- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الحكومة التونسية الجديدة أولويات عديدة ومهام صعبة | القدس العربي

16 – أكتوبر – 2021

plus gray
حجم الخط

تونس-»القدس العربي»: أكثر من عشر سنوات مرت على الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ولم تعرف تونس الهدوء والاستقرار المنشودين، وذلك بالرغم من كتابة دستور جديد للبلاد انبثقت عنه مؤسسات تم انتخاب من يشغلها في محطات عديدة. فهذه المنجزات الديمقراطية لم تكن هي على ما يبدو مطالب أغلب التونسيين الذين ثاروا على بن علي يوم 17 كانون الأول/ديسمير 2010 لتتم الإطاحة به منهم ومن غيرهم يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011. فهناك مطالب أخرى غفلت عنها الطبقة السياسية وهو ما كلفها غاليا وسيكلف من جاء بعدها غاليا أيضا إن هو لم يستمع إلى نبض شارعه ولم يركز طاقته وجهده على هذه المطالب الحقيقية.
لقد كانت مطالب التونسيين اجتماعية بالأساس وكانت الديمقراطية والحريات ضمن اهتمامات النخبة التي ما زالت إلى اليوم تسخر من الجياع المطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية وتنظر إليهم باحتقار وفوقية. وبالتالي فإن استيعاب الدرس والاستماع إلى نبض الشارع وجعل مطالبه لا مطالب النخبة ضمن الأولويات هو مفتاح النجاح السياسي في تونس للحكومة الحالية ولأي حكومة تأتي بعدها.
الحدث الأبرز
مثّل الإعلان عن تشكيل حكومة نجلاء بودن الحدث الأبرز في تونس في الآونة الأخيرة وذلك بالنظر إلى الجدل الواسع الذي رافق تشكيل هذه الحكومة التي ترأستها امرأة لأول في تونس والعالم العربي. ففي حين رحب البعض بهذا التشكيل ورأى فيه خطوة هامة للخروج بتونس من أزمتها الراهنة ومن الوضع الإستثنائي الذي تعيشه البلاد منذ 25 كانون الثاني/يناير من هذا العام، شكّك البعض الآخر في شرعية هذه الحكومة واعتبر تشكيلها وأداءها لليمين الدستورية بدون المرور بالبرلمان مواصلة للانقلاب على الشرعية الذي قام به رئيس الجمهورية قيس سعيد عندما حلّ الحكومة وجمّد عمل البرلمان وجمع لاحقا كل السلطات بيده.
ولعل اللافت في كل هذا هو ردود الأفعال العديدة التي أثارها تكليف نجلاء بودن بتشكيل الحكومة باعتبارها أول امرأة تتقلد هذا المنصب الهام في كل من تونس والعالم العربي، وهو ما اعتبر مكسبا من قبل أطياف تونسية عديدة، فيما انصبّ اهتمام البعض الآخر على الوزراء وسيرهم الذاتية وأيضا على مسألة الشرعية المشار إليها، وكذلك على مدى قدرة هذا الفريق على النجاح في مهامه الجديدة من عدمه، خاصة أن جلّ أعضاء الحكومة الجديدة، وعلى غرار رئيستهم، قادمون من مدارج الجامعة التونسية ومخابر بحوثها.

رئيسة وزراء أم حكومة؟

وعلى غرار نجلاء بودن، فإن الفريق الحكومي الجديد يتشكل من التكنوقراط غير المتحزبين والذين لم تعرف عنهم انتماءات سياسية سابقة، وهو اختيار بدا أن قيس سعيد هو من يقف وراءه باعتباره لا يستسيغ الأحزاب السياسية، ويعتبرها وبالا على الديمقراطية وعبر عن هذه الأفكار بطريقته خلال حملته الانتخابية الرئاسية منذ سنتين. وتضم الحكومة أيضا تسع نساء رغم الحديث عن التناصف بين الجنسين الذي سبق تشكيلها وذلك أسوة بالقوائم الانتخابية في تونس التي تفرض التناصف بين الجنسين كشرط لقبولها من قبل الهيئة المستقلة للانتخابات.
ويرى البعض أن نجلاء بودن هي وزيرة أولى في نظام رئاسي أو ربما «رئاسوي» وليست رئيسة حكومة في نظام برلماني، وذلك بالرغم من أنها من قامت بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة وهو ما لا يحصل في الأنظمة الرئاسية حيث يشكل «الحكومة» أو الفريق المساعد للرئيس المتكون من كتاب الدولة وغيرهم، الرئيس نفسه. ويؤكد هؤلاء على أن بودن ستكون أداة طيعة بيد رئيس الجمهورية قيس سعيد باعتباره من قام بتعيينها في منصبها. في حين يرفض البعض الآخر هذا الوصف ويؤكد على أن نجلاء بودن هي رئيسة حكومة فعلية مشرفة على الحقائب الاقتصادية والتقنية على غرار الصناعة والتجارة والنقل والاتصالات وغيرها، وبالتالي هي اقتسمت مع رئيس الجمهورية الصلاحيات والسلطة التنفيذية تاركة لساكن قرطاج الحقائب الوزارية السياسية مثل الخارجية والدفاع.
ولعل التحدي الأكبر والأهم الذي ستواجهه رئيسة الحكومة الجديدة وفريقها هو التحدي الاقتصادي، فإذا حققت بودن النجاح المرجو فإنها ستتمكن من الولوج دون عناء إلى قلوب التونسيين وستنال دعمهم، وإذا حصل العكس فإن مصيرها سيكون كمصير من سبقها إلى القصبة في السنوات الأخيرة، أي الخروج مذمومة مدحورة غير مأسوف عليها مع شعب لا يرحم. فرجل الشارع التونسي العادي، وبعيدا عن الساسة والنخب، لم يعد يعنيه كثيرا المسار الديمقراطي الذي انخرطت فيه البلاد منذ سنة 2011 بعد أن تحولت هذه الديمقراطية إلى غاية في حد ذاتها، وحاد الساسة عن الهدف الأصلي من وراء ترسيخها وتناسوا أنها مجرد وسيلة لتحقيق سعادة الإنسان وتمكينه من حياة كريمة من خلال حكم نفسه بنفسه باختيار من يراه مناسبا لتولي شؤون الحكم.

الديمقراطية والتنمية

لقد ركّز التونسيون جهودهم في السنوات العشر الأخيرة على إنشاء ديمقراطية حقيقية لتكون الأولى في العالم العربي غير الطائفية وغير المحروسة من جيش أو مؤسسة ملكية، لكن ذلك كان على حساب التنمية التي كانت آخر اهتمامات الطبقة السياسية وهو ما جعل الأوضاع الاجتماعية تزداد سوءا ليصل الأمر إلى انفجار كاد أن يأتي على الأخضر واليابس. فلا ديمقراطية بدون تنمية حقيقية تدعمها وتجعلها تترسخ في تربتها وفي قناعات الجماهير التي ستعمل على حمايتها عن قناعة خشية من خسارة المكاسب المنجرة عنها.
ففي غياب المكاسب التنموية لن تجد الديمقراطية سندا جماهيريا يدعمها ويحول دون استهدافها من هذه الجهة أو تلك، فينهار في لمح البصر ما بني طيلة سنوات أمام أعين الجميع. ويزداد الطين بلة إذا كانت هذه الديمقراطية صورية تشترى فيها ذمم الناخبين بالمال السياسي الخارجي الذي يعتبر وفق المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة نوعا من أنواع التزوير وذلك على غرار الديمقراطية التونسية التي افتضحت تجاوزات أحزابها بتقرير صادر عن محكمة المحاسبات، وهو تقرير لو تم اعتماده كأساس للمحاسبة لألغيت كل النتائج الحاصلة في السنوات الأخيرة ولتم حل أغلب الأحزاب ولأودع أغلب الطيف السياسي في السجون جراء هذا التلاعب بالديمقراطية وبالإرادة الحرة للناخب.
ولعل السؤال الذي يطرح هل تستطيع حكومة نجلاء بودن أن تخرج بالبلد من هذه التدابير الاستثنائية المؤقتة في أسرع الآجال وتعيد قاطرة الديمقراطية إلى سكتها لتواصل مسيرها، وتقوم بتحصنها بالإنجازات الاقتصادية التنموية التي عجز عن تحقيقها من سبقها إلى القصبة خلال العشرية الأخيرة؟ فهل كتب على الشعوب العربية أن تختار بين الديمقراطية والتنمية، وأصبح قدرها هو العجز عن تحقيق الإثنين معا؟ وهل اقترنت الديمقراطية العربية بالفقر والإنهيار الاقتصادي، فيما اقترن الإستبداد بالتنمية في هذه الرقعة من العالم؟

التسقيف الزمني

إن ماهو أكيد أن هناك انقساما في الشارع التونسي حول الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية بين رافض ومؤيد وحتى متحفظ، لكن هناك أيضا شبه إجماع على ضرورة تحديد سقف زمني للخروج من هذا الوضع الاستثنائي، وللتفرغ من التعديلات الدستورية، ومن تنقيح القانون الانتخابي، مع ضرورة تحديد موعد لإجراء الانتخابات المقبلة. إذ لا يعقل أن تتواصل هذه الإجراءات الاستثنائية وتواصل هذه الحكومة العمل في ظلها إلى ما لا نهاية وبدون آجال واضحة وجلية ومضبوطة سلفا، فيضطر التونسيون مجددا إلى الخروج إلى الشارع للتظاهر والاحتجاج ولإجبار حكامهم على التسقيف الزمني مثلما حصل مع المجلس التأسيسي سنة 2013.
إن ما هو أكيد أن هذه الحكومة لن تعيق عملها الصراعات الحزبية العنيفة جسديا ولفظيا التي كانت قائمة، ولا تنازع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المدعوم من الأحزاب الكبرى، وهو تنازع كان من الأسباب التي حالت دون نجاح الحكومات السابقة. فقد رأى البعض أن الحظ في صف هذه الحكومة التي تنطلق بأوفر الحظوظ للنجاح وذلك رغم الظروف الاقتصادية والإجتماعية الصعبة والخانقة الموروثة عن الفترة السابقة.
فرغم أن كل الأرقام والمؤشرات الاقتصادية كارثية وتنبئ بصعوبة المهمة وربما استحالتها بنظر البعض، وزادها صعوبة التصنيف السيادي الإئتماني الأخير الذي تراجع وجعل تونس تصنف كبلد ذو مخاطر عالية لا تقرضه المؤسسات المالية الدولية ولا يأتيه المستثمرون الأجانب ويشترط عليه أن يدفع مسبقا ثمن بضائعه المستوردة، إلا أن هناك بعض النقاط المضيئة مثل المداخيل من العملة الصعبة المتوقعة من القطاع الفلاحي والمتأتية من تصدير منتوجات زراعية هامة وبكميات كبيرة والتي يمكن أن تحرك عجلة الاقتصاد. كما أن القطاع السياحي قد يشهد انتعاشة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية رغم أن أهم مداخيل السياحة تضخ في أرصدة بنكية في الخارج بسبب فساد المشرفين على القطاع وذلك رغم تمتع الفنادق بالمواد الغذائية المدعمة من قبل الدولة والتي يستهلكها السائح الأجنبي.

شعب متمرد

إن مهمة حكومة بودن وباختصار تبدو صعبة لكنها غير مستحيلة خاصة إذا ما حافظت على حزامها الشعبي من خلال محاربة الفساد محاربة فعلية وجدية لا كتلك الحرب التي شنها رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد والتي ذرت الرماد على العيون وحملت وزر فساد سنوات إلى رجل أعمال وحيد وبعض الأنفار الذين ثبتت لاحقا براءتهم. فإذا ما فقدت هذه الحكومة الحزام الشعبي الداعم لها والمستمد من شعبية رئيس الجمهورية بالأساس، فإن مصيرا كارثيا بانتظارها بعد أن يتم الإجهاز عليها باحتجاجات شعبية عارمة قد تكون أكثر شراسة من تلك التي خرجت يوم 25 تموز/يوليو 2021 احتجاجا على حكم منظومة ما بعد الثورة.
فالشعب التونسي وإن بدا للبعض مسالما وصبورا على حكامه يمنحهم الكثير من الوقت فيغتر أغلبهم معتقدين أن الأمور قد استتبت لهم وإلى الأبد، إلا أن هذا الشعب لا يصمت على الأذى ولديه القدرة على التمرد على الأوضاع السائدة وعلى قلب الموازين في لمح البصر، وهو ما يثبته التاريخ القديم والحديث على حد سواء. وبالتالي فإن على هذه الحكومة أن تحذر وأن لا تغتر بالتفويض الشعبي من قبل عدد هام ومعتبر من التونسيين. فالرمال جد متحركة في هذا البلد ولا يمكن أن تؤتمن بأي حال من الأحوال، ولو دامت لغيرك لما آلت إليك.

- الإعلانات -

#الحكومة #التونسية #الجديدة #أولويات #عديدة #ومهام #صعبة #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد