- الإعلانات -
إبراهيم محمد الهنقاري: في غات عرفت القمر [8]
![إبراهيم محمد الهنقاري: في غات عرفت القمر [8] إبراهيم محمد الهنقاري: في غات عرفت القمر [8]](http://www.libya-al-mostakbal.org/upload/article/61c24380036ecالهنقاري-في-غات-عرفت-القمر-jpg.jpg)
كان السيد الرئيس محمد عثمان الصيد الذي كلفه الملك الصالح بتشكيل الحكومة الليبية الرابعة، كان شخصية غامضة بالنسبة للكثيرين سواء من زملائه النواب او الوزراء او الشخصيات السياسية والإدارية الذين كانوا عَلى صلة مباشرة معه. وقد قدر لي بحكم عملي في الوزارة الجديدة وزارة الأنباء والارشاد وفي قسم الاخبار في دار الاذاعة الليبية عَلى وجه الخصوص قدر لي ان اكون قريبا من رئيس الحكومة الليبية الجديدة رغم صغر سني نسبيا في ذلك الوقت. وربما اتاح لي القدر وانا واحد من جيل الثلاثينات المميز الذين يتحدث عنهم هذا الكتاب مالم يتح لكثير من زملائي من ابناء ذلك الجيل.
وربما كان اهتمام السيد ألرئيس محمد عثمان الصيد بقطاع الاعلام وعلى الأخص الاذاعة الليبية ربما كان ذلك وراء قربي من سيادته في تلك الفترة. فقد كان متابعا جيدا لبرامج الاذاعة كلها تقريبا وربما كان يعتبرني من العناصر التي يمكنه الاعتماد عليها في خطته لتطوير قطاع الاعلام الليبي.
كان الزميل والصديق السيد احمد فهمي الهمالي نائيا للمدير العام لمصلحة الاذاعة والمطبوعات قبل انشاء وزارة الانباء والارشاد وكانت تربطه علاقة صداقة خاصة مع السيد ألرئيس محمد عثمان الصيد فاصبح هو المدير العام للوزارة بعد ان ترك الاستاذ عَلى المسلاتي منصبه كمدير عام لتلك المصلحة.
وكانت الحكومة الليبية قد تلقت دعوة من الجمهورية التونسية الشقيقة للمشاركة في اول مؤتمر دعت اليه تونس لانشاء اتحاد للإذاعات الافريقية يعقد في العاصمة تونس. وقبلت الحكومة الليبية تلك الدعوة وتم تشكيل الوفد الليبي برئاسة السيد احمد الهمالي وعضوية كل من ابراهيم الهنقاري رئيس قسم الاخبار والهادي الدهماني رئيس القسم الفني في الاذاعة وهما من كبار موظفي الإذاعة.
وعندما تم التغيير الحكومي في ليبيا عقب قبول استقالة حكومة السيد عبدالمجيد كعبار وتكليف السيد محمد عثمان الصيد بتشكيل الحكومة الجديدة يبدو ان السيد احمد الهمالي المقرب من رئيس الحكومة الجديد هو الذي قرر البقاء بجانب السيد رئيس الحكومة الجديد او ان السيد الرئيس هو الذي طلب منه البقاء معه في تلك الايام الاولي من أيام حكومته ربما لحاجته اليه. كما يبدو انه تم الاتفاق مع السيد ألرئيس باعادة تشكيل الوفد الليبي الى ذلك المؤتمر.
فوجئت باستدعائي من قبل الوزير الاستاذ حسن ظافر بركان والسيد احمد الهمالي المدير العام للوزارة وتكليفي برئاسة الوفد الليبي الى ذلك المؤتمر. بدلا من الاستاذ احمد الهمالي.
وكانت تلك مفاجأة لم اكن أتوقعها.!
وكانت تلك اول مهمة رسمية خارج الوطن يتم تكليفي بالقيام بها وانا في الخامسة والعشرين من عمري.!! ومن قبل الحكومة الليبية التي كنت لا ازال لا احمل لها الكثير من الود وكنت لا ازال انتقد الكثير من تصرفاتها وكنت لا ازال من بين من يكتبون ويوزعون المناشير ليلا في شوارع العاصمة طرابلس ضد القواعد الأجنبية التي وافقت الحكومة الليبية عَلى اقامتها عَلى ترابنا الوطني.!!
ولكنني كنت قد بدات حينها اعرف ما لم اكن اعرفه عن الظروف التي اضطرت وأرغمت الحكومات الليبية عَلى القبول بذلك.! كما بدأت أعرف ما لم أكن أعرفه عن رجالات الاستقلال وعن الحكومات الليبية.
ولم يتم خلال ذلك الاستدعاء تزويدي باية توجيهات او تعليمات بشان موقف الحكومة الليبية من هذا المشروع وهو انشاء اتحاد للإذاعات الأفريقية وكل ما قيل لي كان هو ان احضر الجلسات وان اتصرف بما ارى فيه الخير والصلاح لليبيا والاتحاد المقترح.!
كانت تلك تعليمات عامة وغير محددة وترك لي التصرف بما اراه.!!
فهل هكذا حكومة تستحق ما كنا نكيله لها من الاتهامات.!؟ ولم يكن بالتاكيد لأي طرف أجنبي دخل في ذلك القرار في وقت كنا نصدق فيه ما كان يقال من أن الامريكان والانجليز هم الذين يسيرون حكوماتنا الليبية.!! فلا الإنجليز والأمريكان كانوا يعرفونني ولا كنت أعرفهم.!!
مسؤولية كبيرة لاشك. ولكنني قبلت القيام بها دون الكثير من التردد.
وربما كانت تلك بداية للمهام الكبرى التي قدر الله سبحانه وتعالى لجيل الثلاثينات المميز ان يقوم بها في خدمة الوطن.
صحيح ان الحكومة الليبية ممثلة في مجلس الوزراء قد اعتمدت بعد ذلك التقرير الذي قدمه الوفد الليبي الى ذلك المؤتمر ووافقت عَلى ما اتخذته من مواقف كرئيس للوفد الليبي ولكن الحقيقة تظل. دائما هي أن واحدا من جيل الثلاثينات المميز هو الذي كان له الدور الرئيسي في كل ذلك.!! وأصبح ما قام به وهو المعارض للحكومة الليبية شكلا وموضوعا هو الموقف الرسمي للحكومة الليبية بالنسبة لمشروع اتحاد الاذاعات الأفريقية.! ولم يكن لا للأميركان ولا للانجليز دخل في ذلك. فتلك كانت تجربة شخصية مارستها بنفسي كواحد من جيل الثلاثينات المميز كنت فيها شاهدا عَلى زيف كل الإدعاءات التي كنا نسمعها عن حكوماتنا.!
توجهت بالسيارة انا وزميلي عضو الوفد المهندس الهادي الدهماني رئيس القسم الفني في الاذاعة برا الى تونس.
وكانت الحكومة التونسية قد خصصت فندق الهيلتون في احدى أجمل ضواحي العاصمة التونسية الخضراء ليكون مقرًا لرؤساء واعضاء الوفود ضيوفا عَلى الحكومة التونسية.
تسلمت من الوفد التونسي الذي كان يرأسه الاستاذ الشاذلي القليبي مدير عام الاذاعة التونسية حينها والذي ما لبث ان ربطتني به علاقة صداقة ومودة بعد ذلك لبضع سنوات ثم شغل الوزارة في الحكومة التونسية وتولى منصب الامين العام لجامعة الدول العربية بعد ذلك وكان من قيادات الحزب الحر الدستوري التونسي ومن المقربين من فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة مؤسس وأول رئيس للجمهورية التونسية. أقول تسلمت ملفا من الوفد التونسي يتضمن الى جانب قائمة الوفود المشاركة في المؤتمر مشروع إتفاقية تاسيس منظمة تحمل اسم “إتحاد الاذاعات الأفريقية” لإقرارها من المؤتمر ومشروع قرار من وفد تونس بأن تكون تونس هي المقر الرسمي للاتحاد ومشروع قرار اخر من الوفد المصري بان تكون القاهرة هي دولة المقر لهذا الاتحاد.
أخذت ذلك الملف وتوجهت الى السفارة الليبية للقاء السفير السيد سليمان الجربي لاستشارته ولاخذ بعض النصائح منه. وعندما سالني عن التعليمات التي تلقيتها من المسؤولين في ليبيا ذكرت له ما أشرت اليه سابقا خلال لقائي بالسيد الوزير ومدير عام الوزارة. ففوجئت بان سعادة السفير سليمان الجربي يقول لي “تلك إذن هي التعليمات” فتوكل عَلى الله.!!
فتوكلت عَلى الله.! وتوجهت انا ورفيقي الهادي الدهماني لحضور اولى جلسات المؤتمر مساء ذلك اليوم.
ولما كانت تلك هي المرة الاولى التي اشارك فيها في مثل هذه المؤتمرات الدولية فلم اكن اعرف ان هناك كلمات لرؤساء الوفود تلقى في بداية كل مؤتمر.
فوجئت بعد كلمة الافتتاح وانتخاب السيد الشاذلي القليبي رئيس الوفد التونسي رئيسا للمؤتمر ان سيادته قد بدأ باعطاء المجال لرؤساء الوفود لالقاء كلمات بلدانهم حسب الترتيب الابجدي الفرنسي لاسماء تلك الدول. ولم اكن قد اعددت أية كلمة باسم الوفد الليبي غير انه كان من حسن حظي ان حرف L الذي يبدأ به اسم ليبيا ياتي في منتصف الحروف الهجائية الفرنسية. فكنت اتابع ما كان يقوله الزملاء من رؤساء الوفود واقوم في نفس الوقت بكتابة كلمة الوفد الليبي علًى نحو ما كنت أسمعه من الزملاء الاخرين. وقد جاء دوري لالقائها بعد ما يقرب من ساعة من بداية المؤتمر. وكان ذلك أول درس تعلمته عن المؤتمرات الدولية.!
ولعله من المفيد للقارئ ونحن نتحدث عن جيل الثلاثينات المميز أن أتطرق هنا الى بعض تفاصيل ما حدث خلال ذلك المؤتمر.
لم تكن هناك خلافات تذكر عندما استعرضنا بنود مشروع إتفاقية انشاء اتحاد الاذاعات الافريقية الى أن وصلنا الى المادة الخاصة بمقر الاتحاد. حيث كان هناك الطلب التونسي بان تكون تونس هي المقر باعتبارها هي الدولة صاحبة هذا المشروع كما كان هناك طلب اخر من الوفد المصري بان تكون القاهرة هي دولة المقر لاسباب عديدة وردت في المذكرة المصرية.
رفعت الجلسة لإجراء بعض المشاورات بين رؤساء الوفود.
استدعاني السيد الشاذلي القليبي وطلب مني دعم الطلب التونسي بان تكون تونس هي دولة المقر. ولكنني قلت له إنني أرى أن القاهرة هي المقر المناسب لهذا الاتحاد لاسباب ذكرتها له من بينها الامكانيات الكبيرة التي يمكن للقاهرة ان توفرها للاتحاد المقترح الى جانب الوزن السياسي لمصر وتوسط موقع القاهرة بالنسبة للقارة الافريقية.
وهي أمور لا تتوفر في تونس مع كامل التقدير للمبادرة التونسية للدعوة الى تاسيس هذا الاتحاد واستضافة هذا الموتمر الاول لاتحاد الإذاعات الافريقية. وقد اقتنع السيد الشاذلي القليبي بما ذكرته له ولم يعترض عليه.
ثم استدعاني السيد رئيس الوفد المصري المهندس صلاح عامر رئيس هيئة الاذاعة والتلفزيون في مصر وهو شقيق المشير عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة المصرية والمقرب من الرئيس جمال عبدالناصر رحمهما الله ومعه عضو الوفد الاستاذ أحمد فراج الزميل الاذاعي المعروف وطلب مني عَلى استحياء ان اوافق عَلى طلب مصر بان تكون القاهرة هي المقر الرسمي للاتحاد المقترح.
وعندما أبلغته بأن ذلك هو موقف الوفد الليبي وأنني قد أبلغت ذلك للسيد رئيس المؤتمر ورئيس الوفد التونسي فوجئت به يقول لي وهو غير مصدق لما سمعه مني: “والله.!!” قلت له: ” نعم. والله العظيم هذا هو ما حدث وهذا ما سيحدث.!!”
كانت تلك مفاجأة حقيقية للوفد المصري الذي لم يكن يتوقع هذا الموقف من الوفد الليبي بسبب الحملات الاعلامية الكبيرة التي كان يشنها الاعلام المصري عبر الصحافة المصرية وعبر إذاعتي القاهرة وصوت العرب ضد ليبيا وضد الحكومات الليبية لسنوات طويلة.! فكان يتوقع رد الفعل الطبيعي من الوفد الليبي بسبب ذلك وهو رفض المذكرة المصرية والتصويت لصالح الطلب التونسي.!
وكان ذلك تصرفًا شخصيًا مني كرئيس للوفد الليبي وليس تنفيذا لتوجيهات من الحكومة الليبية.!! ولم تعترض الحكومة الليبية عَلى ذلك بل أقرت المذكرة التي قدمها الوفد الليبي لمجلس الوزراء بعد العودة الى ارض الوطن.!!
وقد أتيح لي بعد العودة من ذلك الموتمر لقاء مع دولة الرئيس السيد محمد عثمان الصيد بحضور السيد احمد فهمي الهمالي مدير عام الوزارة حيث رويت له بالتفصيل كل ما جرى خلال ذلك المؤتمر فوافق عَلى كل ما قمت به انا وزميلي عضو الوفد واعرب عن شكره وتقديره لكل ما قمنا به.
تلك كانت الحكومة الليبية التي لم نكن نعرفها حق المعرفة نحن جيل الثلاثينات.!! ولكننا بدأنا نعرفها بل ونشاركها في أعمالها ومهامها الكبيرة خدمة لوطننا العزيز.
هذا مثال واحد أتمنى أن يعيه شباب اليوم عن جيل الثلاثينات المميز وكيف بدأ يشق طريقه للسير عَلى خطى اباء الاستقلال المؤسسين ويتعلم منهم معنى الوطنية الليبية الحقيقية ويعرف كل الحقائق عنهم وعن الظروف التي كانت تحيط بهم في السنوات الأولى للاستقلال.
رحم الله باني الاستقلال مولانا الملك الصالح السيد محمد إدريس المهدي السنوسي ورحم كل اباء الاستقلال وأكرم مثواهم وجزاهم خير الجزاء لوطنيتهم وللخدمات الجليلة التي قدموها للشعب والوطن في وطننا الحبيب المملكة الليبية المتحدة والمملكة الليبية.
إبراهيم محمد الهنقاري
– إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات السابقة
- الإعلانات -
#إبراهيم #محمد #الهنقاري #في #غات #عرفت #القمر
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
