- الإعلانات -
السودان في أسئلته اللحوحة
السودان، مقام آخر الانتفاضات العربية، في موجتها الثانية أو ربما الثالثة، ومحل آخر هزائم ربيعها أيضاً. وفيه يعود السؤال أكثر إلحاحاً، محملاً بنذر الخراب. وليس هذا سؤالاً يقتصر على البلد العارف بأهوال الحروب الأهلية، بل مرآة لاستفهامات معقودة بلا حل في كل وطن آخر في منطقتنا. فحين اندلعت التظاهرات ضد البشير، بشعارات تشبه تلك التي سبقتها في تونس وفي القاهرة، هل كانت تلك شجاعة متأخرة ما يقرب من العقد، ينطبق عليها شعار لاتيني آخر هو “بلا يأس وبلا أمل”؟ أم أن الأمر لم يتجاوز عبث من لم يتعلم شيئاً من التاريخ؟ كان هذا تاريخاً قريباً جداً، أمكن مشاهدته في النشرات الإخبارية على الهواء مباشرة. لكن لا يهم، فأبو التاريخ الحديث نفسه، هيغل (إن صح عليه هذا اللقب)، يخبرنا ربما بيأس وتشكك في نفسه: “الشيء الوحيد الذي تعلمه أي شخص من دراسة التاريخ أن لا أحد تعلم شيئاً من دراسة التاريخ”.ما الذي يمكن للأيقونة أن تفعله في مواجهة الدبابة؟ وصورة “الكنداكة”، أي حين يتحول الفعل إلى رمز أو يصبح الرمزي فعلاً، ألا تبهت سريعاً مع الوقت؟ هل الغفران ممكن؟عندما جلس المدنيون على الطاولة نفسها مع العسكر، نحّوا جانباً شعارات المتظاهرين المُطالبة بالثأر، “الدم قصاد الدم، ما بنقل الدية”، كان التواطؤ على مذبحة القيادة العامة عربوناً لشراكة بين القتيل وقاتله. حميدتي، المتهم الأول دون غيره، وقّع نيابة عن العسكر على اتفاقية المرحلة الانتقالية، شراكة كانت تحدوها قلة حيلة المدنيين وأمل براغماتي من قبلهم في حقن الدماء، وفوق الكل رغبة في إبقاء باب خلفي للطوارئ مفتوحاً، كي يتيح خروجاً آمناً للعسكر في يوم ما. تلك مقامرة كان ينبغي أن تخاض، وإن كان محكوماً عليها بالخسارة من الرمية الأولى.متي يسقط النظام؟ هل رحل البشير حقاً؟… يحصد السودان “ثمار” أعوام البشير الطوال، عقود من حل الخلافات الأهلية بالعنف المسلح وحده والتطهير العرقي. “التدخل السريع”، وريث الجنجاويد والمستأثر بتركة المذبحة العرقية، يحمل آلات موته المعتادة على الدم في دارفور، ليرفعها في الخرطوم ومروي وغيرها، وحين تستباح المذبحة مرّة، فلها أن تتكرر مرات كثيرة. والجيش، بعدما صار جيش النظام، لا يزيد عن كونه مليشيا بزيّ رسمي ورُتَب وبيروقراطية صُورية. هذه حرب بين مليشيا ومليشيا، بين رجال البشير ورجال البشير، وعلى تركته، نظام البشير مكتملاً لكن من دونه.كانت “الرباعية”هي الضمانة الوحيدة لالتزام العسكر وإلزامهم بتسليم السلطة، يعني هذا أن يكون الضامن هو الخارج، بغية طمأنة أبناء وطن واحد لا يمكنهم أن يثقوا في قواتهم المسلحة. كانت ضمانة الخارج تعني تطبيعاً إلزامياً مع إسرائيل، وتوزيعاً لأنصبة البلاد على محاور مناكفات إقليمية ودولية، وما صار بعدها حرب وكالة صامتة، لم يمر وقت طويل قبل إعلانها.مع رفع أمراء الحرب سلاحهم ضد بعضهم بعضاً، يدركون أن في حسم المعركة مع خصمهم العسكري، حسمٌ للمسألة مع المدنيين أيضاً، أو بالأحرى محوها بالكامل، فلا تعود أسئلة تسليم السلطة ذات مغزى. هل يمكن للمعركة أن تُحسم بأي حال، أم أن تأبيد حالة الحرب هو ما يرغب فيه العسكر؟ وإن حُسمت لطرف على حساب آخر، فمرة أخرى: مَن يحرس الحراس؟
- الإعلانات -
#السودان #في #أسئلته #اللحوحة
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
