- الإعلانات -
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس: البديل التنموي واقتصاد الإنسان

اكتسب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الفترة الأخيرة أهمية كبرى داخل الساحة السياسية والاجتماعية.هذا القطاع الاقتصادي البديل يحتلّ اليوم جزءا من الفضاء العام ويتدخل في إعادة هندسة المجتمع بالتوازي مع مؤسسات القطاع الخاص الناشطة في السّوق الرأسمالية والمؤسسات العموميّة للدّولة وذلك في إطار جدليّة تجمع بين الشراكة والمنافسة والتفاوض.ومع توصّل قوى المجتمع المدني في تونس إلى فرض المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني من قبل مجلس نواب الشعب في 17 جوان 2020، تمكن هذا القطاع من اكتساب شرعية وجوده القانونية. لكن رغم كل هذا الصخب الذي رافق المصادقة على القانون، فإن مميزات هذا القطاع وتفاصيله مازالت خافية على العديد من التونسيين. فكيف يمكن تعريف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟ وماهي خصائص الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟ وماهي عناصر تمايز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟
يعبر مفهوم الاقتصاد الاجتماعي التضامني عن مجموع الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تنتظم في شكل بنيات مهيكلة أو تجمّعات لأشخاص ذاتيّين أو معنويّين، بهدف تحقيقِ المصلحة الجماعيّة والمجتمعيّة، وهي أنشطة مستقلة تخضع لتدبيرٍ مستقلّ وديمقراطيّ وتشاركيّ، يكون الانخراطُ فيه حرّا.
ظهر المفهوم أولاً في ألمانيا وفرنسا في ثمانينيات القرن الماضي، وفي مطلع القرن الحالي انتشر في بقية دول العالم، يعتبر الاقتصاد الاجتماعي التضامني بمثابة القطاع الثالث في الاقتصاد الرأسمالي المختلط الذي يختلف عن القطاعين العام والخاص.
ومن الناحية النظرية يندرج مفهوم الاقتصاد الاجتماعي التضامني ضمن ما يعرف بمنوال اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يسعى للمزاوجة بين هدفي الربح وخدمة المجتمع ويختلف بالتالي عن اقتصاد السوق الليبرالي واقتصاد السوق الاشتراكي.
شهد هذا المفهوم نموا ملحوظا إثر انهيار المنظومة الاشتراكية في تسعينات القرن الماضي وتحوّل إلى مطلب اجتماعي عالمي خصوصا بعد اندلاع الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التي أبانت عن مساوئ نمط الإنتاج الرأسمالي وعدم استقراره البنيوي وتفاقم المديونية وعجز الدولة الرأسمالية عن تحمّل مجمل الأعباء الاجتماعية في الاقتصاد.
الاقتصاد الاجتماعي التضامني دعامة ثالثة للتنميةالخبير الاقتصادي محمد النوري
ويعزى النمو الملفت لهذا القطاع في السنوات الأخيرة وفق الخبير الاقتصادي محمد النوري إلى العديد من الأسباب منها عجز الدولة الحديثة عن القيام بدورها التمويلي ووظيفتها التعديلية في الاقتصاد وتنامي الحاجة إلى تفعيل رأس المال الاجتماعي لحماية الفئات المتضررة من الخوصصة.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد النوري في حديثه لموقع الصدى نت أن الحراك المتصاعد دوليا للمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد وفشل مقولة الدولة “الصفرية” (صفر دولة) وهيمنة القطاع الخاص على المجتمع بالإضافة الى مأزق اللجوء للمديونية في تمويل الاقتصاد وتوليد الثروة وفشل النظام الاقتصادي السائد في تحقيق العدالة الاجتماعية في معظم البلدان من الأسباب التي عجلت في ظهور الاقتصاد الاجتماعي التضامني.
ويعتمد مفهوم الاقتصاد الاجتماعي التضامني على جملة من المبادئ التأصيلية التي تميزه عن باقي القطاعات الفاعلة في الاقتصاد، وفي مقدمتها: الطوعية حيث يشكل العمل التطوعي والتلقائي للأفراد المصدر الأساسي للمبادرات الاجتماعية وتكون عضوية الأفراد وانسحابهم مفتوحة وطوعية دون تمييز بين الناس، والجماعية التي تعني أولوية المصلحة المشتركة على المصلحة الفردية، وخدمة المجتمع بمعنى أولوية الإنسان وقيمة العمل على رأس المال، ومبدأ التضامن والتعاون بين افراد المجتمع الدي يهدف من خلاله البعد غير الربحي الى التمكين الاقتصادي للشرائح الهشة والفئات المحرومة.
كما يستند أيضا الى مبدأ العدالة الاجتماعية عبر التوازن بين متطلبات الجدوى الاقتصادية وقيم التضامن الاجتماعي ويعتمد على منهج التداول الديمقراطي على التسيير ويحرص على فكرة الاستدامة البيئية التي تتحقق بها المحافظة على البيئة والثروات الطبيعية وترشيد استغلالها.
يتخذ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني تسميات مختلفة باختلاف الثقافات والبلد فنجد مثلا: المنظمات غير الهادفة للربح في أمريكا والقطاع التطوعي بالمملكة المتحدة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني في حوض المتوسط والاقتصاد الشعبي واقتصاد التنمية المحلية في أمريكا الجنوبية وأحيانا أخرى نتحدث عن قطاع مرافق للقطاعين العام والخاص.
من بين التعريفات التي يمكن اعتمادها في هذا المجال نجد القانون البلجيكي يعرف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كما يلي: يعرف الاقتصاد الاجتماعي على أنه مجموعة الأنشطة الاقتصادية المتعلقة بإنتاج السلع أو الخدمات تمارسها شركات تعاضدية بشكل أساسي ذات بعد اجتماعي وجمعيات وتعاونيات ومؤسسات تترجم أخلاقياتها بمجموعة المبادئ التالية:
تكرس خدماتها لمجموعة أعضائها أو للمجموعة بدل الغاية الربحية.الاستقلالية في التصرف.تسيير ديمقراطي في اتخاذ القرارات.تفضيل الموارد البشرية والعمل على رأس المال في توزيع الدخل.مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعييلعب الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، على المستوى الدولي دورا هاما، سواء على الصعيد الاقتصادي أو البشري.
ففي بعض البلدان الأوروبية مثل بلجيكا وفرنسا وهولندا، يساهم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بنسبة 10%من الناتج الداخلي الخام.
وقد أظهرت هذه التجارب مجتمعة أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مكن بعض هذه البلدان من التغلب على بعض الآثار السلبية التي خلفتها أزمة سنة 2008 التي بينت مساوئ نمط الإنتاج الرأسمالي وعدم استقراره البنيوي.
بصفة عامة، يكمل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني حسب العديد من الاقتصاديين أدوار كل من الدولة والسوق، كما يسعى إلى المساهمة في معالجة وتصحيح الاختلالات في منظومة القطاعين العمومي والخاص كالتفاوت والفوارق الاجتماعية لكن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس بديلا عن اقتصاد السوق.
كما يعمل هذا القطاع على مراجعة بعض المبادئ التي يتأسس عليها اقتصاد السوق وذلك باعتبار الثروة البشرية كأولوية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وأولوياتها في الاستثمار وفي السياسات الرسمية.
لقد حددت مجالات النشاط الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بعديد الأنشطة التي كانت حكرا على الدولة مثل إسداء الخدمات والتجهيزات الأساسية في الزراعة والتعليم ومقاومة الأمية وتمكين وإدماج النساء في الدائرة الاقتصادية.
تؤكد منظمة العمل الدولية على إمكانية استخدام “الاقتصاد الاجتماعي” كوسيلة فعالة لسد الفجوة بين الاقتصاديات غير المنظمة والاقتصاديات المنظمة، وبالتالي، خفض مواطن العجز في العمل اللائق وتحسين الإنتاجية والقدرة التنافسية وزيادة المداخيل والربحية.
كما تؤكد أن “مؤسسات منتجة ذات مردودية ومستديمة، بالتشارك مع اقتصاد اجتماعي متماسك وقطاع عمومي نشط، هذا التعاون أو التشارك ضروري من أجل التنمية الاقتصادية، ومن أجل عمل دائم .”
جمعية حماية واحات جمنة: مسيرة قرن من أجل استرداد الأرضالأستاذ الجامعي محمد كشكار
1 – الاقتصاد الاجتماعي التضامني عبر العالم:
يشهد قطاع الاقتصاد الاجتماعي التضامني نموا ملحوظا عبر مختلف أنحاء العالم ويزداد تطورا واتساعا يوما بعد يوم.
ففي الولايات المتحدة يضم هذا القطاع ما يزيد عن 1،5 مليون منظمة خيرية تمكنت عام 2018 من جذب 427 بليون دولار تم توجيهها إلى تمويل مشروعات متنوعة من دور العبادة ومؤسسات تعليمية وصحية وقدمت العديد من المنح والخدمات الإنسانية.
وفي أوروبا توجد حوالي 2 مليون منظمة، بحيث توجد جمعية لكل 250 مواطن ضمن الاتحاد الأوروبي.
ويشغل قطاع الجمعيات بكل أصنافه حوالي 5،6 مليون مواطن، ويشكل ما يربو عن 10٪ من الناتج الإجمالي.
كما تضم فرنسا ما يزيد عن مليون جمعية وفق قانون الجمعيات 1901 وقانون 1905 المتعلق بالجمعيات ذات الطبيعة الدينية (بمعدل 190 جمعية جديدة يوميا) بالإضافة إلى حوالي 1500 مؤسسة خيرية (وقفية) مصنفة تحت مسمى Fondations.
وتحتل ألمانيا المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة من حيث عدد المؤسسات الخيرية الشعبية التي يفوق عددها 6500، وهي في موقع الصدارة في أوروبا من حيث عدد ونوعية وقوانين المؤسسات الخيرية.
وتقدر الهيئة الاتحادية للمؤسسات الخيرية الألمانية رأسمال المؤسسات الخيرية بأكثر من 100 مليار يورو.
وفي بريطانيا يشتمل القطاع على 62 ألف منظمة تشغل 800 الف موظف. وفي الهند يحتوي القطاع على 2،2 مليون منظمة تشغل 30 مليون عامل معظمهم من النساء.
كما بلغ عدد المنتفعين عالميا من خدمات الحماية الصحية والاجتماعية التي تقدمها جمعيات المنافع المتبادلة العالمية 170 مليون.
2 – الاقتصاد الاجتماعي التضامني من منظور إسلامي
إذا كان العالم الغربي اكتشف هذا القطاع الاجتماعي التضامني حديثا فان الإسلام له سبق تاريخي ملحوظ في الاهتمام بهذا الجانب عبر ما يعرف بالقطاع غير الربحي الذي يعتبر مجالا أوسع وأشمل وأعم من الاقتصاد الاجتماعي التضامني بالمفهوم المعاصر.
فالاقتصاد الإسلامي من حيث البناء الهيكلي يقوم على قطاعين لا غنى لأحدهما عن الآخر: القطاع الربحي(التبادلي) والقطاع غير الربحي (الخيري).
والملاحظ أن التشريع الإسلامي للقطاع غير الربحي (الخيري) سابق للتشريع الخاص بالقطاع الربحي، فقد فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة بينما كان تحريم الربا في السنة الثامنة.
يُطلق القطاع غير الربحي (الخيري) على جميع المنظمات التي لا تسعى إلى الربح، ويضم الجمعيات الخيرية والجمعيات التعاونية والجمعيات التطوعية والمؤسسات الوقفية، والتي يتم تأسيسها بهدف تقديم كافة أشكال الخدمات الثقافية والدينية والتعليمية والمهنية والخدمات العامة بدون أي هدف مادي مقابل هذه الخدمات.
وقد حظي هذا القطاع بأولوية في الاهتمام عبر تاريخ الحضارة الإسلامية.
وشكِّل القطاع الرئيسي الأول من حيث الحجم الكبير لموارده البشرية (التطوع) وموارده المالية (الأوقاف والتبرعات والزكاة) التي فاقت في أحيان كثيرة الموارد المالية لبيت مال المسلمين، كما أنها فاقت في حالات كثيرة حجم الموارد التجارية في عصور مضت من التاريخ الإسلامي.
موارد مؤسسات الاقتصاد التضامني والاجتماعيوقد ساهم هذا التوازن في الاقتصاد بين القطاعين الربحي (التبادلي) وغير الربحي (الخيري)، في بناء الحضارة الإسلامية على مدار حقبة طويلة من الزمن.
وعمل النشاط غير الربحي على إعادة توزيع الثروة الذي يحد من تركزها لدى فئة قليلة، ومن ثم يسمح باستمرار النمو الاقتصادي بسبب ما يتمتع به هذا القطاع غير الربحي من قدر عال من الكفاءة، لأنه قائم على الحوافز والمبادرات الذاتية مع مرونة كبيرة ولا مركزية تفتقر إليها أجهزة القطاع العام.
فالعلاقة بين الاقتصاد الربحي وغير الربحي علاقة ترابطية متلازمة لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الأخر: الربحي ضروري لتوليد الثروة وغير الربحي ضروري لإعادة التوزيع وتحقيق العدالة.
ومن التطبيقات المعاصرة لهذا القطاع نجد العديد من المؤسسات مثل صناديق الزكاة التي تشكل إيراداتها الحديثة حوالي 10٪ من الناتج الاجمالي لمعظم الدول الإسلامية، إلى جانب المؤسسات الوقفية التي تقوم بدور اجتماعي هام يساهم في تخفيف الأعباء المالية على الدولة من صحة وتعليم وخدمات اجتماعية متعددة.
ونجد كذلك مؤسسة القرض الحسن التي تقوم بها بعض المؤسسات المالية الإسلامية في عدة بلدان، وأيضا منظومة الجمعيات الخيرية ذات النشاطات المتعددة من كفالة أيتام ومساعدة المعوزين وغير ذلك، وكذلك مؤسسات التكافل الاجتماعي القائمة على البر والصدقات والنذر والكفارات بالإضافة إلى التعاونيات المالية وهي جمعيات قائمة على التطوع ومبنية على الثقة بين الأعضاء، ومؤسسات التأمين التكافلي القائمة على التبرع والمواساة.
من المصلحة الوطنية التركيز على الاقتصاد الاجتماعي التضامنيالخبير الاقتصادي محمد النوري
- الإعلانات -
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
