- الإعلانات -
«الإبداعُ هو أن تُبكيني وأنت تُضحِكني»

كنتُ أحبّ سخرية أولاد أحمد في نصوصه الإيرلنديّة المبتورة، ولكنّ أولاد أحمد رحل عنّا بعد أن شوّشت انحرافات الثورة مزاجه وأسلوبه البديع.. وكنت أستلطف أسلوب توفيق بن بريك، لكنّ توفيق بن بريك مشغول عن نصوصه بسيرك السياسة والإعلام، ويا ليته كان يلعب دور المهرّج على الأقل ليضحكنا، هو يصرّ على لعب دور الأسد الغضنفر المستوحش، والجميع يراه يلعب دور قرد ملدافي بعجيزة حمراء.. ويا كم كنت أعود وألوذ بجيل العمالقة والرّواد في مجال الكتابة الساخرة في تونس، سيدي علي الدّوعاجي والبشير خريف ومنوّر صمادح وصالح القرمادي وحتّى محمّد قلبي الذي ما زلت أحتفظ بأغلب بطاقاته الصحفية الومضة حتى اليوم في ألبوم خاص وعزيز على قلبي. كانوا يكتبون بصدق وبساطة وسخرية مرارتها حبلى بالعسل مثل رحيق الزّهر، لكن سمّ لي الآن كاتبا تونسيّا واحدا يمكن أن تكمل قراءة كتابه حرفا حرفا دون أن تغشّ في طيّ الصفحات واستعجال نهايتها قبل أن تجهز عليك بمرارتها وتجهّمها وبلادتها وثقل دمها وعسر هضمها.
أنا انتبهتُ مبكّرا جدّا لهذه المسألة. ثمّة شيء فاسد في المزاج عند أغلب المبدعين التوانسة. وثمّة خلط مؤسف بين الاستحضار الملهم والتلبّس الأخرق، ولذلك حاولت بكلّ قسوة أن أتجمّع قبل أن أتبعثر، وأن أنقذ مشروعي الإبداعي وقلمي من الاستهلاك اليومي، وأقسمت أنني لا أنشر نصا لا يُضحكني أو يبكيني أنا قبل القارئ. الكتابة عندي تجديف منهك في سبخة القاموس، للوصول لأعمق وأنقى نقطة فيها. هذا صحيح، لكنّها أيضا حرث في رحم أمّنا الدّنيا. وأنا أحلم أن أنجز ولو ربع ما أنجز معلّمي الأعظم والوحيد، وهو شارلي شابلن، وأن أكون بسيطا وعميقا ومفيدا مثل حبّة قمح حبلى بالحياة والنّور والأمل.
- الإعلانات -
#الإبداع #هو #أن #تبكيني #وأنت #تضحكني
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
