- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الخطاب الحداثي لحزب النهضة التونسي | البوابة

محمد عزموطي*

في ظل المتغيرات التي حصلت عبر العقدين الأخيرين في العالم، بات من الأهمية أن تعيد الحركات الإسلامية النظر في خطابها والقالب الترويجي الذي تستخدمه من أجل توصيل الفكر الديني الذي تتبناه للجمهور العام، فلم يعد الأسلوب التقليدي مجدياً، ولم يعد مخاطبة شاب عشريني بطريقة تقليدية لإقناعه بنهج الإسلام ناجحاً إلا إذا كان من خلال أساليب جديدة تتساوق مع تفكير هذا الشاب الذي انغمس في مغريات الحياة بكل سهولة وباتت مسألة الدين شيئا ثانوياً عنده كما هي عند العديد من أقرانه.

وفي هذا السياق تذهب مسألة الخطاب الديني إلى اتجاهين فالأول يخاطب الجمهور للدعوة إلى الفكر الإسلامي كنهج حياة وقد يكون مقدمة للاتجاه الثاني الذي يخاطب الجمهور من أجل الاستقطاب للحركات الإسلامية لتوسيع رقعة القاعدة الجماهيرية، وهنا يكون الانتماء مبنياً على الأساس الديني فيصبح التطبيق سهلا وتحقيق أهداف الحركات الإسلامية أقرب.

اما الخطاب السياسي ولتكن حركة النهضة التونسية أنموذجًا في هذا الخطاب لم يبتعد عن المضمون الديني بل كان هناك دمج للسياسة والدين فأصبح الخطاب السياسي مبنيا على الخطاب الديني أو أصبحا في حالة دمج من أجل الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم وذلك لطبيعة المواطن العربي الذي يميل إلى الخطاب الديني اكثر من أي خطاب آخر.

ومن أجل الانخراط بالمعترك بالسياسي في تونس كانت حركة النهضة  بحاجة إلى أدوات وأساليب من أبرزها الخطاب الذي ستعتمده وكيف سيكون شكله ومضمونه، فذهبت الى تكييف هذا الخطاب مع متطلبات المرحلة التي تمر بها البلاد،  فالقراءات للواقع تغيرت بعد ثورات الربيع العربي في العام 2011، وإلى حد ما نجحت حركة النهضة بأقلمة خطابها وتطويره بما يتماشى مع حداثة العصر ومتطلبات الجماهير في تونس. ومع فوز حركة النهضة في انتخابات 2011 في تونس، برزت العديد التخوفات خاصة من الأحزاب المناوئة للنهضة حيث أصبحت هذه الأحزاب المعارضة قلقة من كيفية تطبيق رؤية الإسلاميين في ظل حياة مدنية تعيشها تونس، مما حدى بحركة النهضة بتدارك هذا التخوف وتبديده من خلال التكيف مع الحداثة سواءا من خلال الخطاب أو أسلوب الحياة.

أولًا: الخطاب الجديد والفصل بين الدين والدولة:

لقد أصبح حزب النهضة يعي أن وجوده بالمعارضة ليس كوجوده بالحكم، فأسلوب الحياة في تونس بحاجة إلى الأخذ بعين الاعتبار ماهية التفكير والسلوك عند المواطنين، فمن الصعوبة بمكان أن يتحول أي مجتمع من متحرر إلى متدين فجأة واحدة.

فالعلاقة بين الدين والسياسة تربطهما شعرة اذا ما اسيء استخدام الدين في السياسة فالحزب هو الذي سيتحمل الوزر وليس الدين وبالتالي سيظهر سخط الناس عليه رويدا رويدا الى ان يحين موعد التغيير، وما التطورات الأخيرة في تونس من التصويت على الدستور الجديد الا مثالا على واقع السلوك السياسي لحزب النهضة بالرغم من تبنيه خطابا معتدلا.

وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن مسألة فصل الدين عن السياسة تعتريها الكثير من الشكوك لعدة أسباب:

الأيدلوجيا والفكر هو الذي يحكم سلوك الإنسان في أغلب الأحيان، فمن الصعب ان يصدر حزب إسلامي قرارا بمنع الإختلاط بالعمل لعدم تقبل المواطنين لذلك، ولكن ايدلوجيا وفكريا هذا هو المطلوب من الحزب على اعتبار انه يتماشى مع تعاليم الدين الإسلامي الذي يتبناه الحزب كنهجاً حياتيا.

اذا ما حاول الحزب فصل الدين عن الدولة فإن المعارضة ستأتي من الداخل، لأن ذلك يتعارض مع مبادئ الحزب.

المجتمع الدولي وسلوك الحزب للتعامل مع المتغيرات الدولية تضعه في موقف غير واضح، فإذا أراد فصل السياسة عن الدين سيظهر ذلك بالسلوك الفردي النابع عن الفكر الديني، واذا تجرد من الفكر الديني سيظهر عليه بالسلوك، وسينتج عن ذلك ما لا يسر أعضاء الحزب الاخرين.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث الفرنسي اوليفيي روا “ولد الإسلام كمجتمع سياسي وديني لا توجد في مؤسسات ولا وظائف متخصصة” في حين يبقى الجدل قائماً حول الديمقراطية في الإسلام السياسي خاصة بعد الوصول للحكم، فيرى التيار العلماني بضرورة فصل الدين عن الدولة في حين يتشبث التيار الإسلامي بعدم الفصل والتمسك بالوحدة بين الدين والدولة.

أما الكاتب المختص بالحركات الإسلامية فهمي هويدي فقد لخص حكاية الفصل من عدمه بالتالي “يظلم الإسلام مرتين، مرة عندما يقارن بالديمقراطية، ومرة عندما يقال أنه ضد الديمقراطية، إذ المقارنة بين الاثنين خاطئة، وادعاء التنافي خاطئة، الأمر الذي يحتاج الى تحرير أولا واستجلاء ثانيا” .

وهنا لابد من الإشارة إلى أنه بعد ثورات الربيع العربي أصبحت الحركات الإسلامية أكثر قبولًا بالمجتمعات العربية، فقد ضاقت الشعوب العربية ذرعًا بحكامها المتشبثون بالكرسي، وهنا برزت الحنكة السياسية لدى قادة الحركات الإسلامية بالتوفيق بين حاجة المرحلة وما يبحث عنه المواطن العربي، فلم يكن تبني راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي أفكار التجديد المنبثقة من المجتمع المدني والاستفادة من التجربة السياسية على مدار عقود برؤية إسلامية أمرا عابرا، إنما حاول من خلال هذا التبني الوصول الى القاعدة الجماهيرية والانطلاق نحو حكم إسلامي يراعي حداثة المرحلة، ولكن استمرار هذا النهج بحاجة الى دراسة معمقة لحال المجتمع من أجل الاستمرارية وحتى يبقى مقبولا لدى الجميع.

ثانيًا: حزب النهضة بالحكم التونسي:

لقد لعبت شخصية القائد راشد الغنوشي لها دورًا بارزًا بمجريات الأحداث بتونس، فهو المفكر الإسلامي الذي تربى في المدرسة القرآنية، وخلال مسيرة حياته استفاد من الفكر الإصلاحي الذي حاول تطبيقه عند الوصول الى سدة الحكم، وحاول استيعاب بعض الأفكار الغربية وحاول دمجها بالخطاب الإسلامي، فهو أقرب ما يوصف بالفكر الإصلاحي المعتدل بعيدا عن التطرف، فهو يرفض فكرة أن الإسلام والديمقراطية لا يتلقيان، ويرى الغنوشي بالنموذج الأوربي أمور إيجابية يمكن الاستفادة منها بمعنى استخدام الحداثة الاوربية بقالب إسلامي يراعي تعاليم الإسلام.

وفي انتخابات عام 2011، حصل حزب النهضة على تسعة وثمانون مقعدا من أصل مئتين وسبعة عشر حصدها الحزب كانت كافية لجلوسه في سدة التشريعات والحكم في نفس العام، حيث استطاع حزب النهضة مزج الدين بالمرحلة آنذاك بعد بروز الإسلام السياسي بعد الثورة، مما لاقى قبولا مجتمعيا للحزب، ومن أسباب الظهور لحزب النهضة أيضا في هذه المرحلة هو القمع الذي تعرضت لها الحركات الإسلامية سابقا ومن ضمنها حزب النهضة التونسية، فكانت الحاضنة الشعبية موجودة لارتباط هذه الحركات بالدين ولضعف الأداء لدى الحكومات والزعماء، فهنا برزت الحاجة للتغيير وفي أقرب فرصة حصل ذلك.

وقد تبنى حزب النهضة التونسي خطابًا معتدلًا سوآءا بالتحضير للانتخابات أو خلال توليه الحكومة، وقدم رؤية حديثة بقالب إسلامي، حيث طرح زعيم الحزب الدكتور راشد الغنوشي برنامجًا لا يلغي قيم المجتمع التونسي وبذات الوقت يراعي التطور والحداثة وأسس الديمقراطية بما لا يتعارض مع الموروث الإسلامي وتبنت شعارات للمرحلة مثل “الإسلام هو الديمقراطية” بدل من “الإسلام هو الحل”

حيث كان حماية المجتمع والسلم الأهلي أساسًا في برنامج الحزب الى جانب تحييد دور العبادة عن السياسة ولم تجبر الناس على التدين، بل اعتبرت أن الدين جانب واحد من جوانب الحياة في تونس وكان من وراء ذلك رسالة ان الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية.

ثالثًا: الممارسة السياسية خلال الحكم:

وكان تحالف حزب النهضة مع الأحزاب العلمانية لدليل على انفتاح الحزب على الحداثة ولم يعد متقوقعا في دائرة ضيقة، وكان زعيم الحزب الدكتور راشد الغنوشي داعيًا إلى الشراكة والانفتاح على القوى الليبرالية مقدمًا نموذجًا لفكرين أيديولوجيين مختلفين، وشكلت ما يعرف بنظام الترويكا الذي يتيح الحكم المتعدد في  البلاد. ولم يكن هناك تناغم بالفكر بين المتحالفين لحكم البلاد، ولكن طبيعة المرحلة تستدعي التنوع بالفكر والايدلوجيا كما رأى جزب النهضة لحماية إنجازات الثورة والمضي قدما بنهضة البلاد.

أما بخصوص الدستور لم يفرض حزب النهضة تشريعات دينية وابقت على الفصل الأول من دستور 1595 الذي يلائم معتقدات الحركة الدينية كما يرى الحزب ولا يوجد هناك أي تنازل عن المبادئ من خلال هذا الدستور وذهب إلى احداث توافق  بين القيم الإسلامية والديمقراطية وحل الإشكاليات مؤكدين على مدنية الدولة، وزاوجت بين مدنية الدولة والهوية الدينية للمجتمع التونسي.

وقد أعلن حزب النهضة موقفه من المرأة ومكانتها بالمجتمع والسياسة بالعام 2011 من خلال المدخل الأمثل للإصلاح مبني على دولة ديمقراطية تحدد فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دون اعتبار للجنس أو اللون أو الدين، وهذا إقرار واضح بحقوق المرأة بكل المجالات، وهنا قطعت الطريق على كل المناهضين للفكر الإسلامي الذي يُتهم بقمع المرأة.

وفي النهاية يمكن القول أنه من مخرجات هذه الدراسة أن حزب النهضة التونسي استطاع المزج بين الايدلوجيا والممارسة من خلال منح الحقوق المبنية على الديمقراطية، اما الخطاب الحداثي للحزب عبر عن سياسة واقعية من خلال التزام الحزب بالديمقراطية دون التخلي عن معتقداتها الدينية.

والأهم من ذلك والذي يمهد لدراسة أخرى تبحث في أسباب عدم الاستمرارية بالحكم، فالنظام القمعي لم يستمر والنظام الديني المبني على الديمقراطي لم يستمر فما شكل الحكم الذي يمكن أن يستمر في ظل استقرار ورخاء طويل الأمد للبلاد.

*باحث في دراسات الشرق الأوسط، الجامعة العربية الأمريكية فلسطين.

- الإعلانات -

#الخطاب #الحداثي #لحزب #النهضة #التونسي #البوابة

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد