- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الشباب التونسي.. “مجرد كلمة”؟

- الإعلانات -

أثار تعيين الرئيس قيس سعيد أخيرا لعدد من الولاة الجُدد ”رؤساء محافظات“ ردود أفعال مختلفة، تراوحت بين معارضة رافضة ومُستهجنة وأخرى مؤيدة ومرحبة.. وككل مرة أيضا كانت هناك شريحة ”البين بين“ الواسعة من جماعة ”نعم ولكن..“، وجماعة ”لا ولكن..“.

كانت حجة الرافضين لهذا التعيين افتقار أغلبية هؤلاء المُعينين الجدد، وأغلبهم عاطلون عن العمل، لأية خبرة في تدبير الشأن العام ولأية مسؤولية سابقة تضع مهاراتهم وكفاءاتهم على المحك..

أما المساندون فقد نوّهوا بهذه المبادرة الصادرة عن مدرس بالجامعة ارتقى إلى السلطة دون تجربة سياسية سابقة، ولكنه عرف كيف يصل إلى الخزان الانتخابي الهائل الذي يمثله الشباب فيكسب لا فقط أصواتهم بل ليتولى العديدون منهم الدعاية له ولوعوده في تنفيذ ما يريده الشعب واستبدال نظام الحكم الذي عرفته تونس طيلة ستين عاما بنظام آخر تتجدد من خلاله الطبقة السياسية، وتُعطى فيه الفرصة للشباب للمشاركة في اتخاذ القرار وتفعيل استحقاقات الثورة وقد كان الشباب وقودها.

والواقع أن طلب تجديد الطبقة الحاكمة وتشبيبها أو العمل عليه ليس استثناء تونسيا، فلقد عرفت الديمقراطيات الغربية خلال السنوات الماضية هذا التوجه لتشبيب دوائر اتخاذ القرار، بما فيها دوائر اتخاذ القرار العليا، ولقبول ”شيوخ“ رجال السياسة بهذا الأمر الواقع، بل لمباركته والتشجيع عليه..

تولى، على سبيل المثال، إيمانويل ماكرون رئاسة فرنسا العام 2017 وهو في التاسعة والثلاثين، إلا أن ماكرون، المتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة، وهي من أرقى المعاهد الفرنسية المتخصصة في تخريج كوادر الدولة العليا، ومن كلية العلوم السياسية، والحاصل أيضا على إجازة في الفلسفة مع دراسات حول مكيافيللي وهيغل، وهذا أمر لا يعرفه الكثيرون، سبق قبل الجلوس على كرسي الإليزيه، أن عمل مفتشا للمالية ثم مسؤولا كبيرا في بنك روتشيلد الشهير، ووزيرا للاقتصاد والصناعة في عهد فرانسوا هولاند، كما عرف كواليس المطبخ السياسي الفرنسي ودهاليزه لما شغل منصب مساعد الكاتب العام لديوان هذا الأخير.

ويمكن أن نذكر في هذا الصدد أيضا جاستن ترودو، رئيس وزراء كندا، الذي تولى هذا المنصب وهو في حدود الأربعين، وسبق له قبل هذا رئاسة الحزب الليبرالي الكندي، وراكم تجربة في العمل السياسي من خلال عمله أكثر من عشر سنوات كعضو في البرلمان ببلاده، وعُرف بتبنيه قضايا هامة مثل التعددية الثقافية والهجرة والحق في المواطنة، كما شغل منصب وزير الشباب..

وهذا دون أن ننسى سانا مارين، رئيسة وزراء فنلندا، التي تُعد أصغر رئيسة حكومة في العالم، وقد نهضت برئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وتبنّت قضية الدفاع عن المساواة بين الجنسين، قبل أن تصل إلى هذا المنصب وهي في الخامسة والثلاثين.

تعمدت ذكر هذه الأمثلة، لأن منصب الوالي أو المحافظ في تونس يوازي مسؤولية رئيس جمهورية مصغرة، لما له من صلاحيات، ولكن لما له أيضا من واجبات الإشراف على تنفيذ سياسات الدولة في جميع القطاعات على المستوى الجهوي ومتابعتها، بدءا بقطاع التربية وانتهاءً بقطاع البيئة وتدوير النفايات، والتنسيق بين السلطة المحلية والمركزية.

هذا يقودنا إلى التساؤل: هل لهؤلاء الشباب الذين عيّنهم الرئيس قيس سعيد في مثل هذه الخطط الوظيفية ذات البُعد السياسي وغيرها من الخطط الأخرى، والذين نتحمس لإدماجهم في الحياة العامة، ما يؤهلهم من التكوين وسعة الأفق والتجربة الميدانية ومعرفة أساليب الحكم، حتى في أدنى مستوياته، لتولي مثل هذه المسؤوليات؟

وبعيدا عن الحفر في النوايا والذهاب إلى أن هذا التعيين جاء في إطار دعم قيس سعيد أو مكافأته لأنصاره ممن يواصلون الدفاع عن مشروعه، فإن تواتر ما توصل إليه العديد من الدراسات حول علاقة الشباب التونسي بالمشاركة السياسية في مختلف دوائر القرار من عزوف ولامبالاة تضفي على تساؤلنا وجاهة ومشروعية، بعيدا عن التعميم وعن ترديد ما يُقال عن افتقار الشباب التونسي للتكوين الضروري أو الخبرة الكافية لتولي مسؤوليات حساسة.

قصص نجاح العديد من الشبان التونسيين في إدارة مؤسسات أكاديمية أو اقتصادية ومالية أو غيرها في تونس وخارجها، تؤكد أن المؤسسة التعليمية التونسية رغم بعض هِناتها ما زالت قادرة على التكوين الجيد لأبنائها وعلى مواكبة جديد العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية، وأن هؤلاء الأبناء يبدعون عندما تتوفر لهم فرص وأجواء الابتكار والإبداع.

ما نريد التنبيه إليه هو أن ضعف مؤشرات المشاركة السياسية والمدنية للشباب التونسي، والذي تشير إليه تلك الدراسات، ومن ضمنها دراسة أنجزها منذ سنوات قليلة البنك الدولي بالتعاون مع خبراء دوليين والمرصد الوطني للشباب بتونس، يُلقي بظلاله لا على مدى وعي هؤلاء الشباب بالتحديات التي تعيشها تونس فقط، وبالتالي على تشكل رؤية لما به توجد الحلول لهذه التحديات، ما يتطلب معرفة متينة بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وصياغة رؤى لتغيير هذا الواقع، ولكن أيضا على وعيه بأنه يمثل قوة دفع مسؤولة على المشاركة في إحداث التغيير، وهو بالتالي مطالب بأن يتأهل ليكون تلك القوة الحقيقية التغييرية.

وغني عن البيان أن ذلك لن يتأتى له دون الإحساس العميق بالانتماء إلى المجموعة الوطنية التي ينتسب إليها، وهو انتماء يجب أن يكون أقوى وأشد صلابةً وثباتًا من الانتماء الإيديولوجي أو الحزبي، الذي كثيرا ما يغلب عليه الانتماء العَقدي والجهوي والعشائري الذي يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تقويض الانتماء للوطن في ضرب من تضارب المصالح أو حتى صراعها.

ولكن، ما الذي توفر للشباب التونسي ليكون منخرطا في الشأن العام، وليُمثل قوة دفع لتغييره وتطويره وليتجاوز مواطنته السلبية، وفي أفضل الأحيان الافتراضية، حيث يكتفي في أغلب الأحيان بممارسة الرفض والتمرد على صفحات ”فايسبوك“ ومن مقاهي الإنترنت؟.

وما الذي يؤهله لتولي مسؤوليات عامة كتلك التي كلف بها الرئيس سعيد بعض الولاة دون تكوين يذكر، ودون تجربة ميدانية سابقة، مواجهين واقعا اجتماعيا واقتصاديا معقدا، غير مسلحين سوى ببعض الحماس والأحلام؟

لن نتوقف عند ذكر الأسباب التي أتت عليها دراسة البنك الدولي، والتي تخص عزوف الشباب التونسي عن المشاركة السياسية والمدنية، فهي أسباب واضحة لكل مراقب، ولكن سنتوقف عند العجز الكبير للتشكيلات السياسية، ونعني الأحزاب أساسا في تأطير الشباب وإعدادهم لتحمل مسؤوليات عامة، بالإضافة لما تقتضيه هذه المسؤوليات من تكوين مختص.

عندما نستعرض هذه التشكيلات الحزبية، نجد أن حركة ”النهضة“ تأتي في مقدمة الأحزاب التي تولي اهتماما بالشباب، فبالإضافة إلى مكتب موسع للشباب بالحركة، يسعى هذا الحزب إلى استقطاب الشباب الطلابي وغير الطلابي ومن كل فئات المجتمع التونسي..

إلا أن تأطير النهضة لشبابها يغلب عليه التأطير الإيديولوجي، إن لم نقل العَقدي الذي يبجل الدفاع عن وجود الحركة وتموقعها في المشهد السياسي التونسي أكثر مما يبجل تكوينا يساعدهم على فهم متغيرات مجتمعهم، بما في ذلك فهم أسباب تراجع ألق حزبهم الذي فشل في حكم تونس طيلة عشر سنوات، لذلك تتسم أغلب مواقفهم بردود الفعل الدفاعية ”السلف ديفانس“ أكثر مما تتسم بإرادة الفهم والبناء.

في المقابل، تستوقفنا تجربتان مختلفتان عن تجربة حركة ”النهضة“ في التعاطي مع الشباب، هما تجربة ”الحزب الحر الدستوري التونسي“، وبدرجة أقل حزب ”آفاق تونس الليبرالي“، فقد بعث الحزب الأول أكاديمية تُعنى بدراسة مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمالية والتربوية التي تهم المواطن التونسي، وقد عُرف عن الحزب الحر الدستوري التونسي دراساته الدقيقة عن إعداد ميزانية الدولة التونسية، مما يؤكد أن وراء هذا الحزب نخبة من الأكاديميين التونسيين الذين يعاضدون دور هذا الحزب في نشر المعرفة لدى أنصاره من كل الأجيال، ولكن خاصة من الشباب والنساء الذين تعتمد عليهم عبير موسي، رئيسة الحزب، في إيصال صوتها المعارض بكثافة وباستماتة وتضحية مشهود بها لهؤلاء الأنصار.

ومن جهته، أولى حزب ”آفاق تونس“ المسألة الاقتصادية والاجتماعية أهمية قصوى في برامجه، وقد انعكس ذلك في دوراته التكوينية لأنصاره، وجلهم من الشباب الليبرالي المتخرج من المعاهد والجامعات المختصة، بيد أن عدد أتباع هذا الأخير يظل قليلا مقابل أعداد الشباب المتروك على الهامش، أو ذلك الذي يتحمس لأفكار عامة حول العدالة وتفعيل إرادة الشعب التي يروج لها قيس سعيد ويستقطب من خلالها شبابا مأزوما انسدت في وجهه سبل الحياة الكريمة، ولكن دون أن تمكّنه تلك الخطابات التي يطلقها ساكن قرطاج، رغم صدق نواياها، من آليات لفهم الواقع بموضوعية والعمل على تغييره، حتى إذا دُعي لموقع المسؤولية من كان أهلا لها..

ربما كانت بعض الأحزاب الديمقراطية والقومية مؤهلة للقيام بهذا الدور، ولكن تنقصها الإمكانيات المادية واللوجستية وربما حتى نمط القيادة الذي مازال في كثير من الحالات يتمسك بالقيادات القديمة التي خاضت النضال أيام النظام البورقيبي والذي تلاه، والتي مازالت تغلق الباب أمام الشباب لتحمل المسؤولية داخل أحزابها، فضلاً عن غلبة الطابع الإيديولوجي لخطاباتها.

ولا يمكن أن ننسى في هذا الصدد أيضا دور المجتمع المدني؛ ففي تونس توجد جمعيات ناشطة وجدية في تعاملها مع الشباب، إلا أن التكوين الذي تقدمه للشباب انصبّ، خلال السنوات الماضية، على قضايا الانتقال الديمقراطي وحقوق الإنسان بما في ذلك مناهضة العنف ضد المرأة وحقوق الأقليات.. ولا شك أن هذه الثقافة الحقوقية تخلق حاجيات وتطلعات جديدة أكثر ما تمكّن الشباب من آليات لانتزاعها.

يُعرّف عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو الشباب بقوله ”إن الشباب ليس سوى مجرد كلمة“، للدلالة على أن كل تعريف للشباب إنما هو تعريف تعسفيّ وقسريّ، ليس لأن الشباب، في كل المجتمعات لا يمثل مجموعة متجانسة فقط، بل لأن الشيوخ يسقطون على الشباب ما لا طاقة لهم به.

وما الذي يُسقطه شيوخ السياسة على الشباب التونسي الذي كان لا يتجاوز جلّهم العاشرة من أعمارهم عندما قامت الثورة؟ قبضة من الأحلام والمُثل وطاقة من الاحتجاج والكسر والهدم لا تعوض طاقة التغيير والإضافة والبناء المنتظرة منهم.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

#الشباب #التونسي #مجرد #كلمة

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد