الإقليمي الواسع. والدليل هو ما خلفته المكالمة الهاتفية التي جرت مساء الأربعاء الماضي، حسب ما أعلن عنه في الجزائر وتونس، بين الرئيسين سعيد وتبون من نقاط استفهام عديدة في تونس. فلئن صار من المعتاد أن يتخاطب الرئيسان بشكل متواتر، وأن يتحدث البعض عن علاقة خاصة ووثيقة باتت تجمعهما، فإن الغريب في الأمر أن يأتي أول تأكيد رسمي للمعلومة التي ظهرت على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، ثم في على قناة تلفزيونية محلية، وأفادت بتعرض الرئيس سعيد لمحاولة تسميم، لا من خلال بيان رسمي للرئاسة التونسية، بل عبر بيان من الرئاسة الجزائرية تقول فيه إن «رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أجرى مساء الاربعاء مكالمة هاتفية مع أخيه رئيس الجمهورية التونسية السيد قيس سعيد للاطمئنان على وضعه، بعد نبأ محاولة تسميمه. وقد حمد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون الله على سلامة شقيقه الرئيس قيس سعيد بعد أن طمأنه على صحته». لقد جعل ذلك كثيرا من التونسيين يتساءلون عن المغزى من وراء مسارعة الجزائريين تأكيد خبر لم تثبته السلطات التونسية بعد بشكل رسمي، وهل إن الغاية من ذلك كانت أن ترسل الجزائر إشارة رمزية قوية بأنها تقف مع الرئيس سعيد في المعركة الداخلية التي يخوضها مع خصومه السياسيين؟ إن التقارب الواضح بين رئيسيها وتوطد علاقاتها بمختلف أطياف المشهد السياسي التونسي، جعلها وبلا شك في موقع متقدم بالمقارنة مع باقي الدول المغاربية للتعامل مع الأزمة التونسية، لكن ما الذي تفكر به الشقيقة الكبرى وما الذي تريده لجارتها الشرقية بالضبط؟ سيكون من غير المعقول أن يصب أي انفلات محتمل للأوضاع فيها في مصالحها. فهي معنية بالحفاظ على الهدوء على حدودها الشرقية، في وقت تشهد فيه حدودها الغربية نوعا من التوتر وتعرف فيه حدودها الجنوبية حالة من عدم الاستقرار. السؤال هنا هو هل أنها ستسعى لخفض منسوب التوتر الداخلي، من خلال استخدام علاقاتها الجيدة بمختلف الأطراف؟ أم انها ستدعم طرفا على حساب الآخر، وسيكون الرئيس التونسي في تلك الحالة هو حصانها الرابح؟ والأهم إقليميا هل أنها ستقدم في هذا الظرف بالذات على انتزاع مواقف دبلوماسية من جارتها الصغرى، تتقاطع مع تصورها ورؤيتها لبعض القضايا كالنزاع الصحراوي مثلا؟ربما سيكون من الصعب توقع شيء من ذلك، ففضلا عن تعقد عملية صنع القرار السياسي في تونس، فإن عدم تعليق باقي الدول المغاربية على التطورات الأخيرة عدا المكالمة التي أجراها رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج مع قيس سعيد يوما بعد الإعلان عن مكالمة تبون «للتعبير عن تضامنه مع تونس وشعبها» كما جاء في البيان الرسمي للرئاسة، لا يعني أن تلك الدول لا تنظر باهتمام بالغ لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع هناك. ولأجل ذلك فإن أسبقية أي طرف مغاربي قد لا تعني بالضرورة أنه سيكون في طريق مفتوح للإسهام في حل الأزمة، ولا حتى لتعميقها والاستفادة منها.كاتب وصحافي من تونس
- الإعلانات -
