- الإعلانات -
ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية يزيد من هشاشة البلدان العربية

- الإعلانات -

جان بيار سيريني* – (أوريان 21) 15/3/2022
بدأ ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية قبل الأزمة الأوكرانية وتواصل معها، ما يضع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في موضع لا تُحسد عليه، وقد يؤدي إلى إثارة تحركات اجتماعية شبيهة بتلك التي شهدتها المنطقة في 2008-2009.
* * *
مخبز في تونس العاصمة،
11 آذار (مارس) 2022
“تنتظرنا أيام صعبة”، هكذا يصف -وبواقعية- عدد من المسؤولين العرب الوضع. فلم يكن ينقص الموسم الزراعي 2021-2022 سوى حرب في شرق أوروبا، ليصبح من أقل المواسم الزراعية استقرارًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتقلبات الجوية في الولايات المتحدة الأميركية وأوكرانيا وفرنسا، وإعادة تكوين قطيع الخنازير في الصين، وضرائب التصدير في روسيا، والمضاربة الوقحة حول ثمن شحن المواد الغذائية على السفن، وغلاء الأسعار في القارة الأوروبية -كل هذه العوامل والأحداث التي جدت حتى قبل بداية الحرب على أوكرانيا، والمستقلة عن بعضها بعضا، أدت إلى النتيجة نفسها: ارتفاع الأسعار. وقد لوحظ ذلك قبل يوم الخميس 24 شباط (فبراير) 2022، تاريخ اجتياح المدرعات الروسية لأوكرانيا.
تحول سعر القمح الذي كان حوالي 220 دولار للطن الواحد منذ أقل من سنة، إلى 330 دولاراً في غضون ساعات، قبل أن يهبط السعر بحوالي 20 دولاراً ثم يرتفع مجددا، في سباق مجنون. وهكذا تسبب قرع طبول الحرب في ارتفاع هائل لأسعار مواد ضرورية لتغذية الإنسان خلال بضع ساعات:
صحيح أن الصدمة عالمية، لكن تأثيرها أكبر في البلدان العربية، حيث المدن -ولا سيما العواصم- تعج بالسكان وبالمخاطر بالنسبة للسلطات الحاكمة. وهي تقتات من منتجات فلاحية تأتي من وراء البحار. وتتجاوز نسبة الواردات 60 % من الإمداد العام في مصر والجزائر، و40 % في المغرب، وقرابة 25 % في تركيا. والكميات المستوردة كبيرة تتجاوز 13 مليون طن في موسم 2021-22 في مصر، وسبعة ملايين في الجزائر وإيران، وحوالي 5 ملايين في المغرب الذي طاله جفاف تاريخي سيدفع نحو ارتفاع نسق الواردات. أما سورية -التي كانت فيما مضى مخزنا للحبوب- فقد تلقت خلال السنة الماضية 1.5 مليون طن من الخارج، في الأساس من حاميها الروسي. وقد اشترى الجار، لبنان، من أوكرانيا 89 % من مجموع 650 ألف طن التي يستوردها سنويًا.
من جهته، يسعى اليمن المنكوب إلى البقاء على قيد الحياة بفضل إعانات برنامج التغذية العالمي المجانية، والذي حصل سنة 2021 على 70 % من إمداداته من منطقة البحر الأسود. ويجب التنويه هنا إلى ثقل الواردات الغذائية في ميزان مدفوعات الدول المستوردة، إذ تصل إلى نسبة 24 % في الجزائر، وأقل بضعفين في المغرب، وأكثر بقليل في مصر. وقد حدثت سابقة لا تنبئ بالخير في 2007-2008، حيث أسفرت أوضاع المحاصيل الكارثية في أستراليا وروسيا عن ارتفاع في الأسعار نجمت عنه تحركات اجتماعية قياسية في 40 بلدًا تقريبًا، يرى فيها بعض المحللين مهد الربيع العربي لسنة 2011.
بالنسبة للدول العربية -التي تستورد كلها الحبوب- تطرح الأزمة الحالية ثلاثة رهانات على أصعدة مختلفة، وهي توفر المنتوج، والأسعار، ووسائل الدفع.
يتعلق العنصر المجهول حاليًا بما تسمى على متن سفن شحن الحبوب “منطقة البحر الأسود”، والتي تجمع بالنسبة للمختصين بين روسيا وأوكرانيا. وتُنتج روسيا 85 مليون طن من الحبوب (قمح، شعير، ذرة) وتصدر منها بين 30 و35 مليون طن. أما أوكرانيا، فيصل إنتاجها إلى نحو 30 مليون طن، وصادراتها في حدود العشرين. ما يعني أن هذه المنطقة تمثل بمفردها ثلث الصادرات العالمية. وفي السابق -كما في سنة 1985- كان الاتحاد السوفياتي يستورد 55 مليون طن من الحبوب، بشكل أساسي من الولايات المتحدة الأميركية.
قد تمنع عوائق عديدة الشحنات المطلوبة من الوصول إلى محطات الزبائن، من بينها محاصرة الأسطول الروسي لميناء أوديسا باعتباره نقطة الانطلاق الرئيسية للحبوب الأوكرانية، أو وجود ألغام في القناة. أما التهديد الآخر، فهو الافتقار إلى سفن الشحن المتاحة لوجهات محددة، بالنظر إلى الأعمال العدائية التي تخيف عادة أصحاب السفن. وبالفعل، فقد أعلنت العديد من شركات الشحن الكبرى أنها تتنازل عن خدمة الموانئ الروسية. كما سيكون من الصعب أيضًا تركيز المحاصيل في أوديسا نظرًا للفوضى التي تطال البلاد منذ 24 شباط (فبراير) وتتسبب في شل حركة النقل والإنتاج. فهل سيتمكن المزارعون الأوكرانيون من زراعة حبوب موسم الحصاد المقبل في الوقت المناسب؟
مصر، أكثر البلدان عرضة للمخاطر
أكثر البلدان العربية عرضة لخطر عدم توفر المنتوجات هي بلا شك مصر، إذ تستورد القاهرة -حسب أرقام وزيرها الأول- قرابة 80 % من قمحها من “منطقة البحر الأسود”، لكونها المزود الأقرب. ويلبي مخزون مصر من القمح احتياجاتها حتى حزيران (يونيو) 2022، وسيكون من الضروري بعد ذلك الاعتماد أولا على الإنتاج المحلي الذي سيزيد بمقدار مليوني طن، وفقًا لوزير المالية محمد معيط (بلومبيرغ، 6 آذار/ مارس).
أما الجزائر، فقد ظلت -على الرغم من علاقاتها الدبلوماسية والعسكرية مع موسكو- وفية حتى الآن لمورديها الفرنسيين والكنديين. وما تزال محاولاتها شراء القمح الروسي في بداياتها، إذ لم يتقدم الديوان الجزائري المهني للحبوب سوى بطلب واحد بمقدار 300 ألف طن، وكان ذلك بمثابة الانتقام بعد الخلاف المؤقت الذي شاب في خريف العام 2021 علاقة الرئيسين إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون. وحسب وزير الفلاحة، محمد عبد الحفيظ هني، فإنه “لن تتأثر الجزائر بالتغيرات التي جدت على المستوى العالمي”، لكنه يدعو مواطنيه إلى “زيادة الإنتاج الوطني الذي لا بديل عنه”. وقد بدأ الوسطاء بعرض عقود بيع حيث يكون مصدر الحبوب “اختياريًا”، أي أنه مجهول بالنسبة المشتري الذي لا حيلة له سوى التحلي بالثقة.
من الواضح أن انعدام ضمانات توفر المنتوج سيؤثر على الأسعار، خاصة وأن هناك رغبة عامة في الاحتفاظ بالمخزون “في الوطن”، بالنسبة للرعاة كما للرعايا. ولطمأنة مواطنيهم، يؤكد الوزراء أن لديهم مخزونًا كافيًا. لكن ذلك لا يمنع المصدرين من الاحتفاظ بمخزونهم، لأن تقلب الأسعار يجعل تأجيل قرار البيع مربحًا، لتحقيق أقصى استفادة من الارتفاع. أما المستوردون، فهم -مثل الأسر- يشككون في الخطابات الرسمية، وينتابهم القلق بشأن النقص المستقبلي، فيحمون أنفسهم عن طريق مراكمة المخزونات والاحتياطيات الأخرى. فقد فرض الكرملين -على سبيل المثال- ضرائب على صادراته من الحبوب اعتبارًا من صيف 2021 لصالح سوقه المحلي. ويستجيب المستوردون هنا للقلق الذي يحوم حول موضوع الأمن الغذائي، ويسعون إلى الشراء بأي ثمن. والنتيجة هي ارتفاع الأسعار، ولا أحد يعرف متى سينتهي ذلك بعد التضاعف الذي شهدته في أقل من عام. وبحسب وكالة “رويترز”، فقد وقعت الجزائر مؤخرًا عقدًا بسعر 625-630 دولارًا للطن، ما يفوق الأسعار الحالية -400 دولار- بأكثر من 50 %.
من سيقدر على الدفع؟
هل تستطيع الدول العربية الدفع؟ هذا هو السؤال. باستثناء دول النفط الغنية، كانت جميع دول المنطقة تسجل عجزا في ميزان المدفوعات الحالي، حتى قبل موجة ارتفاع الأسعار التي شهدتها الأسواق. ويبلغ هذا العجز نسبة 6 % من الناتج المحلي الإجمالي في تونس، و4 % في الجزائر، و5 % في مصر، وتقريبا 3 % في إيران وتركيا والمغرب. فكيف السبيل لمواجهة هذا الوضع؟ تستفيد البلدان المصدرة للنفط من الريبة الكبيرة التي تتسبب بها الحرب في شرق أوروبا. وتقترب الأسعار من الذروة المسجلة في 2010-2013 بسبب النمو الاستثنائي للصين. ووفق تصريحات وزير الطاقة السابق والرئيس التنفيذي لشركة سوناطراك الوطنية، عبد المجيد عطار، في صحيفة “المجاهد” اليومية الجزائرية بتاريخ 6 آذار (مارس) 2022، في حال التهدئة والتفاوض، “ستستقر أسعار النفط والغاز حول السعر المرجعي. ولكن إذا استمر الصراع أو ساء، فسيكون هناك خطر كبير لانقطاع الإمدادات في أوروبا”. وفي تلك الحالة، لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالحجم الذي سيبلغه ارتفاع الأسعار. وتبقى آمال الدول الأخرى معلقة على لفتة من صندوق النقد الدولي بحيث يمنح قروضًا إضافية كما فعل عند انتشار وباء “كوفيد 19″، وسيتم ذلك طبعًا على حساب تفاقم الدين الخارجي بالعملات الأجنبية، والذي يجب تسديده يومًا ما.
شرعت العديد من الدول العربية في إصلاح منظومة الدعم لاستهلاك المنتجات الغذائية الأساسية مثل الخبز أو السميد أو الزيت أو الحليب، ما أدى إلى زيادة أسعار البيع بالتفصيل، علما أن كل ذلك يتم تحت مظلة صندوق النقد الدولي. وبطبيعة الحال، من المستبعد إضافة تضخم آخر للتضخم الحالي، وقد تم تأجيل هذه الإصلاحات لوقت أفضل، من الجزائر إلى مصر. وقد تقترح بلدان أخرى -مثل دول الخليج المنتجة للنفط- العودة إلى المقايضة -الحبوب مقابل النفط- لتكون تلك بداية تراجع عولمة الاقتصاد العالمي. ولا يقتصر الأمر فقط على غذاء البشر، بل يشمل غذاء الماشية التي تحتاج هي الأخرى إلى منتجات مستوردة. وهنا أيضًا، يظل خطر حدوث نقص كبير واردًا، ما قد يؤدي إلى ذبح مبكر وواسع النطاق، يتسبب في إفلاس ملايين المربين وحرمانهم من مصادر رزقهم. وهناك عقبة أخيرة هي كيفية الدفع. فقد تم فصل البنوك الروسية عن نظام “سويفت” الذي يربط 11 ألف بنك حول العالم، ويقوم بأتمتة جهاز الدفع وجعله فوريًا تقريباً. وفي ما عدا مؤسستين ماليتين روسيتين متخصصتين في مدفوعات المحروقات تم استثناؤهما من العقوبات، قد لا تجد البنوك العربية مكاناً تتعامل معه. وقد يتم اعتماد دوائر تمويل أخرى، لكنها ستكون بالتأكيد أكثر تكلفة وأكثر عشوائية.
إن المحنة التي تنتظر المستوردين العرب، وخاصة أولئك الذين يعتمدون على الأسواق الخارجية في كلا مجالي الغذاء والطاقة، لم يسبق لها مثيل على مر العصور. كيف سيتعاملون معها؟ ماذا سيفعل المجتمع الدولي؟ كل هذه الأسئلة تبقى بلا إجابة في الوقت الحالي.
*جان بيار سيريني: صحفي ومدير سابق لمجلة “لو نوفيل إيكونوميست” ورئيس تحرير سابق لمجلة “الإكسبريس”. له كتب عديدة حول مواضيع مختلفة، منها المغرب العربي والخليج والطاقة وأرباب العمل والجمهورية الخامسة.
#ارتفاع #أسعار #المنتجات #الزراعية #يزيد #من #هشاشة #البلدان #العربية
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
