- الإعلانات -
السعودية.. ليبيا.. توأم متباعد

تشترك الأقطار العربية بسمات وخصائص تكفي لاعتبارها أمة واحدة.. اللغة.. الدين.. الامتداد القبلي الاجتماعي.. الثقافة.. التاريخ المشترك.. الشعور المتبادل.. التضامن..
في زمن الربيع العربي تجسدت كل أدلة المشترك العربي والوحدة الشعبية.. من هو في أقصى المشرق العربي شغلته أحداث تونس وليبيا، ومن هو في موريتانيا تابع الحدث السوري واليمني، والكل انشغل بما جرى في قلب القاهرة..
حتى الأطفال كانوا يشعرون بالمشترك.. وأتذكر بتعجب كيف أن ابنتي في عمر ست سنوات أعلنت _ وهي تجلس بجواري أثناء متابعتي التلفاز _ وقوفها مع حسني مبارك.. يبدو أنها كانت تسمع اسمه عدة مرات في اليوم فعرفته جيداً وحفظت اسمه.. للأسف لم يصمد حسني أكثر من دقائق بعد وقوف سارة معه.. حيث خرج عمر سليمان وأعلن تنحيه.
بل والكتّاب العرب الساخرين من العرب أصحاب مصطلح (القومجية) أشغلوا أنفسهم بالعرب وأحداث العرب وتطورات ربيعهم وكتبوا عن ذلك أكثر مما كتبوا عن أقطارهم..
الحقيقة تفرض نفسها ولا قيمة للادعاء بعدم وجودها..
نحن أمة واحدة تتأثر ببعضها لأننا أجزاء من كل.. ولن تدفعنا الممارسات السلبية لبعض الحكام أصحاب التوجه القومي؛ في قطع الشرايين العربية فلا بعد النزف إلا الهلاك.
أما عن توأمة السعودية وليبيا فهي لا تقف عند المشتركات؛ بل جاوزتها للمتشابهات في تكوينات الدولتين..
وإن كنا نقول فرقت السياسة الشعوب العربية خاصة الأقطار المتجاورة منها.. فإن السياسة حرمت السعوديين والليبيين من فهم التقارب الكبير بينهما.. وكان هناك إمكانية قيام تعاون عميق بينهما في كل المجالات خاصة المجال السياحي الاجتماعي الشعبي وتبادل الزيارات والتنقل بحرية أكبر في جغرافيا البلدين.. وتسهيل السفر دون تأشيرات..
الصحراء الشاسعة ومداخيل البترول وسمة المجتمع القبلية العائلية المترابطة أهم المتشابهات بين الدولتين.. ويكفي هذا في منح خصوصية أكبر للشعبين للسفر المتبادل.. فالليبي المكتفي ببلده بفرص العمل والدخل الجيد لن يأتي للسعودية لغير السياحة الدينية والتسوق وزيارات الأصدقاء بعد أن تنمو العلاقات بين أفراد المجموعتين..
والسعودي سيزور ليبيا كونها امتداد لعشقه في الترحال البري؛ خاصة أن الارض الليبية أكثر هدوء وفطرية في أديمها من التضاريس السعودية؛ كون المدن في المملكة موزعة على مسافات متقاربة جغرافياً ومنتشرة بكل اتجاه باستثناء منطقة الربع الخالي الخالية؛ أما الأرض الليبية فمدنها وسكانها ممسكين بالساحل وبعمق محدود للداخل مع بعثرة بعض المدن المتوسطة في الجنوب .. وما بينهما مساحة شاسعة من الأرض كما خلقها الله من القدم..
وإن كانت ظروف ليبيا اليوم لا تسمح بالمناقشة الجادة الرسمية والتفاوض بشأن إقامة علاقة خاصة مع المملكة؛ فينبغي المبادرة ببناء تلك العلاقة واحتضان التوأمين لبعضهما بعد أن طال التباعد؛ فور استقرار ليبيا وتعافي مؤسساتها.
وأظن لو استمرت ليبيا ملكية النظام لسنوات أطول لزاد التشابه بين البلدين وتجاوز الأرض والشعب لهيئة الحكم، ولشاهدنا تعاون وتآلف بين البلدين بأقصى درجاته.. ونذكر أن الملك الليبي إدريس السنوسي المتوفى في العام 1983 مدفون في المدينة المنورة بناء على توصيته، وعموم الشعب الليبي مُحب للمملكة.
في بداية الثمانينات جرت لقاءات سعودية ليبية كانت تعد لاتفاقيات اقتصادية ونقل الخبرة السعودية في بعض المجالات المرتبطة بالبترول للأرض الليبية.. لكن الانسجام بين نظامين متفاوتين الأول ملكي وراثي ممتد لمئات السنين والآخر ثوري عسكري يقوده شباب متطلعين؛ كان معدوماً وما يلبث بعد وئام هش أن ينقلب لخلاف حاد؛ لأسباب تغيب فيها السياسة وتبرز فيها الشخصنة والتصعيد الإعلامي بلا مبرر.. وكل ذلك على حساب الشعبين..
كنت أتنقل مع أصدقائي من ترهونة في أحواش الليبيين الكرماء بالقرى المحيطة وفي المدن المجاورة كطرابلس ومسلاتة والخمس ومصراتة وغيرها وعلى شاطيء البحر.. لم أشعر بغربة اجتماعية وكانوا يتعجبون من استيعابي السريع لحديثهم ولهجتهم دون أن أطلب إعادت ما أسمعه وأجيب على السؤال دون الحاجة في تكراره.. الشواهد كثيرة على تماثل حياة الشعبين ولا تحتاج إطالة ..
ويكفي تباعد بين التوأمين..
يوسف علي الشاعل
- الإعلانات -
#السعودية #ليبيا #توأم #متباعد
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
