- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

أمريكا «الدولة المارقة» التي لا تكف عن التدخل في الشؤون السيادية للدول | القدس العربي

مواثيق الأمم المتحدة والمرجعية الدولية تؤكّد أن أي انتهاك لمبدأ عدم التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية والخارجية للدول، يشكل تهديداً لحرية الشعوب ولسيادة الدول واستقلالها السياسي ولسلامتها الإقليمية، وتهديداً لتنميتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعرض أيضاً السلم والأمن الدوليين للخطر. وإذ تؤكد الجمعية العامة، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، أنه لا يحق لأي دولة أن تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر، ولأي سبب كان، في الشؤون الداخلية والخارجية لأي دولة أخرى.
مع ذلك عقدة أمريكا وأتباعها من الأوروبيين في حشر أنوفهم في ما لا يعنيهم من شؤون داخلية للدول الأخرى، لا تزال ترافقهم على نحو مرضي مزمن رديفه عقدة البحث الدائم عن عدو لتمرير أجنداتهم الخارجية الخبيثة.
خلقوا العدو الشيوعي، ثم وضعوا إثر أحداث سبتمبر الإسلام والمسلمين أعداء جددا، وربطوا ذلك بما يسمى الحرب على الإرهاب. ولا تزال واشنطن رغم كل المتغيرات الحاصلة في العالم على نحو جيوستراتيجي قلب معادلة عالم الأحادية نحو خلق تكتلات عالمية كبرى في مقدمتها روسيا والصين، تعتقد أنّها تقود العالم كما كان الأمر في العقدين الماضيين، وباسم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، هم ماضون إلى الآن في خلق مبررات التخريب، وتفجير الدول من الداخل عبر المجموعات التخريبية والإرهابية، التي تعد من صناعة مخابراتهم بشهادة مسؤوليهم أنفسهم على غرار وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. ويعتقدون حتى الآن أنّ ما سمّوها الحرب على الإرهاب واتّخذوها ذريعة لتدمير المنطقة، ستبقى ناقصة ما لم تتم معالجة قضايا الإرهاب الأصولي والتخريب والكراهية الصادرة من الدول المحافظة، التي لعبت دورا في تقويض الأنظمة العلمانية، ونشر التطرف في العالم الإسلامي، وإعادة حقوق الإنسان إلى الوراء.

إرث التدخل الأمريكي سيستمر في إلقاء ثقله على أكتاف المجتمع العالمي لسنوات عديدة مقبلة

الحرب الأمريكية على الإرهاب، مثلت سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، باعتبارها ساهمت في ابتداع شرعية دولية موازية تقوم على قانون الهيمنة والتدخل في شؤون الدول وخلق الفوضى، بدلا من شرعية الأمم المتحدة. وتحولت من خلال التدخلات الانفرادية إلى حرب شاملة على السيادة الوطنية، التي باتت تواجه تحديات كبرى في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، خاصة في ظل بروز مفاهيم جديدة من قبيل النظام العالمي الجديد، العولمة، التدخل الإنساني، مكافحة الإرهاب، التي تعمل في جانبها الأكبر على تقويض مفهوم السيادة الوطنية. وكما يرى الاقتصادي الياباني كينيش أوهماي، في كتابه «نهاية الدولة القومية: صعود اقتصاد الأقاليم»، فإن الدولة القومية فقدت فعلا مكانتها في النظام العالمي الذي تلعب فيه الاقتصاديات الإقليمية الدور القيادي، والقدرة على التفاعل والازدهار في السوق العالمية. وهو الأمر الذي يدفع للتحول من الدولة الأمة القائمة على الهوية الوطنية، إلى الدولة المنطقة القائمة على أساس هوية إقليمية، في ظل العولمة. جان جاك روسو أكد في عقده الاجتماعي أيضا على أن السيادة ما هي إلا تعبير عن الإدارة العامة، كما وصفها بأنها مطلقة وغير قابلة للتجزئة. وبالتالي يجب على القيادات العربية التي ما زال بعضها يستمرئ الأجنبي، ويتذلل إليه أن تدرك أنّ مبدأ السيادة الوطنية يرتبط ارتباطا عميقا بمفهوم الاستقلال، الذي يعبّر عن أحد مظاهر السيادة، وكذلك التحرر من كل أشكال الضغوطات الخارجية. وأعتقد أن دفاع الرئيس التونسي عن مبدأ السيادة الوطنية هو في صلب هذه المفاهيم التي كرّستها الشرعية الدولية. وذلك في كل مرة تتفوه بها أطراف دبلوماسية، أو جهات أجنبية بكلمات، أو تدلي ببيانات تتدخل في الشأن الداخلي لتونس ومسارها السياسي الذي خطّه الشعب منذ عام، بعد الإطاحة بمنظومة الإفلاس والتبعية للخارج، ونهج التخريب وتدمير الدولة الوطنية وتقزيمها، وجعلها تتأرجح بين سياسة المحاور، غير ملتزمة الحياد والعقلانية الدبلوماسية المعهودة تاريخيا. والأحرار في تونس قيادة وشعبا ومنظمات وطنية، ندّدوا بقوة باستمرار سياسات الابتزاز السياسي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية، وهي بالأساس من أجل إخضاع مواقف الدولة التونسية لسياساتها الخارجية، كالدفع بها غصبا إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية، الذي يهرول كثيرون للتقارب معه، بل التحالف وبناء استراتيجيات أمنية مشتركة مع كيان مغتصب للأراضي العربية، ويمارس كل أشكال الاستيطان والإجرام والإرهاب. يحاولون أيضا الزج بتونس في صراعات دولية لا تخدم مصالح الشعب التونسي، ويرغبون في دول تعيش الفوضى عبر نظام سياسي مختل ومشتت، لا يضبط مؤسسات الدولة ولا يسيّر دواليبها على نحو سليم، والأمثلة التي صنعوها على هذه الشاكلة في المنطقة كثيرة، ولبنان والعراق وليبيا خير دليل على شلل الدولة الوطنية، وتحوّلها إلى دولة فاشلة ينخرها الفساد، وتحكمها الطوائف والميليشيات.
المنظمة الأممية تضع في اعتبارها أن عملية إحلال السلم والأمن الدوليين والمحافظة عليهما وتعزيزهما تقوم على أساس الحرية، والمساواة، وتقرير المصير، والاستقلال، واحترام سيادة الدول، فضلاً عن السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية، بصرف النظر عن نظمها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو مستويات نموها. وهي ترى أن التقيد التام بمبدأ عدم التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية والخارجية للدول هو، أمر ذو أهمية عظمى للمحافظة على الأمن والسلم الدوليين، ولتحقيق مقاصد ومبادئ الميثاق. ويبدو أن هناك دولا بعينها دأبت على تجاوز القانون الدولي والمواثيق والعهود الأممية، ما زالت تضر بالعلاقات الدولية. وللولايات المتحدة تاريخ طويل من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتتعدد وسائل تدخلها بين العمليات السرية إلى العمليات العسكرية. والعراق يعد أكبر فضيحة ووصمة عار في تاريخ التدخل الأمريكي في شأن الدول، هذا البلد إلى الآن أسير للميليشيات والعنف والذل والخوف وانعدام الأمن. والأمر سيتواصل ما بقي دستور المحتل الأمريكي برايمر سائر المفعول في العراق كما في لبنان وغيرهما..
لا شأن لأمريكا أو لأتباعها الاستعماريين مثل بريطانيا وفرنسا بالديمقراطية، تلك كذبة كبرى ما زالوا يرددونها. وبالمحصلة التاريخية والوثائقية، تسببت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في إحداث فوضى في الشرق الأوسط على جميع الأصعدة، من دون أن ننسى ما فعلته في ما تعتبره فناءها الخلفي أمريكا اللاتينية، خاصة كوبا، التي ليست سوى مثال واحد للحملات الأمريكية لتغيير الأنظمة في أمريكا اللاتينية وخارجها. مئات من محاولات التدخل العلنية والسرية، والآلة السياسية والعسكرية الأمريكية ما زالت تدور من دون توقف. وإرث التدخل الأمريكي سيستمر في إلقاء ثقله على أكتاف المجتمع العالمي لسنوات عديدة مقبلة. وهي إلى الآن تفرض العقوبات التجارية على نحو ناعم يعوض القوة الخشنة. وهي تحاصر بذلك الشعوب وتُجوّعها رغبة في تغيير الأنظمة عن طريق الخنق الاقتصادي. فكيف يمكن أن لا نستبشر بعالم متعدد الأقطاب تُلجَم فيه أمريكا عبر روسيا والصين أو غيرهما؟ بالتأكيد يكفي ما عاناه العالم من سياسات أمريكية متغطرسة لا علاقة لها بالديمقراطية أو بحقوق الإنسان والعدالة الدولية. أمريكا إلى الوراء.. نعم وهذا جيد.
كاتب تونسي

- الإعلانات -

#أمريكا #الدولة #المارقة #التي #لا #تكف #عن #التدخل #في #الشؤون #السيادية #للدول #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد