- الإعلانات -
أسامة عبد الفتاح يكتب: ريا وسكينة.. الفن من رحم الدم – الهيئة المصرية العامة للكتاب الموقع الإخباري الرسمي

- الإعلانات -

يدين المثقفون لعشرينات القرن الماضى بمولد الليبرالية المصرية، لكن البسطاء يعرفونها فترة فقر ومعاناة، بل جوع، بسبب تداعيات ونتائج الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، التى أدت إلى ركود الأسواق وارتفاع الأسعار والقضاء على فرص العمل، وخروج المظاهرات المطالبة بالعمل والطعام بعد دخول البلاد فى شبه مجاعة.
لم تكن الإسكندرية استثناء، وشهدت موجات متتالية من تلك المظاهرات فى بدايات العِقد، كما شهدت موجات من الهجرة الداخلية من أهل الصعيد الساعين لمعيشة أكثر كرامة وأقل خشونة، ومن بينهم «آل همام»، المكونين من ريا وسكينة على همام، وزوجيهما حسب الله سعيد ومحمد عبد العال على الترتيب، والذين انضم لهم فى الثغر كل من عرابى حسان وعبد الرازق يوسف لتشكيل أشهر وأخطر عصابة إجرامية على الإطلاق فى تاريخ مصر.
اتحد الفقر والجوع مع عمل الرجال الأربعة فى «السلطة»، أى فى الخطوط الخلفية للجيش البريطانى أثناء الحرب، لتكوين قلوب من حجر قتلت بدم بارد 17 امرأة خلال أقل من عام (من 20 ديسمبر 1919 إلى 12 نوفمبر 1920) للاستيلاء على بعض المشغولات الذهبية وبعض الجنيهات.. فقد أصاب «الشغل فى السلطة» الرجال الأربعة بالبلادة، وجعل مناظر الدم والموت عادية ويومية بالنسبة لهم، ونزع من صدورهم أى إحساس إلا بالرغبة فى الحصول على المال والطعام بأى طريقة.
الغريب أن تلك الجرائم الدموية هى أكثر الوقائع التاريخية المصرية التى ألهمت أهل الفن بصناعة أعمال فنية، فقد أنتج المصريون أكثر من عشرة أعمال سينمائية ومسرحية وتليفزيونية عن الشقيقتين وعصابتهما، فضلا عن المسلسلات الإذاعية.. والأكثر غرابة أن بعض هذه الأعمال كوميدية، مثل فيلمى «إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة» (1955) للمخرج حمادة عبد الوهاب، و«ريا وسكينة» للمخرج أحمد فؤاد (1983)، ومسرحية «ريا وسكينة» للمخرج حسين كمال عام 1982.
ويظل مسلسل «ريا وسكينة»، وهو من إنتاج عام 2005، وقائم على كتاب «رجال ريا وسكينة» للكاتب الصحفى والمؤرخ الراحل صلاح عيسى (14 أكتوبر 1939 – 25 ديسمبر 2017)، سيناريو وحوار مصطفى محرم، تمثيل عبلة كامل وسمية الخشاب وسامى العدل ورياض الخولى وصلاح عبد الله وأحمد ماهر، وإخراج جمال عبد الحميد، أفضل عمل فنى خرج من رحم كل هذه الدماء لأن أحداثه هى الأقرب للحقيقة وللوقائع المثبتة تاريخيًا، وما جرى من حوادث بشعة فى حوارى حى اللبان بالإسكندرية قبل مائة عام.
ويعود ذلك إلى التزام مصطفى محرم، إلى حد كبير، بكتاب صلاح عيسى، والأخير – بدوره – أدق وأهم وثيقة عن الجرائم الشهيرة التى صدرت عنها العديد من الكتب والدراسات، لأنه – ببساطة – اعتمد على المستندات الأصلية للقضية المودعة فى المركز القومى للدراسات القضائية.
ورغم أن السيناريو كان وفيا للكتاب وكان من أهم أسباب نجاح المسلسل، إلا أننى آخذ عليه استغراقه وقتًا طويلًا حتى دخوله فى صلب الأحداث، فلم تبدأ وقائع تشكيل العصابة وتنفيذ جرائم القتل إلا بعد انتصاف الحلقات الثلاثين، فيما تم استهلاك نصفه الأول – أكثر من اللازم – فى حكايات الشقيقتين وعائلتهما بالصعيد، وانتقالهما منه إلى طنطا ثم إلى الإسكندرية.
أما أكبر عيوب المسلسل، والذى يتحمل المخرج مسئوليته بشكل أساسى ومن بعده شركة الإنتاج، فهو عدم التعبير عن مناخ الفترة الزمنية، إلى درجة أنه يمكن وضع لافتة أى عام غير 1920 ولن يتغير شيء، رغم أن الكتاب به بانوراما كاملة للعصر، وتم بناؤه على أساس أن يضع القراء أياديهم على الأسباب والظروف التاريخية والاجتماعية التى أدت لظهور هؤلاء القتلة، وعلى المناخ السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى كان سائدًا فى مصر فى أوائل القرن العشرين.. لكن صناع المسلسل لم يستفيدوا من هذه البانوراما، وانشغلوا بالحواديت التى تمت روايتها بالجمل الحوارية واللقطات الكبيرة والقريبة لوجوه الممثلين فقط دون عمق تاريخي، ودون رؤية درامية للعصر.
وإذا كان المخرج يتحمل جزءًا كبيرًا من المسئولية لأن عمله الأساسى هو النقل الأمين والعميق لروح وأجواء النص المكتوب وليس التقطيع واستخدام عدسات وزوايا الكاميرا فقط، فإن الإنتاج يتحمل جزءًا من تلك المسئولية هو الآخر لأنه من الواضح أنه لم يوفر الميزانية الكافية للتصوير الخارجى على سبيل المثال وتنفيذ المشاهد الصعبة والمكلفة مثل مشاهد المظاهرات الشعبية الضخمة التى خرجت فى ذلك الوقت.
ويبقى كتاب صلاح عيسى، الذى صدرت طبعته الأولى عام 2002 عن دار «الأحمدى» للنشر، وأصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعته الثانية عام 2006 ضمن سلسلة «مكتبة الأسرة»، أدق وأفيد وأكثر شمولًا، كما أنه – للأمانة – أمتع فى التلقى بفضل أسلوب عيسى الروائى فى كتابته وبنائه مع الحفاظ الكامل على الأمانة التاريخية.. فإلى جانب التوثيق والتدقيق إلى أقصى درجة وإلى أبعد نقطة، كان يحرص على صياغة ما يدققه بشكل أدبى روائى، وفق بناء فنى بديع ليس فيه، رغم ذلك، سطر واحد من الخيال.. وحين كان عليه – كما قال – أن يستنتج أو يفسر، أو أن يرجح رواية على أخرى، كان يشير إلى ذلك بوضوح لا يحتمل اللبس.
*المقال منشور بجريدة القاهرة
#أسامة #عبد #الفتاح #يكتب #ريا #وسكينة #الفن #من #رحم #الدم #الهيئة #المصرية #العامة #للكتاب #الموقع #الإخباري #الرسمي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
