- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

التجريب المسرحي .. إقامة دائمة في السؤال «1»

توطئةيقول صاحب معجم المسرح، باتريس بافي، الصادرة طبعته الأولى عن مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 2015م: «إن المسرح فنّ سريع العطب، وعابر، وبالغ الحساسية لتحولات الزمن، ولا أحد يستطيع إدراك ذلك من دون أن يطرح، وبشكل دائم، أسسه على بساط البحث، ومن دون مراجعة نظامه المعقّد الذي يُفترض وصفه». ما التجريب في المسرح؟تأسس التجريب على انفتاح الثقافات وتداخلها، ويسعى الفنانون والمخرجون التجريبيون في العالم قاطبة إلى الأخذ من الثقافات المحلية الظاهرة أو الغائرة في الأعماق السحيقة، يهدفون إلى صهرها واستثمارها؛ لتقديمها في عمل فني درامي مسرحي، أو تشكيلي، أو موسيقي، أو أدائي، أو روائي، أو شعري، بحيث يغدو العمل المُجسّد كُّلًا واحدًا يتمتع بخاصية منفتحة على الآفاق وتعددية في الثقافات. ويدل هذا الاشتغال على أن التجريب لا يقتصر على المسرح لوحده، بل يشمل جميع الفنون. يقول الباحث إبراهيم عبدالله غلوم في كتابه (الخاصية المنفردة في الخطاب المسرحي، دراسات نقدية، الطبعة الأولى، منشورات المجمع الثقافي، أبوظبي، 1997م): «… إن عقل المجرّب وخياله لا يمكن إلا أن يكونا منفتحين، والتجريبيون لا يتحركون في الفراغ، ولا يكررون التجارب إلا من أجل اكتشاف جديد، ولا يمارسون مسرحهم الذي يرون دون وعي بما يمارسه الآخرون، كما لا ينتهون من تجاربهم بشعور حقيقي بالنجاح، وإحساس نهائي بالوصول، إنهم ينتهون دوما إلى حالات من الانهيار والشعور باليأس، وعدم القدرة على إشباع الشيء العميق في ذاتهم، وهو المسرح. ص314».ويُمكن أن يتصل المعنى الواسع للتجريب، أو اشتغال عقل المجرّب مع مفهوم الفن المسرحي Theatrical art، ويُعرّف الباحث أحمد بلخيري، في كتابه (معجم المصطلحات المسرحية، ط2 مَزيدة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006م) الفن المسرحي بأنه: «نسيج من الكلمات يتضمن كل تناقضات المسرح، هل هو فنٌّ مستقل له قوانينه الخاصة؟ أو هو تركيب لمجموعة من الفنون مثل النحت، الشعر، المعمار، الموسيقى، الرقص والحركة ص123»، وهنا يبرز اشتغال عقل المجرّب بالبحث الدؤوب والعميق في تكوينات الفنون الأخرى محاولا تقريبها من فن المسرح ساعيًا إلى إجابة بعض الأسئلة المتعلقة بجوهر المسرح. ربما بدا تفكيرنا في معنى جوهر المسرح فكرة ميتافيزيقية، إنها أشبه بالبحث في جوهر الفن والجمال، لكن البحث حول هذه القضايا باتت تُلح على المهتمين بماهية كل العناصر التي يتكون منها الكون، ومن بين تلك العناصر الفن المسرحي الذي يمكن أن يكون وسيلة لتبادل الحوار، أو صيغة لتقديم إجابات، وإثارة مناقشات سياسية وأيديولوجية وبشرية، أو هناك من يراه خطرا يهدد بعض الهياكل والأصنام. إنّ بحث عقل المجرّب في ماهية جوهر الفن المسرحي، بحثٌ مضنٍ ومتطلِّب؛ ومعنى التطلّب هنا، يتصل على نحو من الأنحاء بخاصية وحدود الفن المسرحي. يكتب بلخيري حول هذه النقطة المتصلة بالفن المسرحي قائلا: «إن جولة سريعة في الكتابات عن المسرح، تبرز كيف أن أية نظرية لم تستطع رد الفن المسرحي إلى مكوناته الضرورية والكافية، يتم تحديد هذا الفن انطلاقا من مجموعة من التقنيات، والتطبيق يتولى توسيع أفق المشهد بدون توقف. إن دراسة الفن المسرحي تدخل في إطار مجالات الدراسة غير المنتهية ص124».ألا تحيلنا الفقرة السابقة إلى استنتاج مفاده أن المعنى الأصلي لجوهر الفن المسرحي سيظل على الدوام فهمًا محدودًا؛ كون أن طبيعة العقل المجرّب هي البحث المستمر في العناصر المادية وغير المادية، والواقعية والخيالية، البعيدة الغائرة في القدامة، والقريبة الموجودة في الحياة الطبيعية، ألا نستنتج أيضا، أن طبيعة العقل المجرّب ستظل قاصرة ومحدودة بالعمر البيولوجي للإنسان نفسه، لذلك أجد أن معنى التجريب وعلاقته بمصطلح الفن المسرحي يمكن أن يقودنا ظاهريا إلى مصطلح فلسفي في المقام الأول؛ هو Deconstruction التفكيك – أو التقويض بتعبير ميجان الرويلي وسعد البازعي في كتابهما (دليل الناقد الأدبي) الذي صَكه جاك دريدا متأثرًا بالفيلسوفين نيتشه وهايدغر.ماديًا، فإن مصطلح التفكيك يتنزّل في اشتغال يخصُّ لغة النص «ولا شيء خارج النص»، كما يقول دريدا في مقولته الخالدة. ويكتب باتريس بافي في (قاموس العروض الأدائية، والمسرح المعاصر، ترجمة د. أسامة غنم، مراجعة نبيل الأسود، ط1، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة، 2022م) أن التفكيك في المسرح، «يشير إلى أن معنى نص ما هو مفتوح، متناقض، نسبي دومًا، غير ثابت أو نهائي، يجب إذًا البحث عن مواضع غموضه، وتناقضاته، من دون الاهتمام فقط بنوايا المؤلف، مما يقود إلى معانٍ إضافية، التفكيك هو سيرورة تتلخص في حل نظام النص المُهيمن بواسطة قراءات متعددة وتأويلات متحركة ص 132». وانطلاقا من معنى التفكيك، يبدو مشروع التجريب قادرا على التجسّد في عمل المخرج، فكأن المخرج الذي قرأ نص المؤلف فأخرجه إنما يقوم بوظيفة في ظاهرها تفكيكي للنص، فإذا سألنا أنفسنا عن سرّ ظاهرة تكرر العروض الإخراجية لنص مسرحي واحد، ما سببها؟ ما هي معطياتها؟ وظروفها؟ إنّ الإجابة موجودة في تجلي توفر القراءات المتعددة للنص الواحد عبر القرون أو العصور المختلفة، وبالتالي، فعقل المخرج المجرّب هو عقل أقرب إلى اشتغال التفكيكي غير (المُطَلسم)، وليس شرطا عليه شرح نصّ المؤلف أو فك رموزه أو تشريحه بلغة النقد، إنما جعل الإنسان في أعماقه، أن يرى ذاته في العرض، وكأمثلة يُمكن الاستشهاد بالعديد من الأساليب الإخراجية المعاصرة لمسرحيات كتبها شكسبير، أو تشيخوف، أو هنريك أبسن، أو جان جينيه دون التضحية بالمسرح الإغريقي. لقد تعددت اللغات الإخراجية للمخرجين المعاصرين لأعمال شكسبير منطلقة من جاذبية النصوص نفسها في الدرجة الأولى، وتبلور فكرة «اللاتعيين» أو «اللاثبات» لمعنى واحد داخل النص، وعليه أخذت لغات العروض تتكرر بصيغ مختلفة. فالمخرج معنيٌّ هنا بَعد قراءته للنص، وتحضيره للإخراج، التفكير في الكيفية التي سيقول بها عرضه المسرحي، وكيف يَظهر بنيانه، والتفكير في كيفية القول مؤشر دال على أن الاشتغال الجمالي لعرض ما تظل مرهونة باللانهائية، وأن الرِّهان على الشرط الجمالي، يبرز من خلال تفكير عقل المجرّب في انتشار علامات النصّ/العرض، ومنح تجربة فعل التجريب لأكثر من نسخة؛ لكي يتيح ذلك قدرًا من تحقيق النص/العرض معنى يتماس مع المتلقي، وليس بالضرورة أن يكون المعنى نهائي. ويناقش باتريس بافيس في معجمه أربع نقاط حول اشتغال التفكيك في العرض المسرحي، أسجلها هنا باختصار وتصرف شديدين هي: الأولى: «التفكيك كسر نهاية التمثيل، أي فتح النص المسرحي والإخراج على بنية لا تحدهما، بل على العكس تكشف عن بنائهما وتفضحه»الثانية: ينطلق من هذا السؤال: ماذا يُمكننا أن نفكك في المسرح؟ ويجيب عن ذلك بالعديد من الأشياء يختصرها في أساليب التمثيل المختلفة والوسائط الإعلامية ومكونات العرض، وفي الدراماتورجيا وخاصة الشخصية المسرحية. الثالثة: مهام التفكيك، يهتم التفكيك بما تركته جانبا أو همشته أو تجاهلته قراءات وتأويلات نص أو إخراج ما، يبحث التفكيك عن كل ما يمكن أن يعاكس ويعارض مناهج القراءة الموحدة.الرابعة: على الرغم من النقد الموجه إلى التفكيك المطبق على المسرح، بعزل الإخراج أو التأويل النصيّ عن السياق الحقيقي للعملية المسرحية، فإنّ دريدا كما يكتب بافيس جلب إليهما -بعد مرحلة الانحسار النسبي للبعد السياسي في السبعينيات- نوعا من التصحيح في التسعينيات. عطفا على ما سبق، أجد أن التجريب المسرحي يستند إلى رؤية وفلسفة وموقف، يمكن أن يشترك فيها أعضاء الفرقة المسرحية الواحدة، أو عدد من الأصدقاء الفنانين؛ ليجسدوا رؤاهم وأفكارهم في عمل مسرحي، قد يلبي العرض طموحا أو شغفا لدى المتلقي أو لا يفعل ذلك. فالتجريب كما يكتب الباحث عبدالواحد بن ياسر، في كتابه (عشق المسرح: دراسات نقدية، ط1، الهيئة العربية للمسرح، الشارقة، 2013م) «التجريب قد يعني كل الممارسة المسرحية من النص إلى المعمار إلى السينوغرافيا، وغيرها من مكونات العمل المسرحي «…» فإنه غالبا ما يقتصر مفهوم التجريب المسرحي على التقنيات المعمارية أو السينوغرافية، في حين أنه ينبغي أن ينصب على الممثل، والعلاقة بالجمهور، والتصور الإخراجي، وإعادة قراءة النصوص، والتلقي المسرحي-ص90».وللحديث بقية

- الإعلانات -

#التجريب #المسرحي #إقامة #دائمة #في #السؤال

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد